دراسة علمية آثارية .. الهاشمية عاصمة العباسيين المنسية
قاسم المعمار
تواصلاً في البحث والتنقيب الاثاري التراثي لحضارة وادي الرافدين يأتي اليوم اصدار الاستاذ قيس حسين رشيد وكيل وزير الثقافة لشؤون السياحة والآثار الموسوم بـ:(الهاشمية عاصمة العباسيين المنسية) اطلالة اكاديمية هامة لدعم مكنوزاتنا مكتبتنا الوطنية ورافدا حيويا للدارسين والمتابعين ..
ويعقب مؤلفنا العزيز بهذا الصدد بالقول..ولأن مدننا وحواضرنا تصبح اطلالاً موحشة بعد هجرانها فأن هاشميتنا هذه امست ركاماً وتلالاً متفرقة عما تستنبطه هذه العاصمة العباسية المنسية .. من مكنوزات آثارية ثمينة .
وعبر صفحات هذا المطبوع في فصوله الخمسة فأنه جاء حلة جميلة في التنضيد والتبويب والاخراج وغزارة المادة العلمية التنقيبية الموثقة والمعايشة الميدانية الذاتية لمواقعها الأثرية يكون الباحث قد حقق قدرا مميزا وكبيرا من الفائدة والاغناء الفكري لزملائه وطلبته الآثاريين … وجميلاً مما زاد استهلاله والكتاب بهذا الاطراء الرومانسي الروحي المتجسد لوحدة الانسان والوطن منشدا ….هنا يعطينا الباحث سعة المعنى الحقيقي لتسمية “الهاشمية” وكيفية تعميم اطلاقها على العديد من مراكز الحكم للعباسيين قبل اتخاذ بغداد دار السلام عاصمة لهم… فحينما نزل ابو العباس السفاح مدينة ابن هبيرة قرب الكوفة وبعد اكمال مبانيها سماها بـ( الهاشمية ) عام 132هجرية ثم تركها عندما وجد ان الناس فيها لا يذكروها الا بأسم بانيها الاول ابن هبيرة .. وقد بنى السفاح جوارها مدينة جديدة اسماها ( الهاشمية ) عرفت فيما بعد بهاشمية الكوفة .. وبعد انتقاله الى الانبار بنى مدينة جديدة اسماها ( الهاشمية ) عام 134هـ كما ان ابا جعفر المنصور بعد موت السفاح بنى مدينة جديدة قبالة مدينة ابن هبيرة قرب الكوفة سميت ايضاً بـ ( الهاشمية ) ثم انتقل المنصور الى مدينة السلام بعد ثورة الراوندية فيها…
ان هاشمية الانبار قد حددت من قبل المؤرخين والرحالة فقد ذكرها ياقوت الحموي انها على مسافة عشرة فراسخ من بغداد عاصمة الرشيد وتشغل مساحة من الارض محيطها 6 كيلو مترات يحيطها سور من مادة اللبن وعلى مسافة 5 كيلو مترات شمال غرب مدينة الفلوجة.ان النظرة الانسانية الواقعية بماهية هذا العنوان الموسوم للكتاب اجد فيها شيئاً من التأسي والحزينة والعتاب لكلمة المنسية التي تحمل اوزار التهميش والغريبية لعاصمة العباسيين (الهاشمية) في الانبار لابد ان يركن للمؤرخ والتاريخ ان ينصفها ارثاً وابداعاً وانساناً قيماً من مآثر حضارة العراق ..ففي الفصل الاول من هذا المطبوع يذكر موقع ” الهاشمية ” خلال العصرين الاسلامي (الراشدي) والأموي وما آلت اليه بعد ان فتحت الانبار صلحاً على يد خالد بن الوليد عام 12هـ اذ انها كانت تحتفظ بمكانتها السياسية والاقتصادية الذي كانت عليه ايام السياستين ذاكراً ان الانبار وسكانها كانوا سلماً للامام علي بن ابي طالب عليه السلام . واحدى المدن التي ناصرته وبايعته .. حيث يشير الباحث هن الى ان مرور الامام علي بمدينة فيروز شابور او الانبار في الروايات التاريخية اليهودية اذ وثقت تلك الروايات خروج (مار اسحق) وهو رئيس مثيبة قوم بديثة وبجمع غفير من يهود الانبار لاستقبال امير المؤمنين عليه السلام وجيشه وذلك سنة 656ميلادية وقد اكرم الامام وقادته واقره في منصبه واعطاء الحقوق نفسها التي كان يتمتع بها جاثليق النصاري…اما لمحات تاريخية لتلك المدن والمراكز الرئيسية لحكم العباسيين قبل اتخاذهم مركزياً “الهاشمية” عاصمة لدولتهم كانت هذه مبحث الفصل الثاني حيث جاءت تسميات مدن حمام اعين ثم هاشمية الكوفة والحيرة وحتى الانتقال الى الانبار عام 134هـ. في حين الفصل الثالث استكملت فيه قصة تشيدهم هاشمية الانبار عاصمة لدولة العباسيين وبهذا الصدد لي وقفة تضامنية مع الاستغراب المشروع لأستاذنا الباحث الكريم حينما يفتقد وجودية اي اشارة الى ان المدينة سميت بـ (الهاشمية) اذ ان اسم المدينة وانشاءها من قبل خليفة جديد ودولة جديدة كان لابد ان يأخذ حيزاً كثيراً وكبيراً في نص المؤرخ اذ نجد غبناً تاريخياً واعلامياً ولم تحظ بالاهتمام مثلما حظيت به مدينة السلام او سره من رأى فيما بعد…
