تاريخ قضاء الصويرة – الجزء الأول – جزيرة سلندي 5

تاريخ قضاء الصويرة – الجزء الأول – جزيرة سلندي 5

عشائر زبيد تهيّمن على المنطقة وأرض الحفرية تتحول إلى جزيرة شمّر

عبد الرضا اللامي

الكوت

وللدقة في تناول ذلك الأمس القريب، نجد بيوت المتنفذين من الشيوخ والسراكيل، والملاكين، في مدينة الصيرة، متميزة عن أكواخ الفلاحين والمعدمين، لارتفاع مستوى معيشة ساكنيها. ويعزز ذلك المستوى وجود الأسيجة – الصِيَّر – الي تضم رباط الخيل والأبقار والأغنام والدواجن.

وعلى الرغم من أن نظام الأسرة المتراصة هو السائد في ريف منطقة الصيرة، لكنها تبقى مكوناً رئيساً للحاضنة الكبرى (العشيرة).

يقول د. عبد الجليل الطاهر: ” إن العشيرة والأسرة، وكل مضامينهما الخلقية والاجتماعية، ما يزالان يؤثران في تكوين المجتمع الريفي، وفي تكوين الشخصية الفردية .”

ج – سكان مدينة الصيرة:

إن معيارنا في تصنيف السكان بين مدينة الصيرة وقراها وأريافها، يعتمد على مجموعة من المعايير الموضوعية،أبرزها المعيار الاداري وحجم السكان وأعمالهم، فالتطور اللاحق الذي أصاب مدينة الصيرة تَمَيَّزَ بالإدارة النوعية غير المقصودة من قبل الأهالي، أي إدارة غير رسمية. فنحن حددنا هوية السكان على انهم خليط من الوافدين الى المنطقة من بغداد (الكرادة) والحلة وأقضيتها ونواحيها والكوت والعمارة وغيرها.

 الوافدون، وحيث أنهم من سكنة مدن فيها إدارة رسمية بشكل أو بآخر، إبان الاحتلال العثماني، فإن سلوكهم منمط إداري، اذا جاز التعبير، فسلوكهم ذاك ما تبدل بسرعة، وبقي التزامهم ببعض الضوابط ما جعل في سلوكهم بعض التميز عن سكان أبناء العشائر، حتى جاءت الإدارة العثمانية وحققت الصفة الرسمية الإدارية (رغم شكليتها البائنة)، وهكذا أقيمت صيرة حول دار متواضعة لعمل وسكن القائممقام والشرطة العسكرية (الجندرمة) وتوسعت لاحقا لتضم الموظفين المختصين بالجباية للضرائب والبريد وبعض الاعمال التي تخص المعلوماتية وغيرها.

كما شهدت مدية الصيرة بعد توسعها نسبة معينة من المهاجرين من الداخل اي من قرى وارياف الصيرة طلباً للأمن الغذائي للمعدمين من الفلاحين.

ونالت طرق الموصلات بين الصيرة والمدن القريبة منها وقراها واريافها على الرغم من بدائيتها بعض الاهتمام، فًحُدِدَت وتلافت المرور ببعض الأماكن تحاشيا لمخاطر الجماعات التي احترفت قطع الطرق على السابلة.

وهكذا كان للعوامل البشرية والطبيعية مجتمعة اثراً في نوع وحجم الانتاج المحلي والريفي على حد سواء.

ففي داخل مدينة الصيرة اشتغلت الايدي العاملة غير الماهرة لزيادة الطلب على منتج الحِرَف والمهن التي قامت في المدينة.

وقد وجد الفلاح في الحركة الاقتصادية الجديدة منفذاً لتصريف منتجه الزراعي والحيواني كما ان هذا المنتج وَسَّعَ حركة المشتغلين بشراء تلك المنتجات بحيث ادركت سوق الصيرة وفرة في المنتجات، كما دفع من اشتغل بالحبوب أو الألبان أو الدواجن ان يفكر بتسويق بضاعته الى بغداد لعلمهم المسبق، باعتبارهم جاءوا منها ان لبضاعتهم رواجاً هناك.

وعلى الرغم من هذا التعشيق بين مصالح سكان مدينة الصيرة وسكان اريافها، ظل أهالي الصيرة (في المدينة) يمارسون عاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم بشيء من الخصوصية وتميز شخصيتهم المعيشية، اذا صح القول، كما تميز طابع المدينة العمراني والثقافي عن سواه في الريف.

ان بيوت أهالي مدينة الصيرة مبنية من الطين والطوب مسقفة بالأخشاب والحصران وجذوع النخل الى جنب بعضها صيرة لتلم حيواناتهم.

