
جاسم الزبيدي .. العدسة الثائرة
رحلة الضوء والعتمة في الحياة والتمرّد
أحمد عبد المجيد
انصف الباحث الفوتوغرافي هيثم فتح الله، جيل المصورين الرواد ووثق مجهوداتهم الفنية، باصدار سلسلة من الكتب او (الاطالس) التي تعرض اعمالهم (المهملة) منها والمتداولة، وتستذكر محطات من حياتهم الشخصية والمهنية التي اتسمت بالمثابرة والفاقة والهمة العالية والشغف الفني. لقد نقل جيل المصورين المبدعين الاوائل آلية الكاميرا من طبيعتها الجامدة الى حركيتها الخلاقة، وهي مزيج من ضوء وعتمة وروح باذخة بالمحتوى الدال.
مهارات تقنية
وبرغم ان جهوداً ابداعية من النوع الذي قام به فتح الله تحتاج الى قدرات ومهارات تقنية وتحدياً وصبراً نادراً، فانه مضى في مشروع يصح القول انه مؤسسي على خلفية تستند الى عشق فريد وشغف توثيقي غير مسبوق. وبعد كتابه او سلسلة كتبه عن لطيف العاني الذي استنسخ في بغداد دون علم المؤلف ضمن ما سمي بمشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية، وبعد كتابه الثاني عن ناظم رمزي وكتابه الثالث عن مراد الداغستاني وكتابه الرابع عن هادي النجار الرئيس الحالي لجمعية المصورين العراقيين ، يأتي كتابه الخامس عن زميلنا المصور الصحفي الراحل جاسم الزبيدي، الذي ارتبطنا نحن الجيل الوسط من الصحفيين في العراق معه، بعلاقات تعدت العمل اليومي في جريدة الجمهورية منذ عقد السبعينات وحتى رحيله الأبدي. كان الزبيدي شخصية فوتوغرافية متميزة في تعاملاته وعلاقاته وآرائه وتحولاته. وقد دخل قلوبنا منذ اليوم الأول الذي عرفناه في الجريدة، وسرعان ما تحول بالنسبة لنا الى ايقونة فوتوغرافية تتسم بالاقتدار الفني واللمعان الاحتجاجي. فهو ليس مصوراً صحفياً مستسلماً كغيره أو تابعاً مهنياً كغيره. كان يقود المحررين احياناً الى ماهو يرغب أو يتصور ويفرض رؤاه الاخراجية للمشهد الصحفي، برغم كثرة القوالب وتعدد زوايا النظر. كان يبدو في عدسة الكاميرا، محرراً باللون والضوء يصارع موضوعات لا تحتاج الى تفسير ولا تلجأ الى الطرق السهلة. فهو محارب برغم كرهه للسلاح القاتل، لان الأخير يغتال الانسان وينهي الحياة، فيما تتولى كاميرا الزبيدي الخلق الجديد الابدي. وقد سررت وانا اتلقى خلال زيارتي الخاطفة الى عمان من الصديق هيثم فتح الله كتابه عن (جاسم الزبيدي – الثائر بعدسته)، ومثلما كان يفعل الزبيدي بعدسته، فاني تمنيت بقلمي ان يكون العنوان (الزبيدي – عدسة ثائر)، ليحقق الكفاية والكفاءة البلاغية لعمل كبير من مثل هذه الوثيقة المهمة التي تولى فتح الله مسؤليتها، بتطوع نادر وصبر جميل، واقول صبراً جميلاً لان فتح الله تعامل مع وثائق صورية قديمة تطلب وصعها في صفحات كتابه، معالجات تقنية وتصحيحات بسبب، مرور عجلة الزمان عليها فأحالتها الى اشباح وضباب، بحيث تلاشت منها المعالم الابداعية والرؤى الفنية التي كان المصور يتأملها ويتحسس آثارها ويوزع ابعادها على (فريم) الصورة.
ولم يكتف فتح الله بالتصدي الى موضوعه بالحديث المسهب والكلام الانشائي بل عالجه بالوثيقة والايجاز، مستعيناً بما يتيسر اليه من مساهمات بعض اصدقاء الزبيدي ومجايليه من الصحفيين، كسهيل سامي نادر وعبد الحميد الزبيدي (نجل شقيق جاسم). واعترف فتح الله بالجميل الذي أسداه سعد نجل الراحل الذي علمت انه فتح خزانة والده ووضع بين يدي فتح الله كل الافلام الخام والصور الورقية المودعة، برغم مرور كل تلك السنوات عليها.
وحسناً فعل فتح الله عندما وضع هيكلية (سيناريو) الكتاب بجهده التألفي، بافراد صور تحولات جاسم الزبيدي واهتماماته الحياتية. وأكتشفنا من ذلك اهتمام خاص بالاطفال وانغماس خاص أيضاً بقضايا المرأة، ليس في العراق، بل في أرتيريا واليمن وعمان حيث وثقت عدسة الزبيدي حقبة مهمة من الثورة اليسارية التي عمت اقليم ظفار في سلطنة عمان ثم سحقت عام 1975 (وجدت ان الصحفي اللبناني الكبير رياض نجيب الريس أصدر كتاباً بعنوان ظفار – الصراع السياسي والعسكري في الخليج العربي 1970 – 1976، عرضت طبعته الخامسة في معرض بغداد الدولي للكتاب، الذي اختتم فعالياته أمس الجمعة). وربما من قبيل التصحيح علي القول ان الصورة الاولى للجندي العراقي وهو يحمل بندقية ونسبت الى أيام الحرب العراقية الايرانية، تعود بعد تحليل معالمها او جزئياتها الى حقبة سابقة، اعتماداً على البندقية (البرنو)، فيما كان السلاح المعتمد في الجيش العراقي انذاك هو البندقية الروسية (كلاشنكوف)، ومن واقع العلاقة الشخصية الراسخة التي ربطتني بالزبيدي ابان العمل في جريدة الجمهورية، حيث كبار زملائه المصورين كانوا يرتبطون بعشق خاص بالعمل، كسامي النصراوي وصباح جاسم وصباح عبد الرحمن ونزار السامرائي ونبيل الشاوي ورحيم حسن، كان الزبيدي معلماً بارزاً بينهم، بل كان يتعالى عليهم جميعاً، مدركاً طبيعته وهالته الاعلامية، الناتجة عن جولاته ومغامراته داخل العراق وخارجه، حيث لاحق الثورات في فلسطين وارتيريا وعمان والحرب الطاحنة على الحدود مع ايران، وارتباطاته الشخصية بالرموز والعناوين الثقافية، لكنه في العمق الشخصي كان انساناً محباً للجميع متسامحاً مع الجميع، ناصحاً لهم ولنا، حيث كنا نحبوا في بلاط صاحبة الجلالة.
سيارة جيب
كان الزبيدي يقول ما يفعل ولا يجنح الى المجاملة والمجادلة والمداهنة، وتساعده في ذلك كاميرته التي يميزها من بين عشرات المعشوقات اللواتي ارتبط بهن. كان يحب المرأة حبه للهو والسهر ومركبته (الجيب) العسكرية التي لا نظير لها في الشارع، والتي تعرض نتيجة قيادته (المتهورة) احياناً لها الى حوادث سير انقذه الله ودعوات محبيه منها .. كان يأتينا ضاحكاً باشاً وهو يقص علينا حوادثه ليلة انعمس فيها مع ندمائة يتبادل قصص الشعر والسياسة، ثم انقلاب المركبة وسط تقاطع كلية الفنون الجميلة، ونضحك بجنون مبهج، ونتذكر مرات اصطداماتها الأخرى.

















