دروس من نكبة الموصل – مقالات – سامي الزبيدي
يستذكر العراقيون هذه الأيام نكبة حزيران من العام الماضي عندما باع الخونة من السياسيين الفاشلين وقادتهم الفاسدين المتخاذلين الموصل الحدباء لعصابات داعش بثمن بخس وفروا من المواجهة يجرون أذيال الخيبة دون أن يقاتلوا وسلموا الموصل لمئات من الدواعش خلال ساعات وسلموا معها الأسلحة والآليات والمعدات والتجهيزات التي تقدر أثمانها بعشرات المليارات من الدولارات صرفت من أموال الشعب العراقي هدية لداعش كي يقتلوا بها أبناء شعبنا وتسببوا بمآس و بكوارث إنسانية تقشعر لها الأبدان ويشيب لها الولدان, في سجن بادوش قتل الدواعش المئات وفي سبايكر أعدموا الآلاف وفي سنجار وتلعفر ذبحوا وقتلوا واغتصبوا وسبوا المئات من النساء ونزحت من الموصل ولاحقاٌ من صلاح الدين التي سقطت هي الأخرى بيد داعش بدون قتال آلاف العوائل هاربة من جحيم داعش وجرائمها المنكرة هائمة على وجوهها إلى الجبال والهضاب المقفرة والى مناطق كردستان في أوضاع إنسانية مؤلمة وصعبة ,كانت جريمة سقوط الموصل نكسة وهزيمة مذلة وفق المعايير العسكرية وكانت صفحة سوداء في سجل أشخاص تبوأ المناصب السيادية وآخرين وضعت على أكتافهم الرتب العسكرية العالية دون استحقاق وبلا كفاءة ولا مهنية ولا خبرة ولا نزاهة هبةٌ من أسيادهم السياسيين الفاشلين وكانت نكبة لأبناء شعبنا في الموصل وصلاح الدين وكركوك وديالى ولكل شعبنا ولأبناء قواتنا المسلحة ,والآن وبعد مضي عام على هذه النكبة والنكسة الكبرى هل استوعب السياسيون والقادة العسكريون دروسها جيداٌ ؟ وهل شخصوها وعملوا على وضع الحلول لها ؟ وما هي هذه الدروس المستحصلة من هذه النكبة ؟ إنها بلا شك دروس عدة للأسف الشديد لم يؤخذ العديد منها بنظر الاعتبار لا في الموصل ولا في معاركنا اللاحقة فتكررت الأخطاء في بيجي ومصفى بيجي والثرثار والرمادي ومن أهم دروس نكبة الموصل ما يأتي : 1. البناء المخطوء للمؤسسة العسكرية بعد الجريمة الكبرى التي اقترفها الأمريكان والمتمثلة بحل الجيش العراقي عام 3003 ارتكبوا جريمة أخرى عندما قاموا بتشكيل جيش جديد لم يتم بناؤه وفق أسس مهنية صحيحة ولا مبادئ عسكرية معروفة تستند إلى ستراتيجية قتالية فاعلة أو عقيدة عسكرية واضحة في ظل التهديدات التي كانت تحيط بالعراق إنما قاموا بتشكيل جيش مناطقي سيطرت عليه الميليشيات الطائفية خصوصاٌ بعد قرار دمج الميليشيات في هذا الجيش فغاب عنه الضبط والنظام والسياقات الصحيحة أهم صفات الجيش العراقي المعروفة وحل محلهما العلاقات الحزبية والطائفية والفئوية فانعكست هذه الأمور على الإعداد والتدريب والضبط ولهذا لم يكن هذا الجيش إلا شبح جيش 2. انتخاب القادة والآمرين لم يتم انتخاب قادة وآمرين لفرق وتشكيلات هذا الجيش من الضباط المهنيين من ذوي الخبرة والتجربة و الكفاءة إنما دخلت المحاصصة الحزبية والطائفية والعلاقات والرشا الكبيرة في تعيين القادة والآمرين فكانت قيادات وهيئات الركن لهذا الجيش غيركفوءة وغير مهنية وغير نزيهة فهل تستطيع بناء قوات مسلحة مهنية وكفوءة ؟ 3. الضعف الكبير في التدريب لم يتم تدريب الجيش الجديد تدريباٌ عسكرياٌ حقيقياٌ يستند إلى مبادئ التدريب الحديثة المعروفة ويأخذ بنظر الاعتبار واجبات الجيش المستقبلية ومهماته القتالية ,وكيف يتم تدريب جيش لم يتم بنائه بناءٌ صحيحاٌ ولم يتول قيادة تشكيلاته ومؤسساته التدريبية ضباطاً أكفاء ولم تتيسر لديه المؤسسات التدريبية الجيدة والمعلمين والمدربين الأكفاء ولا القاعدة المادية الجيدة لأنواع التدريب المعروفة الأساسي والتعبوي وتدريب المهارات والاختصاص ولهذا كان الإخفاق في الموصل وغيرها .
