ثلاثة ألوان تختتم برمز الغروب والتلاشي

التشكيل الشعري بالقصة

ثلاثة ألوان تختتم برمز الغروب والتلاشي

محمد راضي جعفر

حين ننسب قصيدة الى فن الحكاية او الى الفن القصصي فاننا لا نطمح الى ان تكون تلك القصيدة قصة متكاملة، او حكاية ناضجة، ذلك لان الشاعر حتى لو امتلك كل مقومات القاص او الروائي يظل شاعرا بالدرجة الأولى، ولكنه قد يستلهم بعض ملامح شعره من الفن القصصي قدر ما تسعفه تجربته الانفعالية، وادواته الفنية، وقدرته في رسم الشخوص والاحداث. وفي بعض شعر الرواد ترتسم ظلال الحكايات والقصص هنا وهناك مع تفاوت في الوضوح والضمور، والقوة والضعف، والنضوج والفقر، فقد نقرأ للسياب شيئا من هذا في قصائده: في السوق القديم وغريب على الخليج، والمخبر، وعرس في القرية، ومدينة بلا مطر، والمومس العمياء، وحفار القبور، وتطالعنا في شعر البياتي بعض قصائده التي حملت جينات قصصية مثل: سوق القرية وعشاق في المنفى، والحديقة المهجورة، ومذكرات رجل مسلول، والرجل الذي كان يغني، ومجنون عائشة، واولد واحترق بحبي. وفي دواوين نازك الملائكة تطالعنا من حين الى اخر نماذج من قصائد تستقي بسرعة وعلى استحياء بعض ملامح القصة او الحكاية مثل: المقبرة العريقة، وبداية قصيدتها لعنة الزمن اقرب تلك القصائد الى فن القصة. ولم يكن بلند الحيدري بعيدا عن الشعر/ القصة او الشعر/ الحكاية، فقد نلمس ظلالا باهتة او غامقة لهذا الفن او ذاك في قصائده: سمير اميس، وصور في كأس، وربيع شقية وثلاث علامات، وشيخوخة، والخطوة الضائعة ووحشه، وغصن وصحراء ومظفر واعترافات من عام .1961

تعد قصيدة (غريب على الخليج) احدى اهم قصائد السياب، ففضلا عما توافرت عليه من ملامح القصة، فانها قدمت نموذجا بشريا عبر تجربة إنسانية فريدة، عانى فيها البطل/ الشاعر صراعا عنيفا ضد قوى الوجود والطبيعة وعلى الرغم من تكدس المعاني والصور فيها وفي سواها من قصائد السياب الطويلة بسبب كونها (وصفية شبه قصصية اكثر منها مبدعة صراع) كما يرى الدكتور جلال الخياط فان عذر السياب في ذلك انه شاعر وليس قاصا او روائيا. في بداية القصيدة يرسم السياب لوحة المشهد العام، وكأنه يجسد مدخل القصة:

الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام على الأصيل

وعلى القلوع تظل تطوى او تنشر للرحيل

زحم الخليج بهم مكتدحون جوابو بحار

من كل حاف نصف عاري

حركة دائبة ومصطخبة: من قلوع بعضها يطوى وبعضها ينشر، وبحارة حفاة انصاف عراة يرتسم الكدح على جباههم، وطقس خانق، ساخن، تلهث الرياح فيه وكأنها كابوس ثقيل رهيب اطبق على الأصيل فقتل سحره. وفي هذا الجو المأساوي كان البطل يخوض صراعه.

وعلى الرمال، على الخليج

جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج

ويهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج

اعلى من العباب يهدر رغوة ومن الضجيج

صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى عراق

كالمد يصعد، كالسحابة، كالدموع الى العيون

الريح تصرخ بي: عراق

والموج يعول بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق

هذا هو البطل من الداخل: تأزم اقوى من عباب البحر، واشتياق يعلو على كل ما عداه من الضجيج، فهو غريب، طريد، يقف على غير ارض وطنه مدافعا بالمناكب، محترقا بالرياح، ومسكونا بالجوع والفاقة، والخوف، والحنين، والعراق يملأ عليه المكان والزمان، داخل ذاته، وخارجها. ويستمر الشاعر في رسم اللوحات، وتوليد الصور: ففي اللوحة الثالثة: يسترجع الماضي من خلال مجموعة من الصور محدودة المساحة: فثمة صورة: الام وهي تهدهد طفولة الشاعر، وصور النخيل المكتظ بالاشباح، وصور الأطفال وهم يعودون مبكرين مع الغروب خيفة تلك الاشباح، وصچچچچورة المفلية العجوز وهي تروى قصة عفراء وحزام:

هي وجه امي في الظلام

وصوتها ينزلقان مع الرؤى حتى انام

وهي النخيل أخاف منه اذا ادلهم مع الغروب

فاكتظ بالاشباح تخطف كل طفل لا يؤوب

من الدروب؟

وهي المفلية العجوز وما توشوش عن حزام

ولكن خيط الماضي ينقطع، فتلك انتابهة حملت الشاعر، وها هو يصحو منها، ليعود الى نفسه.. حيث هو،

غنيت تربتك الحبيبة

وحملتها فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه

فسمعت وقع خطى الجياع تسير، تدمى من عثار

فتذرفي عيني منك ومن مناسمها غبار

فالمسيح الذي يرتهنه المنفى: (مترب القدمين) و(اشعث في الدروب، تحت الشموس الأجنبية) تستدر الاطمار التي يرتديها العطف والشفقة، ويكاد فقره يدفعه الى الاستجداء بثوب (الشحاذ الغريب) وقد حاقت به العيون الغريبة، فبعض تحتقر وتزور وتنتهر، وبعض ترق وتسخو. وهكذا قدم الشاعر تشكيلا متدافعا من الصور، هي في مجموعها قصة المناضل الطريد، موزعا بين ماضي بريء وشاعري، وحاضر قاس، وصعب، مع تشوف واضح ومتفائل الى المستقبل. وتندرج قصيدة (اعترافات من عام 1962) )لبلند الحيدري تحت هذا الباب فهي قصة الشاعر من خلال عمله الوظيفي اليومي، تسحقه دوامة الروتين. في البداية نلتقي بمشهد تمهيدي يحدد ملامح هذه الحياة من جهة ويشير الى التفريعات الصورية الأخرى من جهة أخرى:

ما اتعس ان اقضي كل حياتي في عتمة مكتب

نفس الوجه المرمي على الطاولة السوداء

نفس الزمن المترهل في الظل

ونفس الأوراق الملساء

لنلاحظ اللون الأسود الطاغي على اللوحة:

عتمة مكتب/ الطاولة السوداء، الزمن المترهل

في الظل.

في المقطع الثاني يصف الشاعر لوحة

حملت لفظ الجلالة زينت الجدار بحروف

كتبت بالخط الكوفي وقد خيل للشاعر ان اللامين علامتان تنبئان بالصلب:

من المصلوب بلاميه: من المصلوب؟ وهذا الهاجس صدى لتمرد الشاعر وانسياقه في تيار التجديف: ثم يدخل الشاعر في صلب حياته الوظيفية برؤيا متوجسة قلقه:

وكأمس

ذهبت

يفتح فراشي باب الغرفة، يحني قامته العطشى

وبلهفة من عوده الجوع على ان يحني

قامته

ويذل تحيته حد الهمس

سيقول:

صباح الخير

هذه (الصباح الخير) تستهلك نفسها على وفق تصور الشاعر، وتصبح لغزا: اهي: اسم مغنية: ام اسم قصيدة ام اسم جريدة؟.

ان سأم الشاعر، وضيقه بالحياة الهمه كل تلك التوصيفات، ولان هذا السأم تلبسه فهو لا يرى في لوحة الحياة/ الوظيفية غير اللون الأسود الذي يعود في الجزء الآتي من القصيدة لونا أساسيا يغطي كامل الصورة:

اغلق باب الغرفة

القهوة.. لا تنس.. مرة

وانا اكرهها مرة

اكره هذا القار الأسود

اكره هذا الدرب الأسود في قعر الفنجان

واكره حتى الحبر الأسود… حتى اللا..

لا تكفر.. لن يغفر ربك هذه الفكرة

– مرة

– اجل.. مرة

فمصاب بالسكري لا يأخذ قهوته الا مرة

– كيف اصبت به ومتى

– لا تسأل

هذه الحوارية (السوداء) بين الشاعر وبين الفراش، او بين الشاعر وبين نفسه، قصة او مقطع قصصي استقى من بحر الخبب ايقاعه الذي استوعب غربة الشاعر، ثم جاء اللون الأسود ليزيد من قتامة الصورة، وليعبر عن ضجر الشاعر: فالقهوة المرة، رمز للحياة المرة، وهي أيضا رديف الدرب الأسود وهو درب الذل، والاضطهاد، وذدالانسحاق، وهذا القار الأسود رمز الاستخذاء والانصياع وربما كان الحبر الأسود عند الشاعر إشارة الى التقارير (السود) التي ترفع عنه، اما السكري فهو داء العصر، ولكنه عند الشاعر داء السياسة، لانه ارتبط عنده بالقهوة المرة السوداء. ان اللون الأسود احد ثلاثة الوان عند بلند، فهو رمز لقتامة الحياة، الى جانب الأحمر الذي اقترن بمرحلته المجونية، فهو رمز الطيش والشهوة، واللون الأصفر هو ثالث هذه الألوان وهو رمز الغروب والتلاشي.