خضير ميري.. إبتهالات آخر الصعاليك 3-3

خضير ميري.. إبتهالات آخر الصعاليك      3-3

الخصوم يتطاولون بالصمت والسخرية

خضير ميري والدراسة المنصفة والرصينة

اعتاد الاديب والمفكر الكبير عبد الحسين شعبان ان يتحف (الزمان) بدراسات ومقالات ذات استجابة مدروسة لاحداث وشخصيات مهمة، وهذا ما يتعلق بالدراسة التي بدأ نشرها في جريدة (الزمان) بتاريخ 21/1/2016  بعنوان (خضير ميري وابتهالات اخر الصعاليك) حيث كان للحلقة الأولى التي نشرت من هذه الدراسة صدى إيجابيا في نفوس الكثير من المثقفين، اذ عرفوا من خلالها الكثير من المعلومات عن الاديب الراحل خضير ميري، وابدوا الكثير من الامتنان للاديب والمفكر عبد الحسين شعبان على هذه المعلومات وعلى ما قدم من وجهة نظر منصفة وواقعية عن هذا الكاتب الذي عاش بعيدا عن الأضواء واستجابة لطلبات العديد من القراء وضرورة تقديم المزيد من المعلومات عن الراحل خضير ميري ولان هذه الدراسة ذات اهتمام واسع ومنصف بهذه الشخصية الثقافية فاننا نقدم الحلقات المتبقية منها بمناسبة مرور أربعين يوما على رحيل الكاتب والصحفي خضير ميري املين ان تصل هذه الدراسة المهمة والرصينة والمنصفة الى الجهات والمنظمات المسؤولة وان تقدم لخصير ميري بعض ما حرم منه، وان تبادر من خلاله الى انصاف امثاله من الادباء والكتاب والمفكرين الذين يعانون المرض والبؤس والحرمان وقساوة الظروف.

المحرر الثقافي

عبد الحسين شعبان

صنع خضير ميري من الجنون أدباً وفلسفة حياتية، ويقول هو أنها ساهمت في رفع معنويات المرضى النفسيين. لقد كتب ميري عن الجنون مدافعاً ومنافحاً، لم يكتب عنه من الخارج، كتب عنه من الداخل كتابة كارثية فوق المألوف. مروّجاً لحريته في مستشفيات الأمراض العقلية، حيث لا يخاف من أحد، وحسبما يقول عندما تفكر بالجنون نفسه ستكون آمناً، لأنك حيث يكون الجنون موجوداً، تكون أنت. يقول إنه بعد الجنون زادت شهوة الحياة لديه، فأخذ يدخن كثيراً ويشرب كثيراً ويتزوج كثيراً، بل أخذ يتطرّف حتى في كتابته وقراءته. ويتناول ميري العالم التحتاني وما هو معلن وسري بكل شرائحه وأطيافه الاجتماعية، من اللوطيين والقوادين والسماسرة إلى المهربين والمكبسلين في مقهى السيكوتين، وهو عالم التسعينات العجيب، كما يصفه.