4 . الضبط المعروف عن الجيش العراقي تميزه بالضبط الصارم وهي علامة فارقة من علامات الجيش العراقي التي يتميز بها عن الكثير من الجيوش وأهم العوامل التي تساعد في بناء الضبط وديمومته هي التدريب والاحترام المتبادل بين المافوق والمادون والعدالة في تعامل القادة والآمرين ووجود سياقات العمل الصحيحة والأوامر الواضحة وتأمين المستلزمات الإدارية الجيدة وغيرها من العوامل ,والمؤشر الكبير على الجيش الحالي هو الخلل الكبير في حالة الضبط والنظام بسبب ضعف القادة والآمرين وفرض آمرين لا تتوسم فيهم مبادئ القيادة والتدخلات الحزبية والطائفية والفئوية التي أصبحت فوق القدم العسكري والتسلسل في المناصب والرتب . 5 . العقيدة العسكرية بعد تشكيل الجيش الجديد لم تكن هناك ستراتيجية محددة لمجابهة تهديد الجماعات المسلحة التي تهدد أمن العراق بسبب عدم وجود عقيدة عسكرية واضحة وفي ضوء هذه العقيدة يتحدد نوع التسليح والتجهيز المطلوب ونوع التدريب الملائم لهذا التهديد وأعداد التشكيلات القتالية التي يتم تهيئتها لمجابهة التهديدات المحتملة . 6. الخطط الجيدة لم يتم إعداد الخطط الجيدة والمرنة لمجابهة تهديدات داعش وأسلوب عمله وتكتيكاته سواء في الموصل أم في القواطع الأخرى وهذه نتيجة طبيعية لقلة خبرة القادة ومحدودية تجربتهم ومعلوماتهم والضعف الكبير في هيئات الركن في جميع المستويات . 7. المعنويات وهي العامل الحاسم في كل الحروب فقد كانت معنويات القطعات متدنية بسبب الفساد المستشري في وحدات وتشكيلات الجيش والضعف الكبير في الجانب الإداري خصوصاٌ تأمين الأرزاق والرواتب للمقاتلين حيث يتم سرقة المبالغ المخصصة للأرزاق من القادة والآمرين ونفس الحال ينطبق على رواتب المقاتلين بالإضافة إلى وجود أعداد كبيرة من الفضائيين في جميع الوحدات والتشكيلات كل هذه الأمور وغيرها أثرت على الحالة المعنوية لباقي المقاتلين القلة المتواجدين في الوحدات والذين باتوا يتحملون عبء الواجبات القتالية اليومية . 8 . الشؤون الإدارية أشرت لبعض جوانبها في الفقرة السابقة والمشكلة الكبيرة التي تعاني منها قيادات الجيش وتشكيلاته ووحداته هي عدم وجود منظومة إدارية متكاملة تشعر المقاتلين بالاطمئنان لان أرزاقهم وعتادهم ومياه الشرب تصل إليهم بانسيابية وفق منظومة التعويض المعروفة في الجيش كما إن الخسائر في الأشخاص كالجرحى والشهداء والخسائر في الأسلحة والمعدات يتم إخلاؤها وفق هذه المنظومة وقد لاحظ المقاتلون عجز هذه المنظومة في أوقات الهدوء فكيف الحال عند حدوث المعارك , وأهم أسباب الخلل الكبير في المنظومة الإدارية هو الفساد والسرقات الكبرى وغياب السياقات الصحيحة. 9. الاحتياطات يجب أن تتضمن الخطط الدفاعية عن المدن والأهداف الحيوية وجود احتياط من القوات في كل مستوى خصوصاٌ في مستوى قيادة العمليات والفرق وحتى المستويات الأدنى ,ولقوة الاحتياط واجباتها وأهدافها المحددة في الخطط والأوامر ومن ضمن هذه الواجبات القيام بالهجوم المقابل لاستعادة أي هدف أو منطقة ينجح العدو في احتلالها أو تعزيز القطعات التي تحتاج للتعزيز لتتمكن من الصمود إلا أن دور الاحتياط في معركة الموصل لم يكن واضحاٌ ثم أين هي قوات الاحتياط لقائد العمليات وأين احتياط القائد العام للقوات المسلحة ولماذا لم يتم زجهما بعد أن خرقت مجاميع من داعش الدفاعات الأمامية للتشكيلات ؟. 