ثورة الأصابع

عبدالحق بن رحمون

شكرًا‭ ‬لك‭ ‬يا‭ ‬مالك‭ ‬الـ‭ ‬‮«‬فيس‭ ‬بوك‮»‬‭ ‬مارك‭ ‬زوكربيرغ‭.. ‬شكرا‭ ‬لك‭ ‬لأنك‭ ‬توفر‭ ‬لنا‭ ‬خدمة‭ ‬بالمجان،‭ ‬نتواصل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬ونعرف‭ ‬أحوال‭ ‬الطقس،‭ ‬ونتذكر‭ ‬من‭ ‬خلالك‭ ‬أعياد‭ ‬الميلاد،‭ ‬ونتابع‭ ‬صور‭ ‬العالم‭ ‬ونسمع‭ ‬الأخبار،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬مشقة،‭ ‬فأنا‭ ‬ربطت‭ ‬علاقات‭ ‬وصداقات‭ ‬منسية،‭ ‬وأخرى‭ ‬جديدة،‭ ‬وبسببك‭ ‬نتذكر‭ ‬الأيام‭ ‬العالمية‭ ‬والوطنية‭ ‬والدينية،‭ ‬وأعياد‭ ‬ميلاد‭ ‬أصدقائنا،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬نتذكر‭ ‬جيراننا،‭ ‬والمحتاجين‭ ‬والفقراء،‭ ‬ونتذكر‭ ‬فواتير‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬علينا‭ ‬تأديتها‭ ‬بالتقسيط،‭ ‬زد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فواتير‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭. ‬ولأننا‭ ‬شعوب‭ ‬مغربية‭ ‬وعربية‭ ‬قد‭ ‬نحب‭ ‬أحيانا‭ ‬المنتوجات‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬بالمجان،فلا‭ ‬تستصغر‭ ‬فينا‭ ‬هذه‭ ‬الصفة،‭ ‬فعلا‭ ‬إننا‭ ‬أغنياء‭ ‬بالعفة‭ ‬والقناعة‭ ‬التي‭ ‬نعتبرها‭ ‬كنزا‭ ‬لايفنى،‭ ‬ولكن‭ ‬ماذا‭ ‬بيدنا‭ ‬أن‭ ‬نفعل‭ ‬مادمنا‭ ‬فقراء‭ ‬وأغنياء‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬و‭ ‬لانرضى‭ ‬أن‭ ‬نمد‭ ‬يدنا‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬جعنا‭ ‬أو‭ ‬أحسسنا‭ ‬بفاقة‭ ‬الفقر‭. ‬شكرا‭ ‬لك‭ ‬يا‭ ‬مالك‭ ‬الـ‭ ‬‮«‬فيس‭ ‬بوك‮»‬‭ ‬فقبل‭ ‬ثورتك‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كنا‭ ‬شعوبا‭ ‬كسولة،‭ ‬خمولة،‭ ‬ننام‭ ‬و‭ ‬نأكل،‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬نعمل‭. ‬شكرا‭ ‬لك‭ ‬يامالك‭ ‬الـ»فيس‭ ‬بوك‮»‬،‭ ‬لأنه‭ ‬بسببك‭ ‬أقلع‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬البصبصة‭ ‬وهم‭ ‬يجلسون‭ ‬في‭ ‬الكراسي‭ ‬الأمامية‭ ‬بالمقاهي،‭ ‬أو‭ ‬بمحطات‭ ‬القطار،‭ ‬لقد‭ ‬ندمنا‭ ‬كثيرا‭ ‬لأننا‭ ‬أهدرنا‭ ‬وقتا‭ ‬طويلا‭ ‬من‭ ‬عمرنا‭ ‬ونحن‭ ‬ننظر‭ ‬في‭ ‬الأرصفة،‭ ‬الآن‭ ‬شغلتنا‭ ‬بمواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وأحدثت‭ ‬فينا‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬الأصابع‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬صارت‭ ‬أصابعنا‭ ‬تشتغل‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬24‭ ‬ساعة،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬لدينا‭ ‬20‭ ‬إصبعا‭ ‬لكن‭ ‬جلها‭ ‬خاملة،‭ ‬قد‭ ‬يصلح‭ ‬البعض‭ ‬منها‭ ‬لغير‭ ‬الكتابة،‭ ‬الآن‭ ‬صرنا‭ ‬نشغل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أصابع‭ ‬فقط،‭ ‬والقليل‭ ‬القليل‭ ‬منا‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬بثمانية‭ ‬أصابع،‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬اننا‭ ‬صرنا‭ ‬ننتمي‭ ‬إلى‭ ‬كوكبك،‭ ‬وفي‭ ‬فضائك‭ ‬نجلس‭ ‬أمام‭ ‬لوحة‭ ‬المفاتيح‭ ‬ونرسل‭ ‬الصور‭ ‬تلو‭ ‬الصور‭ ‬والنكت،‭ ‬والحكم‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬الللايكات،‭ ‬وما‭ ‬نلومك‭ ‬عليه‭ ‬أنك‭ ‬تبيع‭ ‬اللايكات،‭ ‬ولاتمنحنا‭ ‬أية‭ ‬هدايا‭ ‬مجانية،‭ ‬هل‭ ‬نسيت‭ ‬أننا‭ ‬أهديناك‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬زفافك‭ ‬باقات‭ ‬الورود،‭ ‬وبفضل‭ ‬إكرامياتك‭ ‬يحرص‭ ‬زملاء‭ ‬لنا‭ ‬ومعارفنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬على‭  ‬إرسال‭ ‬صور‭ ‬صباح‭ ‬الخير،‭ ‬وجمعة‭ ‬مباركة،‭ ‬وأدعية‭ ‬كثيرة‭ ‬مباركة،‭ ‬لقد‭ ‬صرنا‭ ‬أكثر‭ ‬نهما‭ ‬للقراءة‭ ‬وتتبع‭ ‬كل‭ ‬خطوات‭ ‬الناس،‭ ‬لكن‭ ‬الحساد‭ ‬في‭ ‬الكواكب‭ ‬الأخرى‭ ‬المنافسة‭ ‬لك‭ ‬يا‭ ‬مارك‭ ‬زوكربيرغ‭ ‬يحسدونك‭ ‬لأنك‭ ‬صرت‭ ‬مليارديرا،‭ ‬بفضل‭ ‬الاشهار‭ ‬واللايكات،‭ ‬ويتهمونك‭  ‬بأنك‭ ‬تتجسس‭ ‬علينا،‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نصدقهم‭ ‬لأنك‭ ‬صرت‭ ‬حبيبنا،‭ ‬وصديقنا،‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬لنا‭ ‬الخدمة‭ ‬بالمجان‭ ‬ويوفر‭ ‬لنا‭ ‬مناصب‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬نعمله‭ ‬بدليل‭ ‬اختفت‭ ‬كلمة‭ ( ‬ما‭ ‬كَاين‭ ‬مايدَار‭) ‬من‭ ‬قاموس‭ ‬لغتنا‭ ‬المغربية،‭ ‬والتي‭ ‬تعني‭ ‬أنه‭ ‬لاعمل‭ ‬لنا‭. ‬شكرا‭ ‬لك‭ ‬يامالك‭ ‬الللايكات‭ ‬فأنت‭ ‬أهديتنا‭ ‬وعلمتنا‭ ‬كيف‭ ‬نتبادل‭ ‬التحيات‭ ‬بالرموز‭ ‬وبصفر‭ ‬درهم،‭ ‬لقد‭ ‬ندمنا‭ ‬كثيرا‭ ‬لأننا‭ ‬كنا‭ ‬نتحرج‭ ‬ونفشي‭ ‬السلام،‭ ‬ولا‭ ‬نجد‭ ‬العبارات‭ ‬المناسبة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬واجب‭ ‬في‭ ‬ديننا‭ ‬الحنيف،‭ ‬الآن‭ ‬صارت‭ ‬لنا‭ ‬حدائق‭ ‬كثيرة‭ ‬على‭  ‬منصتك،‭ ‬وصرنا‭ ‬نشاهد‭ ‬التلفزة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ننتظر‭ ‬مواعيد‭ ‬البرامج،‭ ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬ننزعج‭ ‬من‭ ‬الـ‭ ‬‮«‬فيس‭ ‬بوك‮»‬‭ ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬ضرورة‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬وهويتنا،‭ ‬ومؤخرا‭ ‬وضعت‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬أيضا‭ ‬مناصب‭ ‬عمل‭ ‬لمسؤولين‭ ‬على‭ ‬صفحاتها‭ ‬بمواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬شكرا‭ ‬لك‭ ‬يا‭ ‬منقد‭ ‬البشرية‭ ‬،‭ ‬فأنت‭ ‬عرفتنا‭ ‬على‭ ‬خبايا‭ ‬بعضنا‭ ‬وفضحت‭  ‬اناسا،‭ ‬وأسعدت‭ ‬آخرين،‭ ‬وصرت‭ ‬أنت‭ ‬هو‭ ‬مؤرخنا،‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬كيف‭ ‬ننام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نطل‭ ‬على‭ ‬منصاتك‭ ‬الكثيرة‭ ‬المنتصبة‭ ‬في‭ ‬جداراتك‭ ‬الزرقاء‭ ‬والخضراء‭ ‬والبرتقالية‭. ‬لكنك‭ ‬منحت‭ ‬أوسمة‭ ‬للباحثين‭ ‬عن‭ ‬الشهرة‭ ‬الزائفة‭ ‬بالمجان،‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الشركات‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تشح‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬آخرين‭ ‬لأنهم‭ ‬للأسف‭ ‬فقراء‭ ‬لايملكون‭ ‬أموالا‭ ‬لكي‭ ‬يدفعوا‭  ‬لك‭ ‬مقابل‭ ‬نشر‭ ‬تدويناتهم‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭.  ‬التهمة‭ ‬التي‭ ‬تفضح‭ ‬الناس‭ ‬هي‭ ‬الأصابع،‭ ‬لأنه‭ ‬بالأصابع‭ ‬نأكل‭ ‬و‭ ‬نكتب،‭ ‬ونشير‭ ‬بها‭  ‬للخير‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬أوطاننا‭ ‬إن‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬غربة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬سفر،‭ ‬لكن‭ ‬أشد‭ ‬أنواع‭ ‬العقاب‭ ‬قطع‭ ‬اليدين‭ ‬أو‭ ‬قطع‭ ‬الأصابع،‭ ‬واكثرها‭ ‬رعونة‭ ‬لما‭ ‬نرى‭ ‬أشخاصا‭ ‬يأكلون‭ ‬أصابعهم‭ ‬ندما،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬يعضون‭ ‬أصابعهم‭ ‬لما‭ ‬يذوقون‭ ‬أفكارا‭ ‬تتولد‭ ‬من‭ ‬بنانهم‭ ‬كالعسل‭ ‬الحر‭ ‬أو‭ ‬الفاكهة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬قطفها‭ ‬سيدنا‭ ‬آدم‭ ‬من‭ ‬شجرة‭ ‬المعرفة‭.‬

عبدالحق‭ ‬بن‭ ‬رحمون