إن شخصيته البوهيمية بقدر إهمالها بعض الأساسيات فقد كانت تنشغل بنفسها أيضاً، وتبحث من حيث لا يدري الإنسان عن الشهرة بازدراء بعض القضايا، وخضير ميري عاش ظروف حياة متقلّبة من ترك الدراسة إلى السجن ومنه إلى مستشفى الأمراض العقلية، وفي السجن وفي الشماعية  اكتشف ميري حياة أخرى، كان هو الممثل الأوحد فيها، فإما أن يكون هو المجنون في وسط عقلاء ثقلاء، أو العاقل الظريف وسط مجانين حقيقيين. هو المجنون ذو العقل الكبير أو بدونه.تذكّرنا حياة ميري بفيلم “طيران فوق عش الوقواق” وهو قصة لمؤلفها كين كيسي  تتحدث عن معاناة العاقل وسط جنون عام، لكنه بعد حين اكتشف إن الذين في المستشفى هم العقلاء، أما من هم خارجها فهم المجانين. كيف كان هؤلاء يعانون من ظلم واضطهاد بعد الممرضات، وكيف يحتالون عليهن وعلى الأطباء، ويتظاهرون عكس ما يبطنون، وهو بالضبط ما عاناه خضير ميري، حقيقة واختلاقاً، لكن الطبيب الذي كان مشرفاً على المستشفى والمقصود بذلك باهر سامي بطي، بعثه الله له هديّة من السماء، فتفهّم ظروفه وقدّر ملاحقته واستوعب قسوة حياته  الصحية والشخصية، وقام بمصادقته حيث أخذ  يجلب له بعض الكتب وأعطاه غرفة تحت الدرج، بل وأخذ يأتي إليه بأرباع قناني العرق بين الفينة والأخرى. وكلّما كانت تشتدّ حملة الاعتقالات أو السوق إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، حيث كانت الحروب مشتعلة طيلة الثمانينات والتسعينات، كان خضير ميري يزور المستشفى ليبقى فيها عدة أشهر أو عدة أسابيع لتنجلي الأزمة.

وإذا كان قد زار بصحبة والده مستشفى ابن رشد ولم يتجاوز عمره الأربعة عشر عاماً، حين كان يشكو من قلّة النوم والأرق المزمن والأسئلة الكبيرة، بل والحارقة، الأمر الذي اقتضى عرضه على إحدى مستشفيات الأمراض النفسية، واتّضح أن كثرة مطالعاته والتساؤلات المزدحمة في رأسه هي التي تحول دون استرخائه ونومه، خصوصاً وهو مراهق ومحروم وفي مطلع شبابه، ولذلك فإن الزعم بكونه مجنوناً عند اعتقاله وهو طالب في الكلية كان أمراً يقترب من التصديق، فما بالك حين لعب دور المجنون ببراعة وحنكة طيلة نحو ثلاث سنوات قضاها في زنزانات الأمن العام ، خصوصاً وقد أقنع اللجنة الطبية المعتمدة بذلك، حين حاولت فحصه، فتوجه ليمسّ سلكاً كهربائياً، ألقاه أرضاً،  الأمر الذي أعفته اللجنة من المعاينة بعد أن تأكدت إن ما يقوم به أكثر من مجنون، ومثل هذا الدور رافقه حين مكث في مستشفى الأمراض العقلية الشماعية، وشهادة ذلك موثقة من الدكتور باهر سامي بطي مدير المستشفى وقتذاك، وقد أدرجها في كتاب ” أيام العسل والجنون” في طبعة القاهرة، عن دار المدبولي.

ويتحدّث الدكتور بطي عن توحّد الزمان والمكان في تلك البقعة من العالم (الشمّاعية) حيث حاصر الموت 1500 مريضاً حين اشتعلت الحرب ضد العراق في العام 1991? وكان القصف الأمريكي عشوائياً، ومرّت أوقات قاسية حتى وإن كان المرضى لا يدركون ما يحصل حولهم.رواية “أيام العسل والجنون” مثّلت نموذجاً جنونياً لطائرات أمريكية تقصف مستشفى لمرضى عقليين، ولعلّ  ذلك حدث جنوني بحدّ ذاته . وميري الذي وضع الرواية في تناقض من عنوانها “العسل والجنون” حاول تصوير العالم بالمقلوب، فالمجانين هو في النهاية أكثر عقلانية من الجنون الأمريكي الذي يقصف مستشفى الأمراض العقلية .لقد عاش خضير ميري تجربة السجن مثلما عاش تجربة الجنون، ثم تجربة التسكّع الدائم والاغتراب الروحي والمنفى الكياني والجغرافي. وبعد أن عاش في القاع بدأ أصحاب المقاسات العليا ” الزائفة” كما يسميها يلاحقونه، وخصوصاً بعد أن استقر بالقاهرة، لدرجة إن بعض المسؤولين والسياسيين كانوا يطلبون لقاءه، وبقدر ما كان متواضعاً، فإنه حرب على الجاهل والمزيّف والمغرور، وأظنّه مثل سعدي يوسف كان يقول: الغباء ينتقل بالعدوى، بمعنى إن الموهبة لا تنتقل عدواها، وهي تصيب أصحابها، بقدر ما تثير غضب أعدائها، وبعد كل ذلك هل يمكن للغباء أن ينتج شيئاً، وهو ما يردّده المصريون:”الله!  تريد من الفسيخ أعمل شربات”.

