خزنة دولارات الكترونية مدهشة

علي السوداني

يحدث‭ ‬هذا‭ ‬منذ‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬وكمشة‭ ‬شهور‭ ‬وأربعين‭ ‬دقيقة‭ ‬،‭ ‬يوم‭ ‬دخلت‭ ‬باب‭ ‬البريد‭ ‬الألكتروني‭ ‬الذي‭ ‬تسميه‭ ‬الأفرنجة‭ ‬والأعاجم‭ ‬‮«‬‭ ‬الإيميل‭ ‬‮«‬‭ ‬وقد‭ ‬صنعه‭ ‬لي‭ ‬صديق‭ ‬أديب‭ ‬ناقد‭ ‬اسمه‭ ‬حسن‭ ‬ناظم‭ ‬ويعمل‭ ‬الآن‭ ‬بوظيفة‭ ‬وزير‭ ‬ثقافة‭ ‬وآثار‭ ‬ببغداد‭ ‬العليلة‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬أتم‭ ‬الأمر‭ ‬بنفس‭ ‬السهرة‭ ‬وأرسل‭ ‬إليَّ‭ ‬رسالة‭ ‬تجريبية‭ ‬واحدة‭ ‬فرددت‭ ‬عليه‭ ‬بأحسن‭ ‬منها‭ .‬

ليلتها‭ ‬قلت‭ ‬وداعاً‭ ‬لساعي‭ ‬البريد‭ ‬ودراجته‭ ‬الهوائية‭ ‬والورق‭ ‬الأبيض‭ ‬والملون‭ ‬والمكتوم‭ ‬بأثر‭ ‬الورد‭ ‬والقلب‭ ‬المرسوم‭ ‬بنهاية‭ ‬المكتوب‭ ‬،‭ ‬ويظهر‭ ‬فيه‭ ‬سهم‭ ‬نافذٌ‭ ‬ضرب‭ ‬الفؤاد‭ ‬برعدة‭ ‬حب‭ ‬عذري‭ ‬بديع‭ ‬خجول‭ ‬لذيذ‭ ‬راح‭ ‬ولن‭ ‬يعود‭ !!‬

لم‭ ‬تكد‭ ‬السنة‭ ‬البريدية‭ ‬الألكترونية‭ ‬الأولى‭ ‬تنقضي‭ ‬حتى‭ ‬تكحلت‭ ‬عيناي‭ ‬المندهشتان‭ ‬بقراءة‭ ‬رسالة‭ ‬مكتوبة‭ ‬بلغة‭ ‬إنجليزية‭ ‬سهلة‭ ‬،‭ ‬فهمت‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬علمي‭ ‬أنني‭ ‬قد‭ ‬فزت‭ ‬بجائزة‭ ‬مقدارها‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أتذكرها‭ ‬الآن‭ ‬،‭ ‬وما‭ ‬عليّ‭ ‬سوى‭ ‬إرسال‭ ‬عنواني‭ ‬ورقم‭ ‬هاتفي‭ ‬والإتصال‭ ‬بفلان‭ ‬الفلاني‭ ‬لترتيب‭ ‬أمر‭ ‬التسليم‭ ‬وتحقيق‭ ‬الحلم‭ ‬الذي‭ ‬أتى‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬‭ ‬حلم‭ ‬‮«‬‭ ‬مصطفى‭ ‬الآغا‭ ‬بسنين‭ ‬عجفاوات‭ ‬حائلات‭ !!‬

قمت‭ ‬على‭ ‬حيلي‭ ‬منتعشاً‭ ‬مذهولاً‭ ‬منتشياً‭ ‬بقوة‭ ‬الخبر‭ ‬الذي‭ ‬وجدته‭ ‬يقيناً‭ ‬،‭ ‬وطرت‭ ‬إلى‭ ‬المطبخ‭ ‬حيث‭ ‬إيمان‭ ‬الجميلة‭ ‬تعزف‭ ‬على‭ ‬صحن‭ ‬تشريب‭ ‬منقوع‭ ‬خبز‭ ‬بالطماطة‭ ‬وأجزاء‭ ‬من‭ ‬أجنحة‭ ‬،‭ ‬وبباب‭ ‬الطبخ‭ ‬والنفخ‭ ‬قمت‭ ‬بأداء‭ ‬رقصة‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نسخة‭ ‬مشوهة‭ ‬من‭ ‬رقصة‭ ‬أنطوني‭ ‬كوين‭ ‬في‭ ‬شريط‭ ‬زوربا‭ ‬العظيم‭ ‬،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تتهمني‭ ‬بعلتي‭ ‬الطيبة‭ ‬بالخبل‭ ‬والسكر‭ ‬المبين‭ ‬،‭ ‬سردت‭ ‬عليها‭ ‬النبأ‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تملأ‭ ‬الحارة‭ ‬بهلاهل‭ ‬السعد‭ ‬،‭ ‬قلت‭ ‬لها‭ ‬لا‭ ‬تتعجلي‭ ‬لأن‭ ‬لغتي‭ ‬الإنجليزية‭ ‬ليست‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬،‭ ‬وعليَّ‭ ‬أن‭ ‬أهبَّ‭ ‬فوراً‭ ‬صوب‭ ‬صديقي‭ ‬القريب‭ ‬المترجم‭ ‬والقاص‭ ‬عبد‭ ‬الجبار‭ ‬ناصر‭ ‬متأبطاً‭ ‬نسخة‭ ‬ورقية‭ ‬من‭ ‬رسالة‭ ‬الكومبيوتر‭ ‬البشارة‭ !!‬

