شاعرية سرديات حين يبتسم الضفدع
تزاوج النسق التراجيدي والخاتمة الساخرة – نصوص – عبد الله عبد الكريم
(تشرق شمس وجهها من ركن الشارع، يحفّ بها السواد.. إنك تتلألئين في الأسود؛ فهو سيد الألوان.. تغرقني أمواج صوتها.. أنا في حداد؛ لتختزل العتمة بقية الألوان) – أزيز السنين- ص85
يمزج مهدي علي اِزبيِّن في اشتغاله السردي؛ بين النصّ القصصي والنثرية الحديثة في الشعر؛ فهو يختزل العبارة اللغوية كميًّا إلى أبسط صورها، ويملؤها نوعيًا بحدث قد يطول تصوّره وإعادة ترتيبه في الذهن، مع انتقاء المفردة الشاعرية المؤثرة. إنه يعمل على طريقة حداثية في بناء نصّه السردي، مع توغّله بالتجريب ليصنع بصمة خاصة جدًّا.
في مجموعته “حين يبتسم الضفدع” نجد تنوّعًا واختلافًا في المرويات، وكأنه يحكي أحداثًا تتطلب في نقلها عددًا من الرواة، ومزيجًا من خبراتهم، مع حفاظه على بصمته الأساس؛ فالنصوص الأدبية تفصح عن كاتبها من خلال البصمة الخبراتية، أما نصوص مهدي علي اِزبيِّن، فتنضوي تحت بصمة أدبية خاصة، ولكن بخبرات حياتية مختلفة، كل واحدة تعيش عالمها الخبراتي الخاص.
(لم يقرأ في صفحة عينيها الصافيتين أي أثر لخطوط الدمع وهي تتلاوى مع أذرع أخطبوط الظروف المتغلغلة في تفاصيل حياتها) – تأبط ألما- ص91
يستعمل الكاتب مفردات غريبة عن معنى النص، ويمزجها بأسلوب فني رفيع، لتحتل مكانًا مهما لا غنى عنه، ومن ثم تتحول إلى صورة متكاملة.. (صفحات عينيها/ الخطوط/ أخطبوط الظروف/ تفاصيل الحياة).
هذه المفردات تختلف اختلافًا نوعيًا و جنسيًا في ما بينها؛ ولكن الكاتب استطاع بمقدرته الفنية أن يدمج هذه الاختلافات بروح واحدة، وباتت كل مفردة منها لاتعني شيئًا بغياب إحداهن عن الأخرى، ولا يعني النص شيئًا بغياب إحداهن ضمن بنائه.
تمتاز سرديات زبيِّن باحتوائها على حدث غزير، وعمق مكاني، وثيمة مفتوحة قابلة للتأويل لدى ذهن المتلقي. وهو يشغل خيال القارئ لأن يتابع مع ذاته الغائصة في الحدث، ومن ثم ينقله إلى غير المتوقع، وهذا الشيء ورد كثيرًا في نصوصه عن طريق صدمة تشتغل بصورة انسيابية مرنة، تجعل القارئ مبهوتًا أمامها. فالكاتب يمتلك مقدرة عالية في صنع الصدمة والتي هي شرط من شروط الارتقاء بالنص السردي، لكنه خلال بصمته الفردية صنع صدمات استطرادية بعيدة عن التوقع، تهدم كل ما يترتب في ذهن القارئ عند ابتدائه بقراءة النص، ومع استمراره في القراءة؛ يتوقع نتائج تلبي حاجته النفسية، وهي مهملة لدى الكاتب، إلى أن تأتي الصدمة غير المتوقعة لتؤجّج الذهول لدى القارئ. وأحيانا تكون الصدمة الساخرة أو المضحكة بعد ألم، كما في نص “لوحة” ص7 التي دون فيها حدثًا جادًّا لشخص يسرق كل صباح من خدود ملهمته قرصات، أو لمسات يمتشقها برغم إرادتها، وهما يلتقيان عند (القنطرة) والشخص راكبا دراجته التي في النهاية تسقط فوقه بعد أن انحرفت وسقط في الماء. فالثيمة هنا تدمج معها القارئ لمراقبة محاورها وتجعله جادًّا في المتابعة ولكنها جاءت أشبه بـ(النكتة). وهنا تبرز القدرة الفنية للكاتب في تسخير أدواته الأدبية لصناعة حدث يجمع بين الجد والهزل، السعادة والألم. وتتكرر هذه الصدمات في غالب نصوصه:
(يأتي صوت الممرضة، أنظر إليها، تعلو محيّاها ابتسامة الضفدع)- حين يبتسم الضفدع- ص34
إلى جانب الشاعرية المكتنزة في سرديات اِزبيِّن، نجد أفقًا واسعًا للمكان حتى في أقصر نصوصه. فهو يعمل على صنع الواقع الجديد من انطباعه الخاص، ويوضحه بأبعاد مكانية خالية من الغموض والضبابية. إذ إن نصوصه والتي غالبًا ماكان هو بطلها، لها القدرة على خلق الألوان، وتركيبها؛ ليختار القارئ ما شاء من هذا المزيج المركب، مع الحفاظ على النسق الأصلي للمكان.
(أهرب من جو الحافلة الكبيرة، أتابع المزارع والبيوت المتراكضة إلى الخلف، أخاتل الوقت وحرّ الصيف، منتظرًا نهاية الرحلة) -حادث افتراضي- ص37
يشتغل اِزبيِّن على الواقعية الخالصة مزاوجًا بين النسق التراجيدي والخاتمة الكوميدية، الساخرة أحيانًا، كما أنه ينقل مشاهداته وانطباعاته عن الواقع المراد نقله بأسلوب صافٍ جدًّا؛ فهو يعالج بطريقة أكثر وضوحًا مما هو عليه، مع اشتغاله على المفردة الشعرية، والعبارة المكتنزة المجردة من الحشو والإسراف، ليؤسس حدثًا ذا حبكة عالية، مكتمل المعنى ومستوفيًا لجميع محاوره.


