وهكذا يريد البعض أن ينفخوا بأنفسهم، حين لو لم ينفخ الله بصورتهم، فالسلطة والمال والحياة وسائل جديدة للنفخ.الجنون حسب تعريف ميري: هو التطابق الفعلي مع الذات، فعندما يتطابق العقل مع نفسه يصبح عدماً، وما عيشنا إلاّ تنازلاً عن العقل والعقلانية نحو الجنون، وحين سألته ما الجنون وفقاً لهذا التعريف؟ قال: نوع من الاحتجاج ولكن بلا بدائل، وقد وجدت في ذلك تعبيراً فلسفياً، يبحث فيه خضير ميري عن حريته المفقودة، حريته المشتهاة، حريته الجنونية التي هي ليست بحاجة إلى آخر.وخضير ميري بقدر ما هو متمرّدٌ، فهو قانعٌ أيضاً وتلك إحدى تناقضاته، وهو يغني أو يبكي، في حالة انتشاء أو حزن، فهو لا يكره أحداً ولا يعرف البغضاء والحقد، ولم يتسلّل إلى قلبه، الكيد والانتقام والثأر، كأنه جاء من مجتمع آخر أو ربما عالم آخر. كل همّه كان أن يُسعَد بحريته، مثلما يُسعد الإنسان بالمرأة، ولكنه لا يغار عليها، إنه يريد أن يهبها للجميع، يريدها أن تعمّ على الجميع. وعلى الرغم من جرأته، فهو خجول جداً، وأحياناً متردّد حتى بالدفاع عن نفسه. كنّا نردّد: لله في خلقه شؤون: الناس أشكال وألوان، طيبون وخبثاء، أذكياء وأغبياء، أوفياء وجاحدون، جاذبون ومنفّرون.

مفارقات خضير ميري

لم يدرك خضير ميري الحكمة الشائعة التي تقول “العقل السليم في الجسم السليم”، فقد كان سقيم الجسم، واقترب من الشيخوخة سريعاً، وقبل أن يداهمه المرض تعرّض لحادث سيارة في القاهرة، اضطرّ لنحو أربعة أشهر أو أكثر المكوث في البيت، وبعدها أن يسير متكئاً على عصاه، ثم السير بصعوبة بعد ذلك. سخريته أحياناً مثل المدفعية الثقيلة، وخصوصاً إذا صاحبها بعض المقالب من الوزن الثقيل.

 مرّة أقنع أحد الصحفيين أن يكتب عنه قولاً على لساني: إنه يستحق أن يكون أستاذاً للفلسفة في جامعة السوربون. وبعد أن كتب الكلام ، عاد وكرّره بحضور الصحفي أمامي، ولم أعلّق على الموضوع، ثم عاتبته، فقال لي ” مشِّي” أنت لم تقل ذلك، والمسألة تخصّني، والمغفل أو العاقل هو من يصدّق.

