
رافد جبوري
لندن
في العام الماضي فقط كان عدد الكتب التي صدرت باللغة الانكليزية عن الحرب العالمية الثانية ستمائة كتاب! اثارت هذه الاحصائية اهتمامي وانا استمع لاحد المؤلفين الاميركيين وهو يرويها في لقاء لمناسبة صدور كتاب له عن الحرب التي انتهت قبل اكثر من سبعين سنة. استمعت وانا اتامل اقتراب الذكرى الخمسين لحرب حزيران بين اسرائيل والدول العربية. ترى كم هو عدد الكتب العربية التي صدرت العام الماضي او هذا العام عن النكسة, او حرب الايام الستة بين اسرائيل والدول العربية عام سبعة وستين؟ النكسة التي احتلت فيها اسرائيل سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس وغزة وادت الى حركة نزوح كبيرة وانقسامات سياسية واثار اجتماعية بالغة. النكسة التي تعيش الدول العربية نتائجها حتى اليوم على عكس الحرب العالمية الثانية التي برغم الدمار الهائل الذي احدثته في العالم وملايين الضحايا الذين سقطوا فيها انتهت الى سلام ونظام دولي جديد ونهوض اقتصادي واجتماعي للدول المهزومة (المانيا واليابان وحتى ايطاليا). ليست لدي احصائية للكتب العربية لكنني بالتاكيد اذكر مع هذه النقطة ما ردده العرب من حكاية غير مؤكدة ولكن معبرة جدا رويت عن وزير الدفاع الاسرائيلي ابان الحرب, موشي ديان, حينما وجه اليه اللوم لانه كشف تفاصيل خطة الهجوم على الدول العربية في مقابلة مع جريدة قبل الحرب فاجاب: العرب لا يقرأون. استخدمت هذه المقولة كثيرا من قبل العرب لجلد ذاتهم بعد النكسة لكن من المهم استخدامها دائما في اطار تقييم الانتاج الثقافي العربي وتاثيره. في الحقيقة وعلى عكس المقولة المنسوبة لديان فان في العرب من يقرأ. وهناك من يكتب وان كانت النسبة لا تقارن بحجم الانتاج باللغة الانكليزية وغيرها من اللغات الاوربية. المشكلة الكبرى انهم على عكس اسرائيل لم يستطيعوا ان يقيموا نظاما ديمقراطيا يسمح كثيرا بالاختلاف والانتقاد في عصر النظم الديمقراطية. فاذا كان ديان قد استمر في منصبه وفي موقعه في السياسة الاسرائيلية فان وزير الدفاع السوري (المهزوم) حافظ الاسد استمر في منصبه بل تحرك بعد ذلك ليستولي على قمة الحكم في سوريا ويستمر بها لثلاثة عقود ويورثها لولده لتصل الى وضعها الحالي. اما مصر فقد ضربت النكسة زعيمها وزعيم العرب جمال عبد الناصر في مقتل. اعادته عن قرار استقالته الجماهير الرافضة للهزيمة والتي رات فيه الامل الوحيد. استمر في الحكم ثلاث سنوات بعد النكسة حاول فيها ان يرد على هزيمة تقبل بشجاعة مسؤوليتها وحده لكن بنيته القوية لم تسعفه اذ ترنح قلبه تحت تاثير تبعات النكسة ليرحل جراء ازمة قلبية في عمر الثانية والخمسين. لم توجه النكسة ضربة الى سياسات عبد الناصر فقط بل الى الفكر السياسي الذي جعله عنوانا لمسيرته وهو فكر القومية العربية الذي سارت خلفه اجيال من العرب الحالمين بنهضة تنسجم مع حجمهم وتاريخهم وحجم مواردهم على المسرح الدولي. واذا كان حديثي عن الكتب فان الكتب الاولى الاهم والاكثر انتشارا التي صدرت بعد النكسة, كانت ناقدة بشدة للفكر الديني مثل كتاب المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم نقد الفكر الديني, او ديوان نزار قباني خبز وحشيش وقمر لكن الظروف الموضوعية التي خلفتها النكسة لم تقد العرب الا باتجاه الاسلاميين. ارتفع تحديدا الخطاب الاسلامي الاحيائي الذي يرفض فكرة ان الدين الاسلامي يدعو الى التعبد او الايمان بالغيبيات والتسليم بل هو يدعو للعمل والتغيير السياسي كاولية ووسيلة ذلك العمل العنفي او بالمصطلح الاسلامي الاشهر, الجهاد. يسجل التاريخ السياسي العربي للنكسة على انها النقطة التي بدأ بعدها صعود فكر الاسلام السياسي في مصر اولا ولكنه امتد الى العالم العربي كله. ما بين معتدل ومتشدد تزايدت نسب تاييد الاسلاميين عند جماهير فقدت الامل الذي كان يحمل شعلته عبد الناصر. الحرمان الذي جلبته الازمات الاقتصادية المتعاقبة وفر لهم وقودا في الاوساط الفقيرة خصوصا. الاوساط التي لم يعد لديها سوى التعليم الديني والاعتماد على المساعدات الاقتصادية التي توفرها شبكات الرعاية الاجتماعية للاسلاميين والفرار الى الفكر الديني المطلق. القمع الذي مارسته النظم العربية لم يكسر شوكة الاسلاميين السنة بل لعله زاد من وحشية المتشددين منهم. اما انتصار الثورة الايرانية فقد ادى الى دخول عنصر اخر هو الاسلاميين الشيعة الذين لهم حضورهم القوي في دوائر الحكم في اكثر من دولة عربية. تدور حروب اهلية لها تفاصيل مختلفة في هذه الدول لكن عامل الانقسام الطائفي فيها واضح. في المحصلة وبعد خمسين عاما من النكسة تحول الجهاد الى مصادمات دامية مع الحكومات العربية بل والى انقسام دولها الى متسلطين يوفرون الاستقرار او جهاديين يوفرون القوة الوحيدة القادرة فعلا على مواجهة التسلط. وامتد الجهاد والجهاديين ليخوضوا حربا عالمية ضد الغرب يدفع ثمنها الباهض المسلمون من اسلاميين وغير اسلاميين كل يوم. اما السياسة في الشرق الاوسط التي كان عنوانها واضحا قبل خمسين سنة فقد باتت اليوم وبعد فقدان الاحلام والبوصلة ملتبسة ملطخة بالدماء وبدخان الحروب. عناوين السياسة الشرق اوسطية اليوم مواجهات بين محاور طائفية شيعية وسنية يتجمع حولها المتجمعون حتى من غير المتدينين احيانا, وتدخلات عسكرية اجنبية دمرت دولا بكاملها وادت من ضمن ما ادت اليه الى مقتل مئات الالاف, واختلاف عربي-عربي حول من يدعم الاسلاميين ويشجع الارهاب وكيف نتعامل معه. كم كتابا ياترى نحتاج لان نكتب عن النكسة بعد نصف قرن؟ وكم قارئا نرتجي؟ وكيف نقتع ذلك القارئ ان ازمات التاريخ العربي المعاصر التي تشكل النكسة علامتها الكبرى اهم واكثر علاقة بازماتنا الحالية من الانقسامات السياسية في صدر الاسلام التي يتقاتل العرب اليوم مختلفين حول رموزها ومن منهم كان يستحق الحكم؟

















