فاتح عبدالسلام
العلاقة بين الهندسة المعمارية للمدن وثورات أو انقلابات أو مؤامرات أو حروب الربيع العربي قل ما شئت، باتت علاقة وجود ومصير. حيث أصبحت ساحات وميادين محددة تحمل اسم التحرير أو ما شابه مثابات الانقضاض على حكومات فاسدة أو سيئة. أليس هو احتمالاً راجحاً أن يفكر بألم وربّما ندم، زعيم عربي هنا وأمير هناك في إن من الأخطاء الفادحة.. أو الثغرات غير القابلة للستر، أن تقوم وسط المدن الكبيرة أو العواصم عند تصميمها ساحات التحرير التي ستكون يوماً منطلق الانتفاضة ضد الحكاّم العرب. إنّها قنبلة الجغرافيا في تخطيط المدن وتستحق وقفتين سياسية ومعمارية.
في البحرين تفادوا سريعاً أن تتحول ساحة اللؤلؤة إلى ميدان تحرير فقلعوا الساحة من أساسها وحوّلوها إلى شارع، لكن في مصر لا أحد يستطيع أن يلعب بهذه الساحة المزيجة ما بين الخيال المفرط والواقع الأكثر إفراطاً.
كل حاكم سيأتي إلى مصر، سيترصده ميدان التحرير. وفي سوريا كانت هناك ساحات شبيهة بميدان التحرير في مصر لكنّها أصغر حجماً حاول النظام أن يملأها مبكراً بجماهيره الموالية له ومعظمهم موظفون وتلاميذ مدارس أجبروا على التظاهر، خشية أنْ يصل إليها المحتجون الساخطون على حكم الفرد والسلطة الأمنية والتمييز الطائفي. ثم فشلت المحاولة سريعاً وتحولت الشوارع وليس الساحات فحسب إلى جبهات قتال.
طالما وصلتني رسائل توغل في تطرف أوصافها، فتذهب إلى إنَّ ساحة التحرير الشهيرة بنصب الحرية لجواد سليم وسط بغداد تحتاج إلى تغيير اسمها لأنَّه لا يدل عليها، فهي لم تفد من تحويل اسمها إلى عنوان تحرير للبلاد في أيام الاحتلال الأمريكي، كما لم تستطع التحول إلى منطلق الربيع العراقي الذي كاد يخرج منها قبل سنتين قبل أن يمزق بالسكاكين والتدليس البرلماني والتجاهل.
في العراق لا أحد يستطيع أنْ يربط حركة المجتمع وسخطه وغضبه بساحة أو قاعة أو شارع. ربّما الحالة العراقية أكبر من سواها لأنها مغمسة بقهر أكبر ودماء أكثر، لكن كاميرات التلفزيون العالمية غير مسلطة على ذلك المشهد.. المنسي.
AZP20