كان يربط المادية الجدلية بأكلة البامية وقد ذكّرته ما كتبه رفعت الجادرجي عن البامية، مثلما يربط بين الإشتراكية والتشريب، وبين الوحدة العربية والدولمة أو الشيخ محشي. نقلت له نكت عامر عبدالله في الأربعينات وبداية الخمسينات حين انتشرت كلمة الماركسية، فربطوها مع البيبسي كولا، وذلك دليل الحداثة.قال في أحد المرّات وعلى نحو مفاجئ، عليك أن تتبنّى ملفاً خاصاً وتقيم دعوى ضد أصحاب الأغاني الرديئة والشعر الرديء  والمسرح الرديء، قلت له ضد كل شيء هابط، فعلّق نعم ألا يفسد ذلك الرأي العام وذوقه؟ أنتم دعاة حقوق الإنسان مقصّرون في تنقية الذوق العام من الترّهات، بل إنقاذه وإنقاذنا. علّقت على ذلك والسياسة الرديئة ألا تستحق الذهاب إلى القضاء، حيث الفساد المالي والإداري المستشري والطائفية الطاغية والعنف والإرهاب ونظام المحاصصة؟ قال إبعدني الله يبعدك عن نار جهنم، ولنبقى بحدود الأغاني. قلت له الأمر ليس سياسة، بقدر ما هو مصير.ثم عاد وكاد ينتحب بالقول: أهذه هي بغداد التي تعرفها؟ لقد أصبحت مدينة مخيفة، هل ضربنا الطاعون؟ لقد اختفى الصعاليك من المدينة؟ اختفوا مثلما اختفت الكلاب والقطط السائبة، وحلّ الذباب محلّ الفراشات.تذكّرنا كتاب “الأغاني” لأبي فرج الأصبهاني، وكيف كان الطرب الجميل في عهد هارون الرشيد والمأمون بشكل خاص والخلفاء الآخرين، حيث كان فيه إرواء العقل وإنعاش الوجدان، لاسيّما بالعواطف الجياشة والمشاعر الجميلة والفن الأصيل.كانت شطحات ونزوات خضير ميري كثيرة، وسبحان من ليس له شطحات ونزوات وأخطاء وعيوب، وأتحدث هنا عن نفسي قبل الآخرين، وبسبب بوهيميته وتوهانه عانت رفيقة عمره إسراء خليفة الكثير، لكن عذره كان إنه يكره القيود ويحنّ للصحبة الحلوة وسهرات الأنس والمؤانسة والنقاش، وكان منكّتاً من الطراز الأول، وقفاشاً نموذجياً، يقول النكتة دون أن يضحك، وينظر بعينيك، وإذا قرأ فيهما استحساناً وفهماً، سبقك إلى الضحك. كان حاذقاً بقدر غرابة أطواره.

مع المطرب حسين نعمة

في بغداد وفي اتحاد كالأدباء انتهت السهرة (الساعة التاسعة والنصف) العام 2013 (خلال مهرجان بغداد عاصمة الثقافة العربية) ، وكان خضير ينام عند أحد الأصدقاء في الفندق (المخصّص) – الشيراتون، ثم وصل بعد أكثر من ساعة، وكنتُ جالساً بصحبة عدد من الفنانين بينهم طالب القرغولي وحسين نعمة والياس خضر وسعدون جابر وجاسم الخياط وحميد منصور وأمل خضير وغيرهم، وسمعنا الحوار بينه وبين الحرّاس الذين أخضعوا الكيس الذي بيده لجهاز التفتيش، واتّضح أنه نصف قنينة عرق، فرفض الحارس إدخاله، وكان رد الميري: هل رأيت سكيراً فجّر نفسه أو قام بعملية اقتحامية أو لجأ إلى الإرهاب؟ نحن نسكر لنعيش ونستمتع، لاحقوا من هم في الجوامع وأصحاب اللّحى، فبعضهم يحضّ على الإرهاب، وذلك بغسل أدمغة بعض الشباب . ضحك الحارس وبعد تدخّلات من جانبنا أفرج عن القنينة ، فحيّانا خضير ميري منتصراً قائلاً: أفحمته.هممتُ بعد قليل على المغادرة للنوم، فقام خلفي حسين نعمة وألحّ على اصطحابي إلى غرفته لتناول كأس ويسكي، وأفهمته أنني غير قادر على السهر، وبعد نصف ساعة طرق باب الغرفة خضير ميري، فأنقذني وسلمته إلى حسين نعمه ورحلت، وقد رويت الحادثة إلى صلاح عمر العلي الذي يعتبره حسين نعمه صديقه كما قال لي، وعند مجيئه إلى بيروت اتصل بي ودعوته مع صلاح عمر العلي وغنّى نعمة وسكر في منزلنا، ولكنه عرف المواقيت، فقبل أن تقترب الحادية عشرة، قال نعمة أظن أن أبو عمر هو الآخر لا يحب السهر، بل غير قادر عليه، خصوصاً وهو لا يشرب، وهكذا أنهينا السهرة وقام أبو عمر بإيصاله إلى فندقه، وألحّ في أخذ بعض الصور لنا. وهنا تذكّرت سهرته في بغداد حين بقي معه خضير ميري، الذي قال لي إن السهرة لم تنتهي حتى الساعة الثالثة صباحاً.

