تزاوج بين أشكال التعبير والوسائط التقنية الحديثة
الأدب المرئي في عصر ثقافة الصورة
فوزي هادي الهنداوي
أفضت ثورة تقنيات الاتصال والمعلوماتية التي يشهدها العالم المعاصر الى تغييرات هائلة في ميادين العلوم والثقافات والمعرفة الإنسانية ، وتمت إعادة تشكيل المشهد الاتصالي من جديد على وفق أنماط وأشكال وصور جديدة غير تلك التي كانت سائدة خلال عصر الاتصال التقليدي في القرن العشرين وما سبقه.
ولعبت الصورة دوراً محورياً في التغييرات الثقافية والأدبية والفنية والإعلامية حيث بات يطلق على هذا العصر بعصر ثقافة الصورة لما لها من أهمية في تشكيل الوعي الجمعي والذائقة الثقافية.
وفي ضوء ذلك ظهرت أنماط جديدة من التعبير الأدبي بفعل (الوسائط المتعددة) التي اضطلعت بدور حيوي في التواصل مع المتلقين حاملاً الخطاب السمعي – البصري وصاحب التطور التقني الاتصالي تطوراً آخر على صعيد الأشكال الأدبية والصيغ التعبيرية والجماليات والدلالات في العديد من الفنون الأدبية. ومن بين الأنماط الأدبية الجديدة هذه ظهر ما يسمى بالأدب التفاعلي أو الرقمي والأدب المرئي أو الوسائطي.
مفهوم الأدب المرئي
يعد الأدب المرئي مزيجاً من تزاوج الأدب والوسائط التقنية حيث يجمع بين علم الصورة الفيلمية وعلم اللغة المنطوقة. ويرى خبراء الاتصال أن العالم يقف على أعتاب مرحلة مفصلية من التحول في تلقي المادة الأدبية ، حيث تتغير خواص النصوص من نصوص مقروءة إلى نصوص مرئية يستقبلها المتلقي من خلال الصورة والكلمة المسموعة ، أي أننا أزاء تأسيس أدبي لنمط جديد من الخطابات النوعية التي أفرزتها تكنولوجيا الاتصال الحديثة.
وهناك العديد من الدراسات العلمية الرصينة التي تبشر بميلاد أنواع أدبية جديدة فرضتها الحياة التقنية الحديثة ستمثل مرحلة من مراحل الأدب ، فكذلك هو الحال لهذا النوع من الأدب المرئي الذي يمثل مرحلة الصورة البصرية المتحركة والكلمة المسموعة.وتحدد الأدبيات مفهوم الأدب المرئي بأنه : «عمل أو نص قولي مرئي له قوانين مخصوصة ومعترف بفنيته بحيث لا تحدد فنيته فقط بواسطة الخصائص البنيوية أو اللفظية الملازمة له كما في الأدب المكتوب شعراً كان أم نثراً ، وإنما يتحدد بصياغة فنية شكلية مخصوصة معترف بأدبيتها إعلامياً واجتماعياً ، ويكون الهدف من صياغته أداء وظيفة في الحياة الاجتماعية ، وقوام هذا الابداع التفاعل أي قيامه على مبدأ التفاعل الاجتماعي والثقافي ، وقدرته على جعل نفسه جزءاً من ثقافة الأمة وأدبها..».(1) وتتفق معظم الآراء على أن مصطلح الأدب من شأنه أن يثير اللذة أو الاهتمام عند المتلقي ، وهو كلام يراد له أن يستمر ومن ثم فهو أكثر فنية من الكلام اليومي.(2)
وظل الأدب عبر الأزمنة المختلفة شيئاً قابلاً للتغيير والتجديد والانقراض ، وكل مدة يعاد النظر في مفهومه وأشكاله وإشكالاته ، كما أنه يخضع غالباً للحياة الحضارية التي تعكس شكله ورسائله وأنواعه.
كما يكشف مفهوم الأدب عبر العصور عن الاسهامات والمبتكرات والعوامل التي شكلت الأنواع الأدبية ، فوفقاً لتعدد الأنواع الأدبية تشكل المفهوم العام للأدب.
