ثلاث قصص قصيرة.. الجائع

ثلاث قصص قصيرة.. الجائع

 كاظم السعيدي

ضاع بزحمة المحتاجين ،مفتشا عن منافذ العيش ..جوفه الفارغ يستصرخه..يطالبه بملئه ..تاهت عنه سبل العيش ..موصدة ابوابها بوجهه..كان مرتدياً ثوب الاخلاص والامانة ،متمسكاً بتلابيبه ، ضاق به ذرعاً ،فبات مهلهلاً من كثرة تمزقه ..مارس العمل لعدة مرات ،تحت خيمة أغنياء الناس ،ونجح في إختبار الامانة عدة مرات ..بالرغم من مغريات يسيل لها لعاب المفلسين،وحتى غير المفلسين ..لكنه لم يستقر على جرف ..هكذا هي كانت حياته ،لم يكن محظوظا ،لا من حيث الرزق ولا من حيث فرص الحياة ،التي ينالها الناس،الذين هم أقل شأناً منه ..مصداقية وانسانية،لانه كان وما زال ، ذا مبدأ يؤمن به في الحياة ..ويعيش من أجله ..ولا يريد أن يلوّث مبدؤه الانساني ..الذي هو مبني على حب ومساعدة الناس ..راحت قدماه تحضن موجة التعب .وتمسح أحياء المدينة ، بمستويات طبقاتها الاجتماعية .خوف يعتريه يهرب الى ذاكرته ..غرق في جحيم المغامرة ،شارد الذهن ،لا يدري ماذا يفعل ..؟ ينزع خوفه .عيناه تمسح بعسلها واجهات القصور الفارهة ،لم يدخل جوفه طعاما منذ البارحة ..معدته تتضور جوعا ..حدد إحدى القصور إستعدادا لسرقتها ، قرب متنزه ٍ عام . متخذاً طريق فضائه الاخضر سبيلاً للهرب من خلف الدار ، فيما لو إنكشف فعله ..وطّن نفسه للسطو عليه ليلا ..وفي الليلة ذاتها ،إختفى القمر ، مشجعاً إياه ُعلى تنفيذ نيته ..إنطلق وبه إصرار على شيء يسرقه ليسكت به صراخ أمعائه ..وحينما لبست الارض عتمتها ،حثّ خطاه ، متسلقا سياج الدار وبخفة سريعة كان في الحديقة بدقائق ..تقدم بخطى وئيدة قاصدا الباب الداخلي للقصر ..لكنه كان موصدا باحكام ..طاف حول القصر بحذر ..علّه يجد باباً مفتوحاً يسهل دخوله ..وبطريقة ما ..صعد الى إحدى الاشجار القريبة من الدار ..يروم الصعود الى السطح ، نجح في ذلك ..حيث وجد باب السطح مفتوحاً..( البيتونة ) تسلل بحذر شديد داخلا الدار ..وهو يرتجف من شدة الخوف ..فعانقه القلق من شدة هدوء وصمت اجواء الدار ..راح يخطو على رؤوس أصابع قدميه ، راكبا موجة الحذر الشديد ..مصغيا بسمعه ،وكل جوارجه لاي حركة يسمعها ..ومن حسن حظه ..حتى التلفاز كان مطفئاً ، حينما نزل الى صالة القصر ..لكنه كان يتعثر بخطاه ..من شدة حالات الجوع ..فاسرع الى المطبخ ..وتزامن فتح الثلاجة بسقوط حاجة من داخلها على الارض ..فاحدثت صوتا عاليا .. سمرته بمكانه ، من شدة الخوف والارتباك الذي إعتراه ، أحسّ أنّ الحياة جفت بعروقه ،حينما شعر بذراعين قويتين تحكم قبضتها على صدره بقوة هائلة ..توقف نبضه فسقط على الارض مغشيا عليه ،من هول الموقف .. وبعد اكثر من ربع ساعة ، أفاق وهوبين يدي شاب وسيم .ضحكت عيناه بوجهه قائلاً ..لا تخف ..لن أتصل بالشرطة ..تيبس لسانه ،جفّ ريقه ، وماتت المفردات في فمه ..بالكاد نطق ..يا سيدي إن الذي قادني الى دارك هو الجوع ..لهذا إستهدفت الثلاجة اولا ً..ولم أفتش عن مال او ذهب..قال : حسنا وأخذه الى صالة الضيوف وقدّم له عشاءً فاخراً ..وظل يحدثه حتى بسطت الشمس ضياؤهاعلى الطبيعة ..وراح يساله ..كيف تجرأت ودخلت القصر ..؟ أتعرف من هو صاحب القصر ..؟

_كلا .. إنها تعود لابي الذي هو نائب في مجلس الاعيان ..إمتلا ْ خجلا ً وحياءً بحيث أصبح أصغر من حجمه .. ومدّ يده في جيبه ، وأخرج ورقة نقدية من فئة ( العشرة دنانير..) آنذاك ..ودسها في جيبه ، مؤكدا عليه ،كلما تحتاج ..( تعا ل الى هنا ) وقل أنا صديق الاستاذ ..وحصل الحوار التالي بينهما ..أُ ستاذ ..أنا لا أريد هذا المبلغ ..فأنا مدين لك بحياتي ،لقد أعطيتني درساً في الاخلاق والانسانية ..لانك لم تعاقبني ،في الوقت الذي وجدتني منتهكا حرمة بيتكم الكريم ..لكنني أريد أن تكمل معروفك معي ، وتجد لي عملا في اي دائرة من الدوائر ..أحفظ به كرامتي وإنسانيتي ،وأضمن مستقبلي عند الكبر ..

_قال:..حسنا ساعمل على ذلك ..وما عليك إلا أن تزورني بعد أربعة أيام ..وبعد إنتهاء المدة ..جاء الجائع للاستاذ ..وبعد تبادل التحية بينهما ..قال:_ الاستاذ..لقد وجدت لك عملا ..جيدا ، تعتاش منه ،ويحفظ لك إنسانيتك وكرامتك، أشكرك سيدي ،وفرحت كثيرا وحينما سألته ،لكن ما هو نوع العمل ..؟

ردّ الاستاذ :_ إنك ستكون حارساً لدارنا وأميناً عليها ،وعلى من يسكنها ..هيا تعال ..معي الان ..لتستلم مهام عملك ..