مع المفكر سمير أمين

في القاهرة وبغداد اصطحبت معي خضير ميري في أكثر من ندوة وفعالية ومناسبة. منها ما احتفت به القاهرة بذكرى الجواهري، حيث تم تنظيم مناسبتين أحدهما في أتليه القاهرة، والأخرى في اتحاد الكتاب المصريين (والعرب) الذي يرأسه محمد السلماوي الذي قدّمني في مقر الاتحاد ونشرت الصحف أخباراً مطوّلة عن ذلك.

وكان حزب التجمع برئاسة رفعت السعيد، قد احتفى بصدور كتابي “تحطيم المرايا” ونظّمت له مجلة أدب ونقد، التي ترأسها فريدة النقاش حواراً في مبنى التجمع أداره الشاعر والصحافي القدير حلمي سالم، وشارك في الحوار، حلمي شعراوي وصلاح الدين السروي وعدد من النقاد والمفكرين، إضافة إلى مساهمة خضير ميري، ونظم بعدها بشهرين مركز آفاق للدراسات الاشتراكية بإدارة صلاح عدلي (الحزب الشيوعي المصري لاحقاً بعد ثورة يناير 2011  حواراً شارك فيه عدد من الباحثين، بينهم يوسف مكي وبهيج نصار والسروي، إضافة إلى خضير ميري.وأتذكّر أنني اصطحبته وزوجته السيدة إسراء إلى منزل الصديق حلمي شعراوي الذي اعتاد أن يكرّمني في كل زيارة للقاهرة، فإن لم يكن محاضرة في مركزه العتيد “مركز البحوث العربية والأفريقية” ففي منزله وبحضور زوجته توحيدة التي أعرفها منذ فترة طويلة، وكان قد دعا الصديق سمير أمين وزوجته والصديق المستشار طارق البشري وجرى حوار مطوّل حول آفاق اليسار العربي ومشروعه ومسألة التحديث، والنقد وإعادة النظر ببرامجنا وخططنا، والماركسية في العالم العربي، والثابت والمتغيّر باستعادة تعبير أدونيس. وكان خضير ميري صامتاً لم ينبس ببنت شفة، مستمعاً صاغياً، وبعد الجلسة استعاد معي استذكار بعض وقائعها.

