
من الطبيعي أن يصرخ الفقير طلباً لكرامته وعيشه، لكن غير المنطقي -بل والمستفز- هو أن يأتي المتخمُ أو المستفيد أو الحاكم ليحاسب المواطن على يأسه، وكأنهم يمنعون عنه حتى حق الشعور بالوجيعة تجاه واقعٍ هم صنّاع خرابه.
إن ما يشهده العراق اليوم يتجاوز حدود الألم العابر، بعد أن تحول اليأس من “وجع نبيل” يسعى للتغيير إلى “صناعة ” و”بيزنس” سياسي وإعلامي محترف يقتات على جثث الأمل المتبقية في وجدان الناس.
إننا نواجه اليوم جيلاً من “عبدة الأزمات”، أولئك الذين لا ينتعشون إلا برؤية الدخان، ولا يطربون إلا لعزف الجنائز واستحضار أساطير الهزيمة التاريخية، حتى وإن حاول الواقع أن يزهر.
لقد حذرنا لسنوات من “صناعة التيئيس” التي نُسجت خيوطها ببراعة لغرس أشواك العجز في الروح العراقية، لكن التحذير اليوم بات مواجهة مع “أيدلوجيا سوداء” ترفض الضوء كفعل إيماني، مستندةً إلى تراجع مخيف في كافة المجالات، من الاقتصاد المترنح إلى الذائقة السمعية والبصرية التي ارتدت نحو القبح، وصولاً إلى سلوك اجتماعي بات يقدس الفوضى.
المقارنات التي كانت تُعقد سابقاً بين خرابنا وعمران الآخرين لم تعد مجرد ترف فكري، بل أصبحت سوطاً لجلد الذات. فالعراق، بوضعه الراهن واضطراباته البنيوية، بات أسيراً لـ “سيمفونية جنائزية” تعزفها منصات التواصل الاجتماعي
والاعلام، ولغة الفرد الشعبية ليل نهار.
لقد أصبح المواطن، مدفوعاً بمرارة الخذلان، يمارس “استلهام اليأس” كآلية دفاعية، فيشكك في كل “طابوقة” تُوضع، ليس كفراً بالبناء، بل لأنه لم يعد يلمس ثماراً ولا يحصد استقراراً يحميه من غدر الأيام.
لقد تحول “الوجوم” إلى مهنة، وزراعة الشوك بدلاً من الزهور إلى تجارة رابحة؛ والسبب ببساطة هو غياب “باعة الأمل” الحقيقيين أو تزييفهم.
إن الإحباط لم يعد حالة عرضية تمر بنا، بل ظاهرة استوطنتنا، وإدمان النقمة بات النتيجة الطبيعية للفشل في التأسيس لحالة إيجابية تعيد للعراقي ثقته بذاته.
إن العراقيين الذين يبكون اليوم على الأطلال لا يتباكون ترفاً، بل لأن الطريق الذي يُدفعون نحوه لا يزال مزروعاً بأشواك اليأس.
إن يأس العراقي اليوم ليس استسلاماً قدرياً بل هو احتجاج عقلاني ورد فعل طبيعي أمام تغول الفساد وفوضى المفاصل التي جعلت من “اليأس” موقفاً أخلاقياً تجاه واقع مرير، فكيف لا يستوطن الإحباط ونحن نشهد انهياراً مخيفاً في الذائقة العامة ورجعية ثقافية وسلوكية غيبت ملامح التمدن ليصبح هذا الوجوم صرخة مكتومة ضد استبدال الإبداع بالرداءة والاستقرار بالاضطراب الدائم.
لقد بات اليأس حالة مشروعة وقراءة موضوعية لمشهد يغيب فيه الأمان وتحضر فيه الخيبات المتتالية التي تقتل كل بذرة للتفاؤل، فالمواطن الذي يرى مستقبله يبدد خلف سحب الأزمات لا يملك إلا أن يتلحف بالتشاؤم كدرع أخيرة تحميه من صدمات الوعود الزائفة التي لم تطعم جائعاً ولم تؤمن خائفاً.



















