تطاوين تونس تقيم مهرجاناً دولياً لقصور الصحراء

نشاطات تستعيد تراثاً من الفنون والآداب

تطاوين تونس تقيم مهرجاناً دولياً لقصور الصحراء

لزهر الحشاني

عاشت محافظة تطاوين بالجنوب التونسي الواقعة على تخوم الحدود الليبية وغير بعيد عن مدينة بنقردان التي سطرت مؤخرا ملحمة في التصدي للمد الارهابي الداعشي ، على وقع فعاليات الدورة 37 للمهرجان الدولي للقصور الصحراوية الذي نظمته هيئة المهرجان بدعم من وزارتي الثقافة والسياحة من 17 الى 20 آذار 2016..يعتبر المهرجان من اعرق التظاهرات في تونس ويحتفي بنمط معماري متميزقديم سُمّي بـ “القصر” الذي مثل احد معالم الثراء الثقافي والحضاري لجهة الجنوب التونسي..كما لعبت القصور عبر التاريخ دورا مركزيا في حياة سكان المنطقة كمظهر من مظاهرالإستقرار مثلما مثلت الخيمة مظهرا من مظاهر الترحال والإنتجاع ، فالقصر قام وكما اكده العديد من الباحثين والمؤرخين بوظيفة تخزين المنتوجات الفلاحية المحلية و ليس السكنى ، أما الغرفة فتملكها العائلات والأفراد بينما يتم السكن زمن الإستقرار حول القصر الذي له وظائف أخرى ثانوية تقوى وتضعف بحسب المواسم والظروف الأمنية مثل تأمين النشاطات التربوية والدينية والتجارية.. .الإقامة حول القصر والتواجد به مؤقتا يبرزان وقت التهديدات الأمنية وأثناء الجفاف ،أما في فترات الرخاء فتتميز حياة المجتمعات بالتنقل والإنتشار في الأراضي السهلة ، هذا ويتألف القصر من أجزاء : السقيفة وهي عبارة عن مدخل القصر،تُخصص للمجلس القبلي اما الصحن فهو الساحة الداخلية للقصر ويستخدم لحماية الحيوانات في بعض حالات الإغارة في حين تمثل الغرف الوحدة الأساسية للقصر ، تستعمل للخزن ولها هندسة خاصة تراعي شروط حفظ المحاصيل الزراعية والحيوانية لمدة طويلة…..تفضي الغرف الى بعضها بواسطة مدارج، أو بواسطة سلسلة من الأعمدة الخشبية المغروسة في الحائط الذي يمثل الجبس المحلي أحد أهم مواردها ..

قصور شامخة في عمق الصحراء رغم الاهمال..

عرفت هذه المعالم تطورات عديدة منذ العصر القديم الى الآن، لكن هذه المعالم ليست معزولة عن تقاليد معمارية انتشرت في منطقة المغرب العربي من الأراضي الليبية المتاخمة عبر مسالك جبال نفوسة وصولا الى المنطقة الجنوبية من سلسلة الأطلس المغربية مرورا بجبال مطماطة التونسية ومنطقة المراب الجزائرية, وترتكز القصور في الشرق التونسي بمحافظتي مدنين وتطاوين اذ تجاوز عددها150 قصرا، ويحتوي الواحد منها أكثر من 300 غرفة وتشتمل على عدة طوابق تصل الى الخمسة.. من بين هذه القصور ما اندثر جزئيا او كلياً رغم صيانة وترميم لامس نصف هذه القصور من قبل المعهد الوطني للتراث.