أخذ الأدب في اتجاهه الجديد يستمد سماته وحدوده وأنواعه من الوسائل التقنية الحديثة وفي مقدمتها : ظهور المطابع وإنشاء الصحف والمجلات والإذاعة والسينما والقنوات الفضائية وشبكة الأنترنيت والهواتف النقالة وشبكات التواصل الاجتماعي.وهكذا لا يمكن صياغة مفهوم محدد للأدب بعيداً عن واقع الحياة التقنية المعاصرة حيث لم يعد الأدب في الدراسات الثقافية الحديثة يستوعب المفهوم الجديد للأدب الذي لم يعد فقط قصيدة تنشد أو قصة تقرأ أو رواية تطبع ، بعد أن أصبحت الأجناس الأدبية بجميع أشكالها تعرض بشكل مرئي بصور وألوان تبهر أو تعرض أمام المشاهد من خلال صورة حية متحركة تجسد هذا الأدب الذي أصبح صورة وكلمة وصوت.ويستوعب حقل الأدب المرئي الأفلام والصور لمجموعة من القصص الحقيقية والخيالية ، وقصص الأطفال المصورة والبرامج الدرامية ، ليحقق إشباعات لدى الجمهور مرتبطة بحاجات عاطفية أو معرفية ، ويؤدي مجموعة وظائف من أهمها الوظيفة الترفيهية.
عوامل ازدهار الأدب المرئي
هناك مجموعة من العوامل ساعدت على ظهور وازدهار الأدب المرئي وتوسيع دائرة انتشاره الجماهيري ، لعل أبرزها :
- انتشار القنوات التلفازية الفضائية كوسيلة إعلامية وتنافسها على التأثير الجماهيري.
- تطور الاتصالات عبر الهواتف النقالة ورسائل الفاكس والرسائل القصيرة الــ SMS والبريد الإلكتروني مما سهل المداخلات المباشرة للمتلقين.
- الاسهام الكبير لشبكة المعلومات العالمية (الأنترنيت) ومواقع التواصل الاجتماعي في ردود الأفعال السريعة ورجع الصدى واستطلاع الرأي العام بشأن مضامين الأدب المرئي.
- تحول النص المصور الى وسيلة أولى للترفيه والاشباع المعرفي والثقافي والاندماج الجماعي مع العالم بفعل جاذبية وسطوة وثقافة الصورة.
سمات الأدب المرئي :
- السمة الجماهيرية :
وهي سمة مستمدة من سمات الإعلام الجماهيريوهي سمة ميزت الأدب المرئي من خلال سعة الانتشار والمعرفة الجماهيرية الواسعة.(3)
- العلاقة الوثيقة مع علوم الإعلام :
يتميز الأدب المرئي بارتباطه مع علوم الاعلام بجسور تكشف الوعي بأهمية النص المرئي وقدرته على طرح معطيات جديدة من خلال الخطاب البصري.
- المشهد البصري مدخل للتحليل :
لم يعد التركيب النحوي والصرفي هو المدخل لتحليل النص الأدبي كما في الأدب المكتوب ، بل أضحت العلاقة بين الصوت والحركة والصورة في المشهد البصري المدخل لتحليل النص المرئي وتفكيك السياقات الجديدة له من صورة وحركة وزمـان ومكان ومشاهد خارجية وتعليقات ومشاهد درامية … الخ.
- سمات جديدة للمبدع :
سمات المبدع في الأدب المرئي هي : حسن المظهر ، إتقان مهارات الكلام والتحدث ، لغة الجسد.
- رؤية مؤسسة لا رؤية شخص :
لم تعد الرسالة الإبداعية في الأدب المرئي تمثل رؤية مبدع إنما هي رسالة تنتمي إلى مؤسسة إعلامية وتمثل رؤيتها ومواقفها.
- نسق إبداعي جديد :
لم تعد الأنواع الأدبية منظمة في شكل ثابت كما هو في الأدب المكتوب من قصيدة أو قصة أو رواية أو مقالة ، بل أصبحت كل قناة إعلامية تسهم في خلق نسق إبداعي جديد.
- الاختزال الزمني:
يتسم الأدب المرئي باختيارات قصدية من حيث الوقت والتوقيت والاختزال الزمني بما يجعل الرسالة الابداعية سمة تتميز بها عن الخطابات الإعلامية الأخرى مثل سهرات أيام الخميس ونهارات الجمعة وشهر رمضان والأعياد الدينية والإجازات الصيفية.