سألني سمير أمين يومها عن كتابي الذي سبق أن أهديته له ” تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف”، وعن الشاب الذي حاورني من هو؟ فهو حسب ما قال لم يسمع به، وهل هو مصري؟ أشرت باصبعي إلى الشاب المؤدب الخجول الصامت، وجرى تبادل كلمات مجاملة من جانبه، وإشادة بالمفكر الكبير سمير أمين، وهنا انتهزت فرصةً أعرف أن خضير ميري سيطير لها فرحاً، وهي أن أقترح على سمير أمين أن يجري ميري حواراً معه، فهو قرأ قسماً وافراً من كتبه، وسيقوم بمراجعتها قبل إجراء الحوار. رحّب أمين بالفكرة، وسارع ميري بالاستئذان منه لتحديد الموعد أو طلب رقم الهاتف، وتم الاتفاق، وعندما خرجت قال لي لقد عبّرت عمّا كنت أتمناه، وصدر الحوار الممتع والشيّق، وفيه إشارة وإشادة بكتابي “تحطيم المرايا” من جانب سمير أمين، الذي أخبرني ميري أنه زاره ثلاث مرات في بيته ووجد كتابي كل مرّة في مكان من الطاولة ، مفتوحاً أو مغلقاً أو فيه إشارة. وكان خضير قد أجرى حواراً مهماً مع محمود أمين العالم كذلك. وبالمناسبة فقد كانت تعليقات ميري على شحّ العطاء الفكري بشكل عام للماركسيين العرب وللعراقيين بشكل خاص، مع تقدير لبعض الإضاءات المصرية واللبنانية والعراقية، وقد أخبرني أنه كان يجد هوىً خاصاً لتفهّم أفكاره وانتقاداته من جانب ابراهيم الحريري أحمد أبرز الصحافيين العاملين في صحافة الحزب الشيوعي ما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 والذي عمل بعد الاحتلال في صحيفة طريق الشعب.

تحطيم المرايا

قبل الحوار معي كان خضير ميري عند أول لقاء لنا، قد أبلغني أنه يكتب عني كتاباً كما ورد في مقدمة الكتاب الحواري لاحقاً، قلت له كيف يحصل ذلك أوليست تلك مبالغات عراقية ” ملخيّات” حسب تعبير بغدادي كان يردّده عادل مصري (أبو سرور)، قال ولكنني قرأت كتابك عن الجواهري، وكتابك عن أبو كاطع، وكتابك عن النزاع العراقي – الإيراني، وكتابك بعيداً عن أعين الرقيب، وقلت له ذلك ليس كافياً لديّ كتابان أحدهما عن فقه التسامح والآخر عن جذور التيار الديمقراطي في العراق، آمل أن تقرأهما وعند ذلك سنجري حواراً استكمالاً لكتابك، وفي المرة القادمة سأجلب لك كتاباً أعتز به صدر في العام 1985 وهو بعنوان ” الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية”، عن دار حوار في اللاذقية.حين دعوته إلى الـ Lounge في فندق سميراميس الذي كنت أنزل فيه ضيفاً على جامعة الدول العربية، بدأ الحوار خجولاً وعمومياً، ولكنني شعرت إن شيئاً ما ينقص ميري فسألته إنْ كان يشرب ويخجل من طلب كأس له؟ أجاب كأس نبيذ، ولكن الكأس أصبح ثلاثة، وتدفّق الحوار لستة ساعات متواصلة، وهو يكتب ويسجل، وفي اليوم التالي جاءني بما دوّنه، ووجدت جمله طويلة، وهناك بعض الأخطاء النحوية الصارخة، فسألته كيف يحصل هذا معك، قال الضوء قليل، وظروف العمل غير ميسّرة، وإنه سهر الليل بطوله لكي ينجز ما تم بيننا قبل سفري.

ولكنني لاحظت ذلك لدى بعض كتاب الثمانينات  أو ما بعد فترة الحصار، وهو ما لا أعرفه من قبل في الستينات والسبعينات. أعدت صياغة الكتابة مع تدقيق مضمونها وأعدتها إليه وأرسلها لي بعد ذلك إلى بيروت، وقمنا بطبعها وتعديلها، وطلب المجيء إلى بيروت لاستكمال الحوار للكتاب المنشود، وبعد شهرين كنت في زيارة عمل إلى القاهرة واصطحبته معي إلى بيروت عند عودتي وبقي فيها عشرة أيام . وكنا نجري حواراً يومياً لما لا يقل عن أربع ساعات وأحياناً ندوّن بعض جلساتنا الخاصة لاستكمال الحوار، وعندما انتهى منه أعدنا الكرّة بالتعديل والتدقيق والصياغة واللغة، وبعدها اقترحت عليه موضوعين لإثارة الحوار، واتفقنا على استكماله بالإيميل وهذا ما حصل، ولكن بعد أن استكمل المشروع قلت له، إن هذا سيضيع في كتابك، خصوصاً وإنه حوار مباشر، واتفقنا على نشره ككتاب مستقل، وهو ما حصل، أما كتابه عنّي فقد أنجز منه 100 صفحة وقد راجعتها، فلم أجد فيها سوى تلخيصات لبعض كتبي وأفكاري وآرائي، ولكن ظروف انتقاله إلى العراق، ثم مرضه حالت دون إتمامه، على أن النص الموجود وهو يصلح كرّاساً بحاجة إلى تدقيق ومراجعة فقط.

