جدّ العراق.. ولهْو العرب – مقالات – خالد عمر بن ققه
يًولي العرب اليوم وجوههم قِبَل مصر دعما ماليا وإعلاميا، وقِبَل سوريا تدخلا دوليا بالتأييد والدعم للجماعات الإرهابية، وقِبَل ليبيا حوارا بين الفرقاء، وقِبَل اليمن تقسيما ينتهي باحلال عدن عاصمة بدل صنعاء، لكنهم لا يأبهون لما يحدث في العراق إلا قليلا، وما نراه من تباك وانفعال، ودعم للقوى الدولية المدعية محاربة داعش، لا يمثل ـ في وجهة نظري ــ دعما للعراقيين، بقدر ما هو مساندة للقوى الدولية خوفا منها أو طمعا في حماية بعض الأنظمة وابقاء دولها موحدة إلى حين من الوقت، نراه قريبا، وهو ما يراه أيضا قادة تلك الدول، وباختصار فإن العراق يعيش اليوم مخاض تجربة جديدة تتمثل في تشويه الإسلام بعد أن كان احتلاله في العام 2003 من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ومن أيّدهما انهاء للعروبة باعتبارها دافعا قوميا للتحرر.
لقد مَثّل العراق منذ آلاف السنين قلقا حضاريا لكل أمم الأرض، فحاربته، ودفع تكاليف البقاء في وجه عواصف الزمن، وكشف عن صمود ليس على مستوى الآثار فقط، ولكن على مستوى المعارف، ونجح في تطوير محيطه العربي، ودخل في حوار مع المركز والأطراف في كل من مكة والقاهرة وقرطبة، وكسب جولاته ضمن اثراء واعٍ، وقوّم اللغة العربية وقواعدها في مدارس البصرة والكوفة، وفتح النقاش على المستوى العالمي ـ وصل أحيانا إلى درجة الجدل الفلسفي والعقائدي ـ بين ملل ونحل مختلفة، وأعاد بناء ذاته بعد كل حرب مدمرة، وعرف قوى نورانية وأخرى ظلامية، وكرّس العدل حينا والظلم أحينا كثيرة.. وفي كل ذلك لم يطو من ذاكرة الزمان، فكيف اليوم نعمل مختلفين أو متحدين عن تناسيه بقصد من البعض، وبدونه من آخرين.
عودة دار السلام
لا أحد ينكر الأزمات الكبرى التي تمر بها أمتنا، والتي تجاوزت إعادة ترتيب الدول جغرافيا وبشريا، إلى استباحة الوجودي الإنساني كما هو الأمر في سوريا وليبيا واليمن ومصر، لكن كل ذلك لا ينفي أن البداية وربما قد تكون النهاية من العراق، وفي تجربتنا التاريخية ما يؤكد ذلك، ففي الحالات التي احتلت فيه بغداد أو سقطت، سقط معها العالم الإسلامي وليس العربي فقط، لذلك نقول من الظلم أن يكون الاهتمام العربي مركزا على ما يحدث في دول أخرى لجهة البحث عن حل للمشكلات الأمنية، وترك العراق باعتباره مصدرا للمشكلات ومنها الإرهاب.. أَلم يكف العرب مساهمتم في جريمة احتلاله في العام 2003 .
وإذا كان العراقيون يستحيون ـ كما هم دائما عبر التاريخ ـ من تذكير العرب بدورهم في نهضة العرب وحمايتهم ودعم دولهم في حروبها ضد المستعمر، فإنه علينا نحن ـ العرب غير العراقيين ــ أن نذكر جميلهم ذلك من خلال الدعم المباشر لهم في حربهم ضد الإرهاب لا أن نكون طرفا فيها، ليس هذا فقط بل علينا رفض أن يظل العراق ولمدة 12 سنة دار حرب، فقد كان دار سلام وسيعود.
والمحاولات الدولية عبر الجماعات الإرهابية من داعش أو من دول الجوار أو حتى من بعض الجماعات العراقية، وما يتبعها من تكاليف على حساب العراق، مرفوضة في مجملها، لأن العراق لن يكون مقربة للحضارة الإسلامية من خلال زرع فتنة دولية باسم جماعات متطرفة اعتقدت أنها على حق، فقد قضى على جماعات كانت أشد منها تطرفا في عصور سابقة، ويكفي العراق أنه دفع تكلفة باهظة على خلفية توجهاته القومية.
خسارة العرب
يعرف العرب أنهم يخسرون كثيرا بغياب الدور العراقي، وسيخسرون أكثر بترك العراق وحيدا في مواجهة الإرهاب الدولي، الذي أوجدته الولايات المتحدة الأمريكية في دولنا، غير أن وعيهم بذلك تحول دون العمل من أجل تغييره عوامل كثيرة، لعل أهمها:
أولا ـ الاعتقاد بأن التضحية بالعراق تحمي دولاً عربية صغيرة وتطيل في عمر أنظمتها، وهذا في نظرهم ليس عداء مقصودا تجاه العراق بقدر ما هو ضرورة فرضتها طبيعة المرحلة، وهذا يعد، من وجهة نظري، نوعا من الإرهاب العربي ـ إن جاز التعبير ـ مشابها بل ومتطابقا مع ما تقوم به الجماعات الإرهابية من قتل لغير المنتمين إليها.
