قراءة في المنجز الشعري لجعفر علي جاسم
تطابق المظهر مع المخبر – نصوص – شكيب كاظم
مما لاريب فيه أن الشعر طويل وصعب سلمه، فكيف سيكون الحال اذا كان الشعر موجهاً للأطفال؟ اذن ستكون المهمة أصعب واكدى، واذ توارى وأنسحب من الرهان مطففو الموهبة، قليلوها. ظل الشاعرالمبدع جعفر علي جاسم، يواصل رهانه على الفوز بثقة الطفل ومحبته وشغفه، فكان جعفر فارسه المجلي، الذي قرر مواصلة الشوط حتى نهايته الظافرة، بوصفه أحد المع شعراء الطفل في العراق والوطن العربي.
في كل أمور الحياة، يأتي الأخلاص، والشغف به، تردفه الموهبة سبباً في التألق والذيوع، فلا تكفي الموهبة وحدها، أو الاخلاص فقط، بل لابد من تضافر، كي تؤتي اكلها، من هنا جاء، تألق جعفر علي جاسم وشعره وذيوعه، فهو قد أخلص للأمر، وجعله هدفه الأسمى، وأذا كان شعر الطفل لدى بعضهم ترفاً، أو ثانوياً، كان شعر الطفل لدى شاعره جعفر علي جاسم، أس حياته الثقافية.
وفضلاً عن موهبة في نظم الشعر وقرضه، وتمكن من عروض الشعر. لذا أنتج هذا الكم الجميل من مجاميع الشعر، التي وان كانت قليلة قياساً الى عمره الأبداعي، الذي بدأ في ثمانينات القرن العشرين، فان هذا الكم القليل نسبياً، إمتاز بالجودة والفن، فجعفر علي جاسم يشبه شعراءنا الحوليين، الذين كانوا لا يطلقون شعرهم الا بعد أن يخضعوه لمختبرهم الأبداعي القاسي في تطلبه الفني، لذا أنتج ثلاث مجاميع شعرية هي علي التوالي (صور) عام 2009 والثانية (سلمت يا أمي) عام 2012 وصدرت الثالثة عام 2013 وحملت عنوان (السعي والنجاح) وهو بصدد أصدار مجموعة الشعرية الرابعة.
لقد استأثر شعره بأهتمام النقاد والدارسين، فكتبت عنه اكثر من ثلاثين دراسة، كتبها أعلام البحث والنقد في العراق منهم الدكاترة: أحمد مطلوب، وعلي جواد الطاهر وعبد الأمير الورد وعلي حداد ونعمة رحيم العزاوي ومحمود عبدالله الجادر وعبد الرحمن مطلك الجبوري وداود سلوم ونجاح هادي كبة ، فضلاً عن دراسات بأقلام نقاد وباحثين لامعين مثل: ياسين طه حافظ وباسم عبد الحميد حمودي وعبد المجيد الشاوي، ويوسف نمر ذياب، وزهير أحمد القيسي وعبد الجبار داود البصري، وشكيب كاظم وغيرهم، كما إزدانت كتب القراءة العربية في مدارس العراق بثلاث قصائد، من شعره فضلاً عن قصيدة في كتاب التربية الأسلامية، شدت بها حناجر طلبة العراق سنوات عديدة.
لقد بقي هذا اللون من الوان الكتابة الشعرية يقدم نفسه على استحياء، وذلك ناتج مما رسخ في ذهن الناس، من أن الكتابة للطفل سهلة ميسورة، تأتي منقادة لكل من يطلبها، وهي لدى التدقيق ليست كذلك، لأن الكتابة للطفل تتطلب أول ما تتطلب- الى جانب مسائل أخرى مثل حذق اللغة والنحو، ومعرفة بعروض الشعر العربي- أن يغادر الكتاب أو الشاعر، وضعه الذي هو عليه أو فيه، وان يتقمص شخصية الطفل، ويحاول أن ينزل لابل يجب أن ينزل الى مستواه الذهني والعقلي، ويخاطبه باللغة التي يفهمها او القريبة من فهمه وذائقته وذوقه، وتلك- ولاريب- مهمة عسيرة وبالغة الصعوبة، ولم ينجح الكثير ممن كتب للأطفال من الوصول الى هاته الحالة، حالة تقمص شخصية الطفل ومعرفة نوازعه واهوائة.
لقد أشرت في بداية حديثي هذا الى العدد الوافر من الدارسين، الذين درسوا شعر جعفر، وتحدثوا عنه، حتى أن الاستاذ الدكتور أحمد مطلوب، يشارك بدراسته لشعر جعفر، في مؤتمر مجمع اللغة العربية السادس الذي عقد في دمشق بشهر تشرين الثاني/ 2007 المؤتمر الذي كان محوره (لغة الطفل والواقع المعاصر) وانتظمته أربعة محاور، فأنجز لنا استاذنا أحمد مطلوب دراسة عنوانها (شعر الطفل)، أذاعها في المؤتمر المذكور، ثم نشرها لاحقاً بأحد أعداد مجلة (المجمع العلمي العراقي)، وليعيد نشرها في كتابه الموسوم (بحوث شعرية) الصادرة طبعته الاولى عام 1434 هـ – 2013م، فضلاً عن اشادة استاذي الدكتور علي جواد الطاهر- رحمه الله- بشعره، واصفاً جعفر كأنه مُعَّدٌ لهذه المهمة، مهمة الكتابة للأطفال شعرياً، لتوفره على شروطها، أو اكثر شروطها، فدل مما نجح فيه- وهو كثير- على موهبة خاصة يستطيع معها أن يبدو طفلاً مع الأطفال، وإن له مع هذه الموهبة، شعوراً اكيداً يبلغ حد الأيمان بخطورة هذا الشعر.
ان هذا الاهتمام بأدب صاحبنا، ليؤكد أهمــــــية شعره وجدارته بالعرض والمدارسة، ولو أحسن شاعرنا تقديم نفسه لحظي باهتمام اكبر واجدر، لكنها سنة الله في خلقه، فقد آثر جعفر العـــــزلة او ما تشبه العزلة عن غشيان المؤتمرات والمنتديات، كما انه كان صادقاً، صدقاً لا يبارى ولا يجارى مع نفـــــــسه، فلم يضع شعره في خدمة التعسف والظلم، في حـــــين استمرأ أخرون ذلك، فحصلوا على ما تعفف عنه جعفر الذي تماهى عنده اَلمْظهَرْ مع اَلمْخَبرْ، وتطابق اللسان مع الجنان، فما قال قولة لا يؤمن بها أو يحترمها، ولا ريب أن لهذا الصـــدق مع النفس، ومع الذات ضريبته الباهظة في بلدان ومجتمعات تكره الصدق والصادقين، وتعــــــلي شأن المداحين الكاذبين، واذا كان بعضهم او الكــــيرون ينهلون من مقولة: اعذب الشــــعر اكذبه، ويطبقونها، فان أعذب الشعر لدى جعفر، أصدقه وارصنه واشرقه واشرفه، هو ماعرف براكماتية ذرائعية، توجد الاسباب والمسوغات والذرائع، ولاعرف المنزلة بين المنزلتين التي قال بها المعــــتزلة، بل كان تواقاً الى الحق والحقيــــقة التي لاتعــــــرف مداجاة ولا تدليساً، وكــــــــأنه أحد الشراة الذين اشترى اللهُ منهم أنفسهم.

