إن التراص الذي وحد بيوت (دور) سكان المدينة، ميَّزها عن أكواخ الفلاحين في القرى والارياف تلك المنتشرة هناك، بسبب سعة الارض الخالية وهي السبب الرئيس في زيادة نسبة مُعامِل التَـشَـتُت.

ملحوظة:

خَصَّصتُ ملحقاً تفصيلياً تضمن معلومات حول اسماء العشائر ومناطق وجودها في منطقة الصيرة، وثقتها بشهادات من بعض شيوخ تلك العشائر وذلك لتصحيح بعض الاخطاء التي تعثرت بها بعض المراجع.

وتأتي اهمية ذلك الملحق من ضرورة الاشارة الى تلك العشائر الى جنب قبيلة زبيد التي طغت على الجانب الايمن وقبيلة شمر على الجاني الايسر لنهر دجلة، وانصافاً للتاريخ، واثبات ان العشائر الاخرى اسهمت فعلاً في بناء تاريخ قضاء الصويرة.

الفصل الثاني

الادارة والعلاقات الاقتصادية والانتاجية في ظل الاحتلاليين العثماني والانكليزي، والنظام الملكي

– المبحث الاول: الادارة ونظام الانتاج.

– المبحث الثاني: الاوضاع الاقتصادية.

– المبحث الثالث: العمل ومستوى المعيشة.

المبحـث الاول

الادارة ونظام الانتاج

– المطلب الاول: الادارة في ظل سلطات الاحتلال

– المطلب الثاني: نظام الاقطاع والايدي العاملة الزراعية.

المطلب الاول – الادارة في ظل سلطات الاحتلال

أولاً – طبيعة الإدارة:

للإحاطة بطبيعة الإدارة يتعين إدراك مفهومها، وهذا الإدراك يتضح من معرفة الكيفية التي نشأت عليها الإدارة ومراحل تطورها.

من خلال تلك المعرفة يمكننا الا ُلِمام بمفهوم الإدارة والخصائص التي تُمَيِّز طبيعتها عند ذلك بإمكاننا أن نحدد مكونات ماهيتها. إن الإدارة العامة في أغلب خصائصها تمثل كل نشاط جماعي هادف.

يقول الدكتور حمدي أمين عبد الهادي، استاذ الإدارة العامة:

” الإنسان مدني بطبعه، واجتماعي بفطرته يولد في الجماعة وبها يعيش، ومن ثم فهو مشارك بصورة أو بأخرى بمختلف النشاطات الجماعية. ولكي تؤتي هذه النشاطات ثمارها المرجوة يتحتم تنظيمها على نحو يكفل بلوغ أهدافها. وفي هذا التنظيم تتمثل وظيفة الإدارة وحقيقتها “.

عندما نشأت الصيرة، كانت المنطقة في تلك الفترة الزمنية تخلو من أي شكل من أشكال السلطة أو الإدارة، عسكرية كانت أم مدنية، إذ ان الأرض مشاعة، وعلى الرغم من ذلك، كانت هناك أنواع بدائية للسلطة متمثـلة بســلطة رؤساء القـبـائـل والعشائر، يجسدون النظام الاقطاعي بمراحله الاولى.

واستمرت الأوضاع على تلك الشاكلة حتى جاء الاحتلال العثماني وبسط نفوذه على أرض الرافدين، وتمثل في أحد جوانبه بالإدارة العسكرية عن طريق الولاة ومساعديهم الجند والشرطة العسكرية (الجندرمة).

إن سلطة الاحتلال العثماني لم تلغِ النظام العشائري أو الاقطاعي بل على العكس أبقت على تلك النظم وفَعَلتها، حيث ان الصيرة أسست حوالي عام 8521 م ولم يعترف بها إدارياً بشكل رسمي إلاّ عام 1884 م. إذ أنها في ذلك العام مُنِحَت درجة (قائممقامية) في السلم الإداري وسُجِلَت على صفحات (سالنامة – تقويم) بغداد عام 1300هـ.

وتم الحاقها إداريا في ذلك العام بولاية بغداد، واستمرت على هذه الطبيعة الادارية مدة 41 عاماً، ومن بعد ذلك سلخت من بغداد والحقت بالكوت بشكل رسمي، عام (1927 م).

هنا أود أن أُسجل ملاحظة دقيقة حول تاريخ مدينة الصيرة، التي تناول بعض الباحثين والكتاب، شؤونها، قدر تعلق الأمر ببحثنا، وكما في أدناه:

لقد تناول تاريخ تأسيس (الصيرة) السيد محمد علي الصوري، والموسوي، والدليل الاداري لجمهورية العراق، وآخرون، وقد وجدتُ ارتباكاً، و اختلافاً، غير مستحسن لعدم دقة تلك التواريخ.

ولما عرفتُ أن تلك التواريخ ليست ذات تأثير على سير حوادث أو ما شابه، لعدم وجود مثل تلك الحوادث، فقد وضعت مقاربات بين تلك التواريخ عسى أن يغفر لنا ولهم التاريخ.

نعود الى مجرى البحث فأقول:

كانت الصيرة مرتبطة ببغداد وسلخت منها لاحقاً، كما ان الكوت التي كانت بدرجة قضاء مرتبطة إدارياً بلواء (بدرة وجسان) أي جصان، وقد دون على صفحات (سالنامة الاستانة) لعام 1859م أنه تم استحداث ذلك اللواء على أن تكون مدينة بدرة مركزاً له وأن تكون مدينة الكوت قضاءً على سلم الادارة تابعاً لذلك اللواء.

ثانياً – الإدارة في ظل سلطة الاحتلال العثماني:

كي نتعرف على الواقع الاداري لمنطقة الصيرة، وعلى الاحوال الاجتماعية والمعاناة التي تفرزها المشكلات اليومية، جراء سوء الادارة التي تمارسها القوى القابضة على أزِمَّة مقاليد الأمور، من سلطة رؤساء القبائل الى افرازات النظام الاقطاعي، الى سلطة الاحتلال العثماني، لابد من العودة الى التاريخ وتقليب صفحاته.

كانت منطقة الصيرة تحت سيطرة عشائر زبيد، وبني عجيل وبعض العشائر التي نزحت اليها من أماكن متفرقة، تلك الأرض الواسعة التي أُطلق عليها اسم (جزيرة زبيد)، كما أُطلق على أرض الحفرية (جزيرة شَمَّر) لأنها أرض شاسعة ولا يفصل أنحائها عوارض طبيعية كالمرتفعات أو الانهار أو ما الى ذلك.

فالعلاقات السائدة بين العشائر في هذه المنطقة، وإدارة شؤون أفرادها وإنتاجها الزراعي والحيواني هي كسائر العلاقات العشائرية في العراق، مضافاً لها ما استجد من علاقات نتيجة تحكم النظام الاقطاعي البدائي بكل مساوئه.

وحين جاء الاحتلال العثماني وحل وجوده الكريه في منطقة الصيرة، زاد وحل المصيبة رطوبة. لأنه وَسَّعَ وَرَكَزَّ مساحة النظام الاقطاعي لتشمل الاراضي الزراعية كافة.

كما وضعت الاراضي الجيدة في المزاد العلني ليتيح الفرصة أمام المتنفذين والمقتدرين، من إحكام أساليب الاستغلال واضطهاد الفلاح العادي، ولكي يجمع الاتراك الضرائب (الكودة).

كل ذلك أدى الى اضطراب وتناقض العلاقات بين العشائر والسلطة العثمانية، بسبب ما ترتكبه تلك السلطة من قسوة في أساليب التعامل مع الفلاحين.

علماً ان الادارة العثمانية كان اهتمامها ينصَب على جباية الضرائب، ولا يهمها كيف تقمع الذين لا ينصاعون لأوامرها.

وبعد تفاقم أمراض سوء استخدام الادارة، قررت سلطة الوالي في بغداد، تسمية بعض الرموز من أبناء العشائر (شيوخاً).

وتوالت التدابير التي تنطوي على القسر والإكراه، فكان أبرزها تمليك بعض المتنفذين والاتباع بعض الاراضي الزراعية، فاستلب حق الفلاحين في ملكية أرضهم. فاستنكرت العشائر علناً تلك التدابير، غير أن ردود الافعال السلطوية كانت سلبية.

سلطة الاحتلال العثماني آنذاك، تمثلت من الناحية الادارية بالقائممقام وبعض أفراد الجندرمة والموظفين والمنسبين لمساعدة رئيس الوحدة الادارية لإدارة شؤون القضاء (الصيرة).

وكانت واجبات أعضاء تلك الادارة تنصب على جمع الضرائب وأخذ (الكودة) عن رؤوس الماشية بمختلف فصائلها وعن بدل التزام الارض الزراعية.

أي أن الارض الزراعية كانت تؤجر الى الفلاحين، وهي أرضهم، لقاء بدلات تحددها الادارة المحلية، كيفما تشاء، و بموجب نظام اللزمة.

أما الجندرمة، فإن واجباتها الاساسية بعد جمع الضرائب، