تجار‭ ‬الجنائز-عدنان أبوزيد

‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يصرخ‭ ‬الفقير‭ ‬طلباً‭ ‬لكرامته‭ ‬وعيشه،‭ ‬لكن‭ ‬غير‭ ‬المنطقي‭ -‬بل‭ ‬والمستفز‭- ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬المتخمُ‭ ‬أو‭ ‬المستفيد‭ ‬أو‭ ‬الحاكم‭ ‬ليحاسب‭ ‬المواطن‭ ‬على‭ ‬يأسه،‭ ‬وكأنهم‭ ‬يمنعون‭ ‬عنه‭ ‬حتى‭ ‬حق‭ ‬الشعور‭ ‬بالوجيعة‭ ‬تجاه‭ ‬واقعٍ‭ ‬هم‭ ‬صنّاع‭ ‬خرابه‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬العراق‭ ‬اليوم‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الألم‭ ‬العابر،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬اليأس‭ ‬من‭ “‬وجع‭ ‬نبيل‭” ‬يسعى‭ ‬للتغيير‭ ‬إلى‭ “‬صناعة‭ ” ‬و‭”‬بيزنس‭” ‬سياسي‭ ‬وإعلامي‭ ‬محترف‭ ‬يقتات‭ ‬على‭ ‬جثث‭ ‬الأمل‭ ‬المتبقية‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الناس‭.‬

إننا‭ ‬نواجه‭ ‬اليوم‭ ‬جيلاً‭ ‬من‭ “‬عبدة‭ ‬الأزمات‭”‬،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬ينتعشون‭ ‬إلا‭ ‬برؤية‭ ‬الدخان،‭ ‬ولا‭ ‬يطربون‭ ‬إلا‭ ‬لعزف‭ ‬الجنائز‭ ‬واستحضار‭ ‬أساطير‭ ‬الهزيمة‭ ‬التاريخية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬حاول‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬يزهر‭.‬

لقد‭ ‬حذرنا‭ ‬لسنوات‭ ‬من‭ “‬صناعة‭ ‬التيئيس‭” ‬التي‭ ‬نُسجت‭ ‬خيوطها‭ ‬ببراعة‭ ‬لغرس‭ ‬أشواك‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬الروح‭ ‬العراقية،‭ ‬لكن‭ ‬التحذير‭ ‬اليوم‭ ‬بات‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ “‬أيدلوجيا‭ ‬سوداء‭” ‬ترفض‭ ‬الضوء‭ ‬كفعل‭ ‬إيماني،‭ ‬مستندةً‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬مخيف‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬المجالات،‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المترنح‭ ‬إلى‭ ‬الذائقة‭ ‬السمعية‭ ‬والبصرية‭ ‬التي‭ ‬ارتدت‭ ‬نحو‭ ‬القبح،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬اجتماعي‭ ‬بات‭ ‬يقدس‭ ‬الفوضى‭.‬

المقارنات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُعقد‭ ‬سابقاً‭ ‬بين‭ ‬خرابنا‭ ‬وعمران‭ ‬الآخرين‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬ترف‭ ‬فكري،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬سوطاً‭ ‬لجلد‭ ‬الذات‭. ‬فالعراق،‭ ‬بوضعه‭ ‬الراهن‭ ‬واضطراباته‭ ‬البنيوية،‭ ‬بات‭ ‬أسيراً‭ ‬لـ‭ “‬سيمفونية‭ ‬جنائزية‭” ‬تعزفها‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي

والاعلام،‭ ‬ولغة‭ ‬الفرد‭ ‬الشعبية‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬المواطن،‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بمرارة‭ ‬الخذلان،‭ ‬يمارس‭ “‬استلهام‭ ‬اليأس‭” ‬كآلية‭ ‬دفاعية،‭ ‬فيشكك‭ ‬في‭ ‬كل‭ “‬طابوقة‭” ‬تُوضع،‭ ‬ليس‭ ‬كفراً‭ ‬بالبناء،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يلمس‭ ‬ثماراً‭ ‬ولا‭ ‬يحصد‭ ‬استقراراً‭ ‬يحميه‭ ‬من‭ ‬غدر‭ ‬الأيام‭.‬

لقد‭ ‬تحول‭ “‬الوجوم‭” ‬إلى‭ ‬مهنة،‭ ‬وزراعة‭ ‬الشوك‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الزهور‭ ‬إلى‭ ‬تجارة‭ ‬رابحة؛‭ ‬والسبب‭ ‬ببساطة‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ “‬باعة‭ ‬الأمل‭” ‬الحقيقيين‭ ‬أو‭ ‬تزييفهم‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬الإحباط‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حالة‭ ‬عرضية‭ ‬تمر‭ ‬بنا،‭ ‬بل‭ ‬ظاهرة‭ ‬استوطنتنا،‭ ‬وإدمان‭ ‬النقمة‭ ‬بات‭ ‬النتيجة‭ ‬الطبيعية‭ ‬للفشل‭ ‬في‭ ‬التأسيس‭ ‬لحالة‭ ‬إيجابية‭ ‬تعيد‭ ‬للعراقي‭ ‬ثقته‭ ‬بذاته‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬العراقيين‭ ‬الذين‭ ‬يبكون‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬الأطلال‭ ‬لا‭ ‬يتباكون‭ ‬ترفاً،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يُدفعون‭ ‬نحوه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مزروعاً‭ ‬بأشواك‭ ‬اليأس‭.‬

إن‭ ‬يأس‭ ‬العراقي‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬استسلاماً‭ ‬قدرياً‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬احتجاج‭ ‬عقلاني‭ ‬ورد‭ ‬فعل‭ ‬طبيعي‭ ‬أمام‭ ‬تغول‭ ‬الفساد‭ ‬وفوضى‭ ‬المفاصل‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ “‬اليأس‭” ‬موقفاً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬تجاه‭ ‬واقع‭ ‬مرير،‭ ‬فكيف‭ ‬لا‭ ‬يستوطن‭ ‬الإحباط‭ ‬ونحن‭ ‬نشهد‭ ‬انهياراً‭ ‬مخيفاً‭ ‬في‭ ‬الذائقة‭ ‬العامة‭ ‬ورجعية‭ ‬ثقافية‭ ‬وسلوكية‭ ‬غيبت‭ ‬ملامح‭ ‬التمدن‭ ‬ليصبح‭ ‬هذا‭ ‬الوجوم‭ ‬صرخة‭ ‬مكتومة‭ ‬ضد‭ ‬استبدال‭ ‬الإبداع‭ ‬بالرداءة‭ ‬والاستقرار‭ ‬بالاضطراب‭ ‬الدائم‭.‬

لقد‭ ‬بات‭ ‬اليأس‭ ‬حالة‭ ‬مشروعة‭ ‬وقراءة‭ ‬موضوعية‭ ‬لمشهد‭ ‬يغيب‭ ‬فيه‭ ‬الأمان‭ ‬وتحضر‭ ‬فيه‭ ‬الخيبات‭ ‬المتتالية‭ ‬التي‭ ‬تقتل‭ ‬كل‭ ‬بذرة‭ ‬للتفاؤل،‭ ‬فالمواطن‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬مستقبله‭ ‬يبدد‭ ‬خلف‭ ‬سحب‭ ‬الأزمات‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يتلحف‭ ‬بالتشاؤم‭ ‬كدرع‭ ‬أخيرة‭ ‬تحميه‭ ‬من‭ ‬صدمات‭ ‬الوعود‭ ‬الزائفة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تطعم‭ ‬جائعاً‭ ‬ولم‭ ‬تؤمن‭ ‬خائفاً‭. ‬