10 .الأوامر الواضحة لم تكن هناك أوامر واضحة للقطعات معدة بعناية ووفق احتمالات وأسبقيات محددة لمواجهة التهديدات المحتملة لداعش لمدينة الموصل بل اعتمد على أوامر وتوجيهات قديمة لم يتم تحديثها طبقاٌ للنيات الأخيرة لداعش ولم يتم الممارسة على واجبات التشكيلات بشكل هيكلي أو بقطعات الاحتياط وفق الأسبقيات وأهمية الأهداف في المدينة , كما أن هذه الأوامر كانت غير واضحة وغير مرنة ولم يعرف القادة والآمرين والمقاتلين واجباتهم بالتفصيل وبشكل دقيق . 11. واجبات الفرق والتشكيلات والوحدات أنيطت لبعض التشكيلات والوحدات واجبات أخرى أضافةٌ لواجباتها كالمداهمات واعتقال المدنيين لابتزازهم ونصب السيطرات للحصول على مبالغ مالية من المواطنين وابتزاز التجار والميسورين واستحصال الاتوات منهم وبمبالغ كبيرة وتنظيم السير في شوارع المدينة وغيرها مما جعل هذه التشكيلات والوحدات تهتم بهذه الواجبات التي توفر للقادة والآمرين والضباط وحتى المراتب واردات يومية وشهرية كبيرة فتركت هذه التشكيلات واجبها الرئيسي وتفرغت لهذه الأعمال فكانت النكبة . 12 . تعدد القيادات ومراكز القرار إن مبدأ وحدة القيادة من مبادئ الحرب المهمة ويعرف ذلك كل القادة وضباط الركن لكن وللأسف الشديد فان هذا المبدأ لم يتم العمل به لا في الموصل ولا غيرها فالقوات المعسكرة في الموصل كانت تخضع لقيادات متعددة فالشرطة الاتحادية تعمل بإمرة وزارة الداخلية وقوات الرد السريع ومكافحة الإرهاب تعمل تحت قيادة قائد قوات مكافحة الإرهاب والفرقة الذهبية تحت قيادة أخرى وتعدد القيادات هذا يسبب إرباكاٌ كبيراٌ في العمل ويفقد القائد الميداني سيطرته على القطعات العاملة في قاطعه ويضيع مبدأ وحدة القيادة والسيطرة , والمعروف في السياقات العسكرية إن أي تشكيل أو وحدة تأتي إلى قاطع معين تصبح تحت أمرة هذا القائد وهو الوحيد المخول بإصدار الأوامر لها لكن هذا لم يكن موجوداٌ في الموصل وكانت كل قوة تعمل بمعزل عن الأخرى بدون تنسيق وكان هذا من الأسباب المهمة للنكبة في الموصل ومن الأسباب الرئيسية لسقوط الرمادي أيضاٌ حيث انسحبت الفرقة الذهبية دون علم أو موافقة قائد عمليات الانبار.
هذه بعض الدروس المهمة المستخلصة من عملية سقوط الموصل والتي أدت مع أسباب سياسية معروفة كانت الموصل تعاني منها إلى النكبة والنكسة الكبرى فعلى وزارة الدفاع ورئاسة أركان الجيش وقيادة القوات البرية العمل على تلافيها وعدم تكرارها كما حدث في الرمادي وقبلها في تكريت وببجي تجنباٌ لنكبات أخرى لان الأوضاع العسكرية والأمنية والسياسية في العراق لا تتحمل نكبات وانتكاسات جديدة .
{ خبير عسكري وستراتيجي

