في الصعلكة

في الصعلكة كنت قد قرأت كتاباً مهماً واستعنت به هو للكاتب المصري يوسف الشريف، وقدّم له الكاتب والصحافي كامل الزهيري، وهو بعنوان “صعاليك الزمن الجميل”، والكتاب يلفت النظر إلى صعلكة الأقدمين أيضاً، وليس المعاصرين. إنه يذكرنا بالشطار والعيارين والمتع الحسية، وكتاب اللصوص للجاحظ وكتاب الفتوة لابن المعمار (ابن المعمار الحنبلي البغدادي) وكتاب الفرج بعد الشدّة للتنوخي (المحسن بن علي أبو علي بن أبي القاسم التنوخي) الذي سبق وأن حققه القاضي العراقي عبود الشالجي. كان ميري مغتبطاً بصعلكته وجنونه، فهما خلقا له اختلافاً مع الآخر، وهما مصدر حكايات لا تنضب بالنسبة له، والحياة في نهاية المطاف حكاية.منذ القراءات الأولى بدأ ميري يتأثر بفلسفات الجنون والتشاؤم، ويقتبس من المفكرين وينقل عنهم ما له علاقة بالجنون والانتحار، وكثيراً ما استحضر نيتشه وشوبنهاور وسيبنوزا والبير كامو وفوكو وجان جينيه وفان كوخ وفرويد وبابلوف، وكل ما له علاقة بالأسئلة الوجودية الأساسية: الإيمان والله ومن أين أتينا؟ وإلى أين سنذهب؟ ما الوجود؟ كل ذلك كان يشكّل مصدر قلق للفتى، ويقول عن نفسه ” لم أجلس طوال حياتي ثانية واحدة، كإنسان اعتيادي، فإما تجدني أقرأ أو أكتب أو أفكّر” والأمر قد يكون له علاقة بالعبث، بل والإسراف في التشتت والتذرّر.