قرأ‭ ‬صاحبي‭ ‬جبار‭ ‬أول‭ ‬سطرين‭ ‬من‭ ‬رسالة‭ ‬الجائزة‭ ‬العظمى‭ ‬،‭ ‬ورشقني‭ ‬بصلية‭ ‬متصلة‭ ‬من‭ ‬ضحكته‭ ‬المميزة‭ ‬وقام‭ ‬بتقبيلي‭ ‬قبلة‭ ‬مواساة‭ ‬معلنة‭ ‬وشرح‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الصنف‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬والإيميلات‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الجميع‭ ‬ويستهدف‭ ‬المغفلين‭ ‬والحالمين‭ ‬الذين‭ ‬إن‭ ‬تواصلوا‭ ‬مع‭ ‬المصدر‭ ‬فإنهم‭ ‬سيخسرون‭ ‬كل‭ ‬رصيد‭ ‬بطاقة‭ ‬الهاتف‭ ‬وربما‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬دنانير‭ ‬مضمومة‭ ‬حتى‭ ‬رأس‭ ‬الشهر‭ !!‬

ليلتها‭ ‬سهرت‭ ‬صحبة‭ ‬جبّوري‭ ‬حتى‭ ‬صياح‭ ‬الديك‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬استهلكنا‭ ‬من‭ ‬الضحك‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لإنتاج‭ ‬وطن‭ ‬مسوّر‭ ‬بحلم‭ ‬عظيم‭ .‬

ركضت‭ ‬السنوات‭ ‬وتراكمت‭ ‬الخبرات‭ ‬وظلت‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬مزروعة‭ ‬بذاكرتي‭ ‬مثل‭ ‬عشبة‭ ‬خلود‭ ‬تركها‭ ‬جلجامش‭ ‬معلقة‭ ‬أبدية‭ ‬ترفرف‭ ‬على‭ ‬روزنامة‭ ‬السنة‭ .‬

تواصل‭ ‬هطيل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬اللذيذ‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬الغفلة‭ ‬،‭ ‬وتعاظمت‭ ‬أقيام‭ ‬الجوائز‭ ‬ودخلت‭ ‬على‭ ‬نص‭ ‬الرسائل‭ ‬أساليب‭ ‬ومسرودات‭ ‬حديثة‭ ‬جذابة‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬تطور‭ ‬الأمر‭ ‬فصرت‭ ‬أتسلم‭ ‬مكاتيب‭ ‬لطيفة‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬زوجها‭ ‬كان‭ ‬جنرالاً‭ ‬كبيراً‭ ‬بجيش‭ ‬دولة‭ ‬أفريقية‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬قتل‭ ‬بواقعة‭ ‬انقلاب‭ ‬وترك‭ ‬خلفه‭ ‬عشرة‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭ ‬وكدس‭ ‬ذهب‭ ‬من‭ ‬عيار‭ ‬قوي‭ ‬،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬زوجته‭ ‬ميراندا‭ ‬تقترح‭ ‬عليَّ‭ ‬الشراكة‭ ‬المالية‭ ‬والذهبية‭ ‬والعاطفية‭ ‬،‭ ‬وتسألني‭ ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬طريقة‭ ‬سهلة‭ ‬لإخراج‭ ‬هذا‭ ‬الكنز‭ ‬المدفون‭ ‬بحديقة‭ ‬الدار‭ ‬وتحت‭ ‬مدخنة‭ ‬الفنار‭ !!‬

استمر‭ ‬الهطيل‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬،‭ ‬مرة‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬مشهورة‭ ‬مثل‭ ‬فيسبوك‭ ‬،‭ ‬وثانية‭ ‬من‭ ‬لاجئة‭ ‬تعيش‭ ‬بمخيم‭ ‬قريب‭ ‬وعينها‭ ‬وقلبها‭ ‬على‭ ‬كنز‭ ‬عظيم‭ ‬تركته‭ ‬تحت‭ ‬حطام‭ ‬بيت‭ ‬بعيد‭ ‬،‭ ‬وثالثة‭ ‬من‭ ‬واحد‭ ‬عثر‭ ‬على‭ ‬منجم‭ ‬ذهب‭ ‬نائم‭ ‬بخاصرة‭ ‬جبل‭ ‬ويروم‭ ‬القرب‭ ‬والتشارك‭ ‬بالحلال‭ ‬،‭ ‬ورابعة‭ ‬من‭ ‬زوجة‭ ‬زعيم‭ ‬مشهور‭ ‬مات‭ ‬وترك‭ ‬لبعلته‭ ‬المباركة‭ ‬رقم‭ ‬حساب‭ ‬ببنك‭ ‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬دواليك‭ ‬ودواليها‭ ‬ورسائل‭ ‬مجانية‭ ‬ضربت‭ ‬قلبي‭ ‬بأول‭ ‬سكتة‭ ‬لكنني‭ ‬نجوت‭ ‬منها‭ ‬بالرد‭ ‬على‭ ‬المرسلين‭ ‬بنفس‭ ‬طرائقهم‭ ‬،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬أوصلهم‭ ‬الى‭ ‬شط‭ ‬الماء‭ ‬العذب‭ ‬والسمك‭ ‬الوفير‭ ‬،‭ ‬أعيدهم‭ ‬عطاشى‭ ‬ينامون‭ ‬على‭ ‬جوع‭ ‬وخيبة‭ !!‬

‭ ‬