جاء متأخراً ليقدم رواية جديدة.. رؤية واضحة لعلاقات معقّدة
حمدي مخلف الحديثي
1
لابد من القول إن الحكاية هي العمود الفقري لأية رواية، ومن خلال تلك الحكاية يعتمد الروائي في بناء نصه، مع ما فيها من أحداث تحمل الدهشة والغرابة من أجل أن يكون القارئ منجذبا للرواية التي يقرؤها.
والشيء المهم الذي يجب على الروائي هو احترام شخصيته الروائية التي يحركها على الورق ويدفعها للبوح عن أفكاره، كما يحترم أيّ شخصية واقعية يتعامل معها في حياته اليومية، لأن الشخصية التي يخلقها الروائي أيضا بلحم ودم وذات روح لأنها تمثل الروائي نفسه.
فكم من شخصيات روائية ما زالت تعيش معنا، ولا يمكن أن تموت وتدفن بين الأوراق، لذا فاحترام الشخصية من أجل الرؤى المتألقة بأبعاد فكرية بعيدة عن التقريرية التي تجعل الرواية مصابة بشلل نصفي.
والروائي علي الحديثي أكّد احترامه للشخصية الروائية من خلال روايته الأولى (ذكريات معتقة باليوريا) التي صدرت عام 2015 عن دار فضاءات، ليأتي باحترام أوسع وإجلال لشخصية روايته الثانية (جئتُ متأخرا)، مؤكدا على آرائها المنطقية وعدم خذلانها إزاء الشخوص الأخرى التي أحرجت الشخصية الأولى في بعض المواقف عبر مسيرته الحياتية.
2
رواية (جئت متأخرا) صدرت عام 2016 عن دار روايات، إحدى شركات مجموعة كلمات (الإمارات العربية المتحدة)، بصفحاتها الـ(129) حجم صغير، و مقاطع صغيرة ذات عناوين واضحة المعنى، لكن بعضها حملت دلائل فكرية فلسفية تدعو القارئ إلى التأويل، إلى جانب الإحساس الشعري مثل (نصوص في الغيوم/ إن لم أكن أنا..).
3
جاءت رواية (جئت متأخرا) بأسلوب خاص وبلغة سلسة رشيقة، فهي الكثير من العبارات ذات اللمحة الشعرية، وقدّمت للقارئ حالة شخصية فريدة، مقسومة إلى قسمين، القسم الأول وقوعه في حب امرأة تعرف عليها في الفيس، وبعد ذلك التقيا في الواقع، وهذا هو المدخل المهم للرواية الذي من خلاله يتشعب الروائي عبر شخصه إلى محطات عديدة أعطت قوة بناء للرواية.
والقسم الثاني حبه للصلاة وتردده إلى المسجد..
والقسمان في اجتماعهما أعطيا رؤية واضحة عن الحب الطاهر النظيف برغم أن الحبيب الولهان متزوج..
بعكس تفكير بعض من القراء الذي يعتقدون أن الروائي أراد من القسمين تجسيد حالة صراع تعيشها الشخصية.. الصراع بين الحب والصلاة.. ومن الظاهر أن الحب والصلاة في وضع لا يسمح باللقاء فيما بينهما مثل خطين متوازيين لا يلتقيان..
وعبر مقاطع الرواية نجد أن السارد يعود بالقارئ إلى ماضي الشخصية منذ الطفولة والمراهقة وعلاقته بالأصدقاء، كذلك المدرسة في مراحلها كافة حتى دخوله معهد المعلمين وعلاقته بالوالدين وباقي أفراد عائلته خصوصا الشقيقة والطلاب والمدرسين.
وعودة الشخصية الساردة إلى الماضي أخذت الكثير من الرواية وأصبحت هي الثيمة الأساس للمضمون، وثيمة الحب الجديد حلقة ربط لكل مفاصل الشخصية الروائية التي أعطت بُعدا فكريا للمضمون وعبر زمن آخر..
كذلك كشف الروائي السارد علاقة الشخصية بالكتب واهتمامه ببعض الرموز الفكرية مثل أفلاطون من أجل إعطاء صبغة ثقافية للشخص مع تعلقها بأغاني أم كلثوم..
ولم يكن الحب الجديد وحده، إنما ركز السارد على زمن مضى، وكيف كان الأصدقاء يلهون بالحب دون هدف، بينما هو كان صاحب هدف، وقلبه وعقله بعيدان عن الخداع، فيه الكثير من العقلانية.
ونقف أيضا عند القسم الديني، حيث أعطى الروائي السارد الكثيرَ من اهتمام شخصية الرواية بالمسجد والصلاة وتعاليم الدين اٌسلامي بعيدا عن التطرف..
4
تميزت رواية (جئت متأخرا) بكثرة الحوار الذي لم يكن فجا، إنما جاء بروح فكري عالٍ، فيه من الحكمة والفلسفة، مجسدا وعي الروائي إزاء أمور الحياة اليومية وما فيها من تقلبات سياسية واقتصادية واجتماعية.. ولم ينس الروائي الحرب العراقية الإيرانية، فقد مرّ بها بذكاء من خلال ما يقارب السطر..
5
وبعد هذا وجب القول: إن الروائي علي الحديثي أدخل القارئ بمضمون فيه لمحات جديدة على مضامين الرواية العراقية التي جاءت بعد (4/4/2003)، وجسّد هذا المضمون باختزال عميق الرؤية، بعيد عن الحشو، وأعطى القارئ فسحة واسعة للتأمل والتأويل مما يدفع القارئ إلى قراءة الرواية أكثر من مرة..
ومن يقرأ الصفح الأولى لا يرمي الرواية جانبا، إنما يبقى فيها بالوقت نفسه حتى الصفحة الأخيرة ليشعر براحة نفسية….


















