الشاعرة ميثاق كريم الركابي
دس الخمر بالشعر لولادة راهب الخمر – نصوص – حمدي العطار
مما لاشك فيه أن القصائد يمكن ان تعبر عن المواضيع الكبيرة والخطيرة باستخدام سحر الكلمات الغامضة ذات المعاني المركبة وقدرتها على التأويل في التعبير والتفسير لتكون الخلطة قصيدة مؤثرة قد تعادل كتابا كبيرا تدرسه او رواية ضخمة تستغرق في قراءتها عشرات الساعات! هل هذا دفاع عن الشعر والشعراء الذي يصر البعض على ان العرب قد غادروا مفهوم (الشعر ديوان العرب) وساروا نحو ثقافة الرواية الحديثة ،السرديات الغرائبية ،ومنعطفات الانثروبولوجيا، حتى ان الكثير من الشعراء غيروا هويتهم الابداعية ليكونوا روائيين! فهل كان العيب بأدوات التعبير؟ ام هي طبيعة المجتمعات التي تتبدل أمزجتها الثقافية والأدبية والفنية باتجاهات مختلفة.
ديوان (راهب الخمر) للشاعرة “ميثاق كريم الركابي”الصادر عن دار الجواهري سنة 2015 تتحدى بقصائدها الستين ،جميع المسلمات والبديهيات الفنية والأدبية والسياسية والاجتماعية،هي حقا شاعرة تقول ما تحس به بشكل فني ولا تخاف في قول الشعر لومة لائم ! فالشعر عندها أحيانا هذيان واع ، وصحوة سكران ، ورؤية حالم ،وحب عذري، وانهر من الخمر، يتم أحتساؤها لنفقد الذاكرة الخائفة من السلطة ومن ضوابط المجتمع لتنقل قارئها الى حيث يتوجه ،بالقرب من حبيبها،الى صديقها الذي يشبه انكيدو،الى حيث الثوار من اجل الحرية،وتتقمص دور عشتار النساء،الى الحب المستحيل ،الى المطر، والصباح، والياسمين ،والى الثغر الشهي،والى الكف والأصابع العشرة،ومنها الى حكام العرب الظالمين لتروي اليهم قصة اندلسية ، ومن العام الى الخاص جدا والذاتي ،فهي تناغي جسد الأنثى بتفاصيل دقيقة وتفصل مكوناته الى مناطق ولكل منطقة لذة وراحة مختلفة ليصل الى قمة اللذة وتؤسس بين النهدين “جمهورية الفرآشات” لتتوسد مرتاحة ليس عمرا ولا حتى اياما بل يكفيها “ليلة واحدة”،وتغني للحزن أفضل مما تغني للفرح، وتصف الألم والفراق والموت اعذب مما تصف الود والمعاشرة والحياة،ودائما الداء هم الآخرون والنفس والدواء هو (القصيدة)،وتعــــــــــــــاني الشاعرة من الفراق والغياب والوداع والحنين والموت والغضب ،وتدين الذل والعبودية والاستبداد والعناد والخوف وظلم المجـــــتمع الذكوري ، بعد كل هذا تقول الشاعرة “ليس بالحب وحده يحيا الشاعر” والحب عندها انواع ،واقوى انواع الحب هو (الوطن) حتى تطلق على العراق (وطن الشـــــــــــمس) و(عواصف الدم).