أشكال الأدب المرئي :
وفقاً للعلاقة بين الأدب والتقدم التقني فقد أسهم تطور وسائل الإعلام في ظهور أجناس أدبية مرئية حيث ظهر نتاج أدبي يشبه إلى حد كبير النتاج الأدبي المكتوب ، فالمادة الإعلامية مزيج من الأجناس الأدبية القديمة والحديثة مثل: المساجلات الشعرية والمسامرات الأدبية بين الشعراء وفن النقائض وفن المناظرات والخطب والمواعظ إلى جانب الدراما من مسرحية وقصة ورواية وفن شعبي قصصي وشعري وفن السيرة الذاتية والرحلات والأدب الاعترافي والمذكرات الوثائقية والوقائع اليومية الجديدة وشذرات من السيرة كالخطابات الدائرة حول نجوم الغناء والتمثيل والسياسة الذين تتحول أخبارهم إلى مادة للحديث في وسائل الإعلام.
وظهرت أيضاً برامج تشبه الأسواق الأدبية كسوق عكاظ والمربد مثل برنامج شاعر المليون وشاعر الشعراء إضافة إلى الأدب الساخر بمشاهد تمثيلية قصيرة.
اتجاهات النخب حيال الأدب المرئي :
تتوزع اتجاهات النخب الثقافية والفكرية حيال ثقافة الصورة بصورة عامة والأدب المرئي بصورة خاصة في ثلاثة اتجاهات رئيسة هي :
الاتجاه الأول :
يتوقع أصحاب هذا الاتجاه للإبداع في ظل ثقافة الصورة توقعات إيجابية ، حيث يرون أن الكلمة ليست وحدها سيدة الإبداع ، بل أنها جزء من كل ، فالإبداع الأدبي صار مزيجاً من الكلمة ، والصوت ، واللون ، والحركة.(4)
والكتابة الان – حسب آراء أصحاب فريق مناصرة ثقافة الصورة – هي مشروع ورشة إبداعية تتألف من كل ما يمكن أن تبدعه الفنون. ويذهب البعض أبعد من ذلك ليبشر بموت الأجناس الأدبية التقليدية لصالح الأدب الجديد.
الاتجاه الثاني :
يتعامل أصحاب هذا الاتجاه مع ثقافة الصورة على أنها ثقافة هشة ، تبشر بموت الأدب ، ويعدون ثقافة الصورة ثقافة مفروضة ، ويحذرون من تبعاتها دون أن يقدموا البدائل.
الاتجاه الثالث :
وهو يتوسط الاتجاهين السابقين حيث يستثمر هذا الأشكال القائم عن ثقافة الصورة لكي ينتج إبداعاً رقمياً نخبوياً وشعبياً في الوقت نفسه.
الخلاصة :
في كل الأحوال وبرغم تلك المواقف المناصرة والمعارضة والمتحفظة أو المنتظرة ، نحن أمام تحول فعلي ومفصلي في الأنماط الأدبية تفرضه معطيات الثورة الاتصالية الجديدة وهزاتها الارتدادية على صعد الثقافات والآداب والفنون والمعرفة الإنسانية بشكل عام.
وفي ضوء ينبغي التعامل الإيجابي والاستثمار الابداعي لمعطيات التطور التقني الهائل والمتلاحق لصالح الابداع بغض النظر عن التمظهرات والتجنيس الشكلي.
الهوامش:
(1)للمزيد ينظر: د. أمل التميمي ، السرد السير ذاتي في الأدب الوسائطي ، ط1 بيروت : الدار العربية للعلوم ناشرون ، 2012.
(2)تزفتان تودروف ، تطور النظرية الأدبية ، ترجمة : مها جلال أبو العلا ، مجلة البلاغة الأدبية ، ربيع 1981 ص8.
(3)د. أمل التميمي ، مصدر سابق.
(4)مفلح العدوان ، الكتابة الرقمية إبداع المستقبل ، اتحاد كتاب النت العرب .www.arab/ewriters


