ثانيا ــ ملكية القرار الخاصة بكل دولة عربية ليست في يدها، فما بالك بالقرارالخاص بدعم العراق، وقد أصغيت السمع ـ وأنا في حيرة ـ لبعض المسؤولين العرب وهم يتباكون على العراق، ويعلنون صراحة أنهم لا يستطيعون تقديم أي مساعدة، حتى لو كانت بسيطة إلا بإذن من الولايات المتحدة، خوفا من غضبها أو انزعاجها، لذلك فهم يفضلون عدم سؤالها.
ثالثا ــ ارتباط العرب بالتحالف الدولي لمواجهة الإرهاب، وخاصة داعش وأخواتها، لا يسمح لهم باتخاذ أي قرار له طابع سيادي، بدعم العراق، بما في ذلك مواجهته للإرهاب، وهذا يعني أنه لا وجود لسيادة الدولة القطرية في الوقت الراهن، وأن مسألة الإرهاب ـ فعلا ورد فعل ـ تخص القوى الكبرى، على أن تكون التكلفة البشرية والمادية على حساب العراق.
جريمة كبرى
تلك بعض العوامل، ذكرتها هنا على سبيل المثال، يمكن اعتبارها مبررات، تماما مثل تلك الحجج التي يقدمها الغرب بقيادة الولايات المتحدة في حربه ضد داعش لجهة الاكتفاء بالقصف الجوي، ودفع القوات العراقية إلى الحرب البرية كما هي الحال اليوم، في تحرير تكريت، مع أن وجود ما بات يعرف بتنظيم داعش بدأ من سوريا وتمدّد نحو العراق بدعم وإشراف من الإستخبارات الغربية، التي هي على دراية كاملة بكل قوة هذا التنظيم وأماكن وجوده وأهدافه.
ما يقوم به العرب حاليا تجاه العراق يعد جريمة كبرى لا لأنهم عاجزون عن دعمه، ولا لأنهم يدّعون محاربة إيران ثم يؤيدون وجودها ونفوذها هناك سرا وعلانية، ولأن بعض دول الجوار ساهم في قيام داعش منذ 2006 ولا لأن هناك عمليات نصب دولية علانية تتم على حساب العراق بحجة تدريب الجيش العراقي، ولا لأن التناول الإعلامي العربي الخاص بالعراق يركز الحديث عن عدد القتلى وانتمائهم المذهبي والطائفي والإثني.. ليس لهذا كله فقط، ولكن لأن بعضهم يعتقد أن التضحية بالعراق تمثل حماية للدول العربية الأخرى، خاصة تلك التي ترى في قوته ووحدته خطرا دائما، وأيضا لأن جميع الدول العربية ترى نفسها عاجزة عن القيام بأي دور لمساندة العراق للخروج من أزمته.
العلاج بالحرب
إن نسيان أو تناسي ما يحدث في العراق من مجازر يومية، أو الانشغال عنه بمآسي الدول العربية الأخرى، أو الدعم غير المبرر لبعضها على حسابه، قد يطيل من عمر الأزمة هناك، ولكن بالتأكيد سيعود العراق إلى سابق عهده ولو طال الزمن، والأعمال الإجرامية فيه سواء أكانت من فعل أفراد أم تنظيمات أم جماعات داخلية أم من دول الجوار أم الدول الكبرى صاحبة المصلحة في استمرارية الإرهاب، هي حالة مرضية تعم الوطن العربي، وتتطلب العلاج السريع.
لا ننكر أن العراق مريض، وما يميزه عن الدول العربية الأخرى، هي أنه عرف أمراضه الظاهرة والخفية، ومنها استيلاء الجماعات الإرهابية على أراضيه في لحظة غفلة وضعف من الدولة، وهو الآن يتلمّس طريقاً إلى العلاج عبر الحرب، وهي، بلا شك، دواء مر ولكن لابد منه، وتلك حالة من الجد، تقابل بحالة من لهو لدى العرب الآمنين أو هكذا يخيل إليهم، لذلك علينا ـ نحن العرب جميعا ـ أن لا ننسى حربه تلك، وقبل ذلك وبعده وفي كل حين علينا تجسيد قناعة أن العراق منتصر لا محالة مهما تكالبت عليه قوى الشر، لأنه لم يحدث أن انتصرت جماعة إرهابية على دولة، إلا إذا كانت الجماعة مجموعة دول متحالفة على غرار ما حدث في 2003وحتى هذه لم تتمكن من القضاء على الوجود العراقي (البشري والتاريخي والمعرفي والحضاري)، وهو ما نراه اليوم، رغم غياب البصيرة لدى الكثيرين منا.
{ كاتب وصحفي جزائري


