تداعيات مفردة
أستخدمت الشاعرة مفردة الخمر كعنوان لديوانها (راهب الخمر) وهنا أشارة واضحة لمعنى الخمر “النبيذ” عند المسيحية حينما قال (دمي هي الخمرة والخبز هو جسدي) لتكون الطقوس في الكنيسة بوضع كسرة الخبز في اناء النبيذ وتذوق الجميع منه ! وقد اختارت الشاعرة العنوان بعناية فهي تضع الخمر مع الراهب،والراهب هنا هو من ينذر نفسه للدين ،ويحاول ان يجتهد حتى يصبح قديسا او مرتبة اعلى من المراتب الدينية ،لنقرأ معا قصيدة (راهب الخمر) :-
“راهب الخمر../ كأسك ملأى بالحزن / وأنجيلك أياته السكر / أديرتك ..تسابيح / أشعار أبي نؤاس/ ولمحرابك دعوات صماء / كقبور على الطرقات لا تحمل أسماء/ جريح تحوم على ليلك / كنبع أرهقه العطش!” انظر قوة المعنى والتشبيهات المتعددة للكأس والدير والمحراب والنبع، تشبيهات مرة تكون متماثلة بالمشبه به واخرى تكون متناقضة عنه ، لننتقل الى مناجاة الشاعرة للراهب الذي يصوره غير سعيد “كأسك العاشر/ فشل ليدفن غصة/ تلهو بين أضلعك كالشرر/ حملت الموت مرات/ وأبى أن يحمل همومك مرة” انه الاكثار من تناول الخمر عسى ان تمح ومضة الحزن (الغصة) هو الراهب اذن له همومه لا يلتفت اليها أحد لأنه في موقع المضحي وليس له حق المستفيد ،لنر ما تصرح به شاعرتنا من علاقة بينه وبين راهب الخمر “راهب الخمر/ ما بيني وبينك../ ليس رسائل عشق/غردت على شفتي الحبق/ ولا كرنفال فراشات وقت الغسق/ ولا قدر يمضغ الحلوى فرحا/ ولا جنة دروبها الألق/ ما بيني وبينك../ تأريخ ألم مجهول / وثورة تصارع الغرق/ ونبض اغتاله الوطن”1”
تداعيات متفرقة
لم ترتو شاعرتنا من الخمر في قصيدتها الرائعة (راهب الخمر) بل سنجد الخمر كمفردة وكمعنى وكتأثير مشترك في العديد من قصائده ،نذكر منها “جسدها مصحف آياته الخمر/ عينيها فضاء من دجى”2 “انا من عصرت الليل خمرا/ ورشفت العشق جنونا وشعرا “3 ” وأصنع من شفتيك / جغرافية خمر/ وانسج من عينيك / معجزة ..أغيض بها / عجائب النيا السبع/ اودعك ../ وبعد قصيدتين ألتقيك”4 “وطني أيها الحبيب الغادر/أهكذا تغتصب غدي ؟/وأنا التي رسمت لك من يراعي/ مآذن شعر..قباب عشق/ يثمل على أعتابها الخمر”5 “فكل سماء في محرابها كأس/ وراهب صلواته الخمر/ أحبك”6 ” وماذا أفعل وأنا أحدث المطر/عن نيازك دفء شتائك/ عن حلمة توردت بفم الليل/ عن صوت يصفع الافيون والخمر/ احبك جدا”7 “أؤمن بالثورة ..ومبغى الشعر/فرويدك يا آدم../ أنفعالاتك عن الشرف/كذب وزيف/دماغك محشو بغرائز حيوانية/ وانت من نهر الزنا تشرب/وبالاجساد العارية / تلهو ..تسكر/ أيجدي الكلام؟/وأنت سيد النفاق/ وبالكذب تطرب!!”8
“ولحظة سكر..عمرها / ألف كأس من الأحزان…/ الشعر قضية ..وثورة / فتعال يا صاحبي / نخضب مصاحفنا بالأنين/ ونرفع نخب..تمزق الأوطان”9 “ليلتي ..حانة/وعشقك الخمار/ وقصائدي بنات ليل “10 “أساطيرها تلد السماوات/ وبكل سماء أغنية خمر”11 “يا من قبيلته الخمر/ وكنيته ..الكرمة “12 “فرغت كل زجاجات الخمر/ ولم يثمل حزن الوطن/ نساء تسبى..ورقاب تذبح/ قبور بلا أسماء..لا دمع عليها/لا دعوات تقبل/ ارضنا مسلوبة من لعناء/ فعواصف الدم لا تطرق/ الا باب العراق”13 “عيناك قصيدتان / تعبران ضفاف ليلي/تمزقان ضجر صمتي/ تملآن كأسي/ بخمر الاعياد”14 “خمر أنا بزجاجة حبك/يحتسني الشوق كل حين / لا أفيق من نشوة سكرك/ ولا أنت بالصحو تمطرني”15 “عشقي / عنب متهم بالخمر/ما ذنب العرائش/حين تتدلى بعناقيد /لها مرح الغجر/…هجر المحراب ليتعاطى السكر”16 “ارحل/ وستجدني رسالة حب/ يشتاقها بريدك/ ولغة حنين/تخرج من بين أصابعك / وغيمة نبيذ تغفى بكأسك”17 “ومن أنت..؟/لتتكسر الأزمنة على قامتك/وتمتلئ الحانات خمرة/ من كرمة هيبتك”18 “فمن مثلك لا يعشق ألا مثلي/ لا يحلو خمره ألا بكأسي”19 ويبدو للمتلقي وهو يقرأ قصائد ميثاق الركابي يشعر بالدوار اللذيذ الذي تخلفه خمرة حروفها في سياقات فيها من الحبكة الفنية التي لا تستدعي الاقتحام بالشكل الفني للقصيدة،وجراءة تحسد عليها ،وأدانه للكورية وتحدي لعدم المساواة والى التقاليد والعادات التي تحاصر المرأة وجريتها!