الا اننا نجد اليعقوبي يذكر في تاريخه ان ابا العباس السفاح انتقل من الحيرة فنزل الانبار واتخذ بها مدينة اسماها (الهاشمية) سنة 134ه وقد اشترى اراضيٍ كثيرة بنى فيها مبانيه واقتطع اهل بيته وقادة جيشه واصحابه منها … وقد تردد هذه المدينة بأسم (رصافة ابي العباس) وورث العباسيون هيكلية التنظيمات الادارية التي كانت قائمة في الدولة الاموية ومنها دواوين بيت المال والرسائل والخراج والخاتم والصدقات والنفقات والجند والحوائج..وشهدت هاشمية الانبار ادارة الدولة واسرارها وعاشت افراحها واتراحها كما استقبلت ابو مسلم الخراساني الذي اقام بها رافق ذلك اعتلال وصوت السفاح ودفن في قصره بالانبار بعمر 36 عاماً ..
تطوير مؤسسات
وعاشت عاصمة العباسيين تطوير مؤسسات الدولة واستخدام نظام الوزارة واعتماد الادارة المركزية اذ عينت العاصمة (هاشمية الانبار) العديد من الولاة للأمصار العربية والاسلامية في الشام ومصر وفارس وخراسان واليمن والكوفة والموصل ومكة والمدينة والحجاز وافريقية وبلاد المغرب وارمينية واذربيجان والسند والبصرة ..
اذن للحقيقة التاريخية نقولها نحن امام دولة فتية مقتدرة في شكيمتها وبسط سيطرتها الادارية والعسكرية ومركزيتها على ثغورها وامصارها وملاحقة من اراد بها اسقاطاً ..
الفصل الرابع
ويقدم لنا قيس حسين رشيد في الفصل الرابع الطبيعة العامة لهذه المدينة بعد وفاة السفاح حيث استمر ابو جعفر المنصور بادارة دولية من الكوفة قرابة ثماني سنوات بعد انتقاله اليها من هاشمية الانبار التي بقيت مزدهرة وعامرة يمارس الناس فيها انشطتهم المختلفة .. واصبحت ضمن ولاية المغرب التي اعطيت لهارون الرشيد ايام خلافة المهدي .. وما آلت اليه من كونها اصبحت ساحة تجاذب وصراعات ومبايعات واحتراب داخلية ..
وبكون هاشمية الانبار قريبة من بغداد فقد لاقت ما لاقته العاصمة من هجوم المغول واصبحت هذه المدينة ضمن الاعمال الفراتية والتي نسب لادارتها تاج الدين علي بن الدوامي الذي شغل في عهد المعتصم بالله منصب صاحب الباب.اما التقنيات والبحث الاثاري للمواقع والمدن فقد اختص بها الفصل الخامس في اعمال البعثات الاثارية التنقيبية في هاشمية الانبار وما سجلته التقارير والبحوث من نجاحات متميزة في الأداء والعمل والاستكشاف وما حصلته من خلال جهدها العلمي والعملي من لقى وكنوز معرفية للحياة العامة وفن العمارة والتشيد وانواع المواد الانشائية والمواصفات الفنية المعمارية وطرف استعمالاتها في البناء والريازة والسواقي والارضيات والجدران والسقوف والشوارع وانظمة التصريف والاختام وصناعة الحلي والمعادن .حيث بدأت حركة البحث والتنقيب عن آثار حضارة وادي الرافدين منتصف القرن التاسع عشر في حين بدأت مواسم هذه التنقيبات في مواقع هاشمية الانبار عام 1999 واستمرت لأربع سنوات ثم توقفت…
حبرها لم يجف بعد
الارادة الخيرة باقية
في القلب والضمير
بل نريد ان نعيد مجدنا التليد
موطني .. موطني
المؤلف في سطور
من مواليد بغداد 1966
ماجستير تاريخ وحضارة من معهد التاريخ العربي والتراث الفكري
رئيس هيئة الاثار والتراث
وكيل وزير السياحة والاثار
صدر له :
مراثي اشورية – مجموعة شعرية
كتاب فيروز شابور – دراسة اثارية
“الهاشمية ” عاصمة العباسيين المنسية
العديد من البحوث والدراسات الاثارية في الاعلام والمساهمات في المؤتمرات العلمية الدولية
رئيس تحرير مجلة سومر منذ عام .2009

