صداقة الموت

واجه خضير ميري خصومه والذين تطاولوا عليه بالصمت في الكثير من الأحيان، وأضاف إليه السخرية، وقد كان آخر خصومه هو الموت، وهو لا يقبل به عدوّاً، بل حاول أن يتصالح معه بالصمت أيضاً. لم يراوغ أو يمكر أو يتحايل أو يلعب معه، بل استدعاه بطريقة أقرب إلى الانتحار. الموت ليس مزحة أو مقلباً، لكن ميري لعب معه وأغراه بطريقة لا تخلو من مكر وخديعة، وعندما حضر، احتفل به على نحو مبجّل وجليل.بنصف ابتسامة هادئة أقرب إلى السخرية، واجه الموت الذي جاء عاصفاً وغضوباً ولئيماً، لكن خضير الذي كان يتألم لرحيل صديق أو أديب، لم يكترث هذه المرّة لهذا الزائر الثقيل، أدار له ظهره وتعامل معه باستخفاف، بل كان يستدرجه ليعجّل في النهاية حسبما علمت طلب من الشاعر شوقي كريم أن يسكر معه السكرة الأخيرة، ليرقد بعدها إلى الأبد، لكن صديقه رفض ذلك مؤملاً النفس بوقت أطول وتاركاً الموضوع للقدر.حين توفي ميري كنت في رحلة استشفاء في براغ،وكان قد قال لي بعد أن سمع عن حالتي الصحية قبل بضعة أشهر: لا تذهب قبلي، انتظرني واصبر عليّ قليلاً. ، سمعت الخبر الذي نزل عليّ مثل الصاعقة، واستلمت عبر الموبايل رسالة قصيرة من زوجته إسراء، وكتبت لها بضعة أسطر. سألني الصديق عصام الحافظ الزند ما الذي ترك ميري؟ قلت له كيس نايلون أسود هو كل ثروته، جُمعت فيه مخطوطاته وكتبه، التي هي مصدر غنىً روحي وعقلي لا حدود لهما، فاستذكر الصديق موفق فتوحي في تلك الجلسة  وفي  جلسة لاحقة ما حصل للمفكر والفيلسوف والطبيب العظيم ابن رشد،(520 – – 595 هـ/ 14 إبريل 1126م، ولد في  قرطبة وتوفي 10 ديسمبر 1198م، في مراكش) وكان محاصراً ومضطهداً، فلم يجتمع للسير في جنازته عند وفاته إلاّ عدداً قليلاً من الناس، فبادر أحد تلامذته بجلب بغل وعربتين، حمل في الأولى التابوت إلى مثواه الأخير، وحمل في الثانية الكتب والمخطوطات الفكرية والعلمية وهي كل ثروته، وسار إلى المقبرة، فدفنه واحتفظ بالكتب، وقد أصبحت مصدر إشعاع لأوروبا في وقت لاحق.خضير ميري الذي لم يدرك كثيرون ظاهرته وحضوره ومدى الفقدان والفداحة في غيابه، سينصفه الزمن، فقد عاش ثالوثاً مرعباً هو السجن والمصحّة العقلية والشارع، الذي ألهمه، وقلب حياته من الحزن والكآبة إلى السعادة في الجنون. لو قدّر لميري أن يعيش في مجتمع آخر أكثر تسامحاً ورحمة وتقديراً للإبداع، لكان في مصاف مبدعين كبار الذين كرّمتهم بلدانهم بحياتهم واعترفت بتمييزهم وخصوصيتهم، لكنه للأسف عاش في عوز ومرض وقلق وعدم اطمئنان، بل وفي خوف دائم ومستمر حدّ الرعب. وكما يقول المتنبي الكبير

 وهكَذا كُنتُ في أهْلي وفي وَطَني

          إنّ النّفِيسَ غَريبٌ حَيثُمَا كَانَا

اليوم وبعد رحيله نحن بمسيس الحاجة لإجلاء صورته الحقيقية ولملمة شتات حياته العريضة المبعثرة وإحياء أعماله الإبداعية، فقد رحل خضير ميري ومعه الكثير من الأسرار والأحلام والأوهام، لم يرغب أن يضعها كلّها بيد الغير، وبرحيله سقطت آخر حبّات عنقود الصعاليك وانهار ركن مهم ومحصّن من أركان حياتهم العاصفة وهوى سد منيع من سدود الصعاليك العالية. ظل خضير ميري، ولقبه هذا غريباً أيضاً، فهو من توليفاته الكثيرة، حائراً وكنت أردّد على مسامعه ما قال ابن عربي:

الهدى أن تهتدي للحيرة

والحيرة حركة

والحركة حياة!

وكانت كل حياته حركة لا متناهية للاختلاف، من الوجودية إلى الدين ومنهما إلى الماركسية والبنيوية، في إطار هارموني غير منسجم، هو وضعه لنفسه، بحيث أصبح مقبولاً له وللغير. لا أستطيع أن أعبّر عن حزني برحيله إلاّ باقتباس من جلال الدين الرومي:

الوداع لا يقع إلاّ لمن يعشق بعينيه،

أما ذاك الذي يحب بروحه وقلبه

فلا ثمة انفصال أبداً.

{ باحث ومفكر عربي