ملامح شاعرية
في ديوان “راهب الخمر” سيجد القارئ العديد من ابيات الشعر التي لا يقاوم اعجابه بها لما تحمله من احساس مرهف بالاحداث وقسوة الظروف ومعاناة الجميع نذكر منها “ففي قصيدة (كيف أصفك) تنهي القصيدة بهذا الاعجاب “أعطاك الله وجها/ وبصنعه ..لم يبخل”و تقول في قصيدة (أبنة العنب) “يا أبنة العنب/أيامك..طرب حانات/وحديثك كأس دهاقة بالشعر/ وجفاؤك.توبة/لا يقبلها الله /وأن كانت بمحراب من ذهب”وعن نفسها ترد على عن تساؤله في قصيدة (من أنا) تقول”أنا من تغلغلت بملامح وطني/ حتى صارت روحي تشبه العراق /فلتسقط القضبان وليسقط السجان / انا ..عشتار النساء” وفي قصيدة (أبحث عنك) تذكرنا بأنشودة المطر للسياب “أتعلمين أي حزن ينجب الشعر!/ ماذا أفعل يا عريشة العنب/ كي تأتين؟/ وماذا أفعل وأنا أحدث المطر/عن نيازك دفء شتائك/عن حلمة توردت بفم الليل” وعن الصداقة وفقدان العزيز في قصيدة(أنكيدو..صديقي) تقول “بعدك يا أنكيدو/ماذا عساي أن افعل/أنطفأ مشعل الصداقة / حين أصبحت بين ذراعي الموت” لينهي قصيدته بالابيات الحزينة التالية “انكيدو/ الأيام دونك /قربة مثقوبة/ تبلل ذكرياتي بالدمع” ونختم دراستنا بقصيدة الغضب (من أنتمي اعرب؟) عجيب أمركم يا حكام العرب/يا اخوة يوسف/يا من زمرة دمائكم الدجل/ أختلفتم على السلام/وتصافحتم على الحرب/تصنعون للتأريخ القادم مجازر/وتهتفون (فلتحيا الأمم) /يا من اتخذتم الصبيان شهوة/أهذه شيم العرب” لتنهي قصيدته بهذه الابيات النارية “أنتم عفن بسوق الضجر/وغراب يدعي أنه نسر!/أنتم ثورة خيبات لا تثمر ألا الضرر/فلا تتباه أنكم خير الأمم/ أنتم قطاع طرق سرقوا الذهب/وزمهرير ..ودخان / وروث غنم”
مهما حاولنا الاقتراب من منطقة الابداع الشعري للشاعرة” ميثاق الركابي”انفسنا ندور في متاهات فكرية واحساس غامض يتغلب عليه حب الحياة والحرية والعدالة في مجتمع يفتقر الى كل هذه المفردات.
الهوامش
1-راهب الخمر ص7 -2- ابنة العنب ص14 -3 من انا ص19 – 4- اودعك ص24- 5 انا حواء ص33- 6 الف عام من الياسمين ص35- 7- ابحث عنك ص37- 8رويدك ادم ص43- 9- يا صاحبي ص48- 10 جمهورية فراشات ص62- 11- ليلة واحدة ص 64 -12-دواء قصيدة ص68 -13- كرامة بلادي ص87-14- قصيدتان ص89- 15 – مثيمة ص 90 -16 اتهام ص94- 17- ارحل ص95- 18-من انت ص 102 – 19 – امراة تهز قبور التاريخ بدل المهد ص .109

