أبرز القصور الصحراوية بمحافظة تظاوين نذكر قصر العواديد ويحتل القصر شكل مستطيل غير منتظم الاضلع، وتبلغ مساحته الجملية 2000م2 ويتكون من سقيفة تفتح على غرف القصر التي يبلغ عددها 120 غرفة موزعة على 3 طوابق اما قصر أولاد عون فيحتل شكل مربع غير منتظم الاضلع، وتبلغ مساحته الجملية ألفي متر مربع، ويتكون من صحن مكشوف تفتح عليه غرف القصر التي تتكون من ثلاثة طوابق ويبلغ مجموع غرفه 180 غرفة… أسس قصر أولاد سلطان عام 1066هـ، وهو يحتل شكل مستطيل طوله من الشمال الى الجنوب 107امتار  وعرضه من الشرق الى الغرب 59 مترا  ويبلغ ارتفاع سوره 7 أمتار والقصر يتكون من جزء قديم وجزء مضاف كما يحتوي على 272  غرفة، هذا و يعد قصر كرشاوي من القصور السهلية الحديثة التأسيس كذلك قصر اولاد بوبكر حديث التأسيس و من ضمن القصور السهلية ويحتل شكل مستطيل تبلغ مساحته الجملية حوالي 2940مترا مربعاً  وأسس به حوالي 290  غرفة.. .من المرجح ان قصر الحدادة أسس في مطلع القرن العشرين . ويحتل القصر شكل مستطيل مساحته الجملية 9000 متر مربع وشيدت به 300 غرفة، هذا ويقع القصر القديم او قصر زناتة ببلدة المزطورية وأسس فوق ربوة وأهمية الموقع دفع السكان في فترات زمنية مختلفة الى تأسيس عدة قصور بالقرب منه ويظهر من تسمية زنانة انه كان مستغلا من قبل قبيلة زناتة البربرية ويحتل القصر شكل مستطيل غير منتظم الاضلاع تبلغ مساحته الجملية 2560مترا مربعا.

بالامكان خلق ثقافة مقاومة الارهاب بعد.. الاهتمام بمسألة الثقافة.

المهرجان الدولى للقصور الصحراوية محطة سنوية كبرى ثقافية وسياحية حيث تقام الرحلات السياحية والدراسية لعدد من القصور كما تحتضن قصور اخرى سهرات الشعر الشعبي هذا بالاضافة للعروض الفرجوية و التنشيطية والسهرات الفنية و المعارض والعكاظية الشعرية ..الدورة الجديدة تضمن فعاليات متنوعة راوحت بين الندوات والمسابقات والورشات والفنون التشكيلية والادب بمختلف مدن المحافظة سبقت الافتتاح الرسمي للمهرجان ،من بينها ندوة «ما قبل التاريخ» بمدينة غمراسن وندوة «التنمية الجهوية بالمناطق الداخلية – تطاوين نموذجا» و الملتقى المغاربي للاعلام السياحي و المهرجان في عيون طلبة المعهد العالي للفنون والحرف بتطاوين ، مسابقات في البرمجية والفنون التشكيلية، حفل تكريم الاستاذ الكاتب علي دب وحفل توقيع مجموعة من المؤلفات الجديدة على غرار «الاسلام قيمة وقيم» لأبي لبابة العيدودي و«مختارات من ديوان بورخيص الدغاري» للضاوي موسى و«مذكرات حمدان” لمحمد الفلاح و«عناية الاسلام بالاسرة» للحبيب شريح… انطلقت في اليوم الافتتاحي اشغال ندوة التراث الشفوي بالمركب الثقافي الذي ازدادت اهميته في الفترة الاخيرة باعتباره مصدرا تاريخيا ويلقى اهمية في الاوساط العلمية والاكاديمية ..ندوة امتدت لثلاثة ايام وتضمنت ثلاث جلسات علمية أثث مداخلاتها اساتذة وباحثون في التراث من تونس وليبيا والبحرين والجزائر نذكر من بينها “الرزنامة الفلاحية من خلال الأقوال و الأمثال الشعبيّة ” لمحمد الجزيراوي ،”ثنائية الشفوي و المكتوب ” لعماد صولة ،”الأفاقيون في الحضارة العربية الإسلامية : ثقافة أهل الشر ” لمنصور بوليفة و “دور المرأة البطولي في الحكاية الشعبية ” ليوسف النشابة من البحرين ، كما تم افتتاح جملة من المعارض الفلاحية والصناعات التقليدية والكتاب والألعاب التراثية والشعبية ،هذا بالاضافة لتنشيط عام للمدينة امنتها الفرق الفولكلورية هذا وحظيت فعاليات العكاظية الشعرية التي انتظمت بسوق الصناعات التقليدية بمتابعة كبيرة لعشق اهالي الجهة للشعر كذلك سباق الخيول العربية والبربرية ومسابقة الرماية بساحة المهرجان .. الافتتاح الرسمي كان مساء من خلال كرنفال استعراضي تابعه الالاف وامنته عديد الفرق الوطنية واخرى دولية من مصر والجزائر وبوركينا فاسو وليبيا ..وعن السهرات الفنية فقد انتظمت سهرة اثثها الفنان الشاب عماد واغانيه التراثية والشعبية بوسط المدينة وسهرة «الصوت» بقصر اولاد سلطان الذي غص بمحبي الشعر والكلمة وراوحت بين الشعر الشعبي مع اصوات مميزة على غرار امحمد بوشيبة وخلبفة اللطيفي كذلك الفكاهة مع علي بن زغدان والعزف على آلة القصبة مع الفنان علي المرزوقي و العازف على آلة “الزكرة “المبدع لسعد العرف الذي تم تكريمه من قبل هيئة المهرجان هذا وحضر الصوت النسائي في السهرة صحبة الفنانتين فاطمة وحياة بلباسهن التقليدي التطاويني واديتا وصلة من الاغاني التراثية المحلية الرائعة التي لقيت تجاوبا كبيرا من قبل الجمهور المتابع..

تواصلت طيلة ايام المهرجان التظاهرات الضخمة التي ادخلت حركية ثقافية وسياحية في آن واحد ولامست مختلف مجالات الابداع من تنشيط متواصل امنته مختلف الفرق الشعبية والفولكورية وملتقيات سياحية وندوات ومسابقات في الشعر والفروسية ، اما السهرات الفنية فجلها شبابية وتراثية أمنها خاصة الشاب عماد والفنان محمد النصري المجدد في الاغاني التراثية و الفنان الليبي أحمد السوكني.. لكن السهرات الشعرية كانت جاذبة اكثر للجمهور خاصة سهرة الف ليلة وليلة التي احتضنها قصر الزهرة وغص بجمهور اكبر من محبي الشعر والكلمة وجمعت فطاحلة الشعر الشعبي وطنيا على غرار البشير عبد العظيم و عزال الكثيري و بلقاسم عبد اللطيف وغيرهم,,اصوات تغنت بالوطن والمحن وبالصحراء وبملحمة بنقردان.. وسط تنظيم رائع وحضور اروع اخرج القصر من صمته ليسجل في ذاكرته اصواتا استثنائية اختتام فعاليات الدورة 37 للمهرجان الدولي للقصور الصحراوية بتطاوين تميز باقامة كرنفال تابعته جماهير غفيرة و تضمن العديد من العروض الفرجوية نهلت جلّها من مظاهر التراث والحياة ورصدت في جانب التاريخ والموروث الثقافي بالجهة ،كذلك عروض فرق للفنون الشعبية المحلية والمصرية والجزائرية تخللتها سباقات الخيل والعاب الفروسية مع القاء لقصائد شعرية تغنت جلها بالقصور والصحراء والوطن خاصة مع تزامن الاختتام باحتفالات الذكرى الستين لعيد الاستقلال التي تقام سنويا في العشرين من شهر آذار .. دورة أكدت انه بمثل هذه التظاهرات التي تستهدف جمهورا اكبر وبعيدا عن الشعارات الجوفاء وثقافة “النخبة” ،بالامكان خلق ثقافة مقاومة الارهاب وماسستها بعد الاهتمام بمسألة الثقافة وجعلها في مقدمة الأدوات التي تساهم في وقف المد الإرهابي والفكر المتطرف وذلك بعيدا عن الانفعال الذي نراه في المشهد الثقافي عموما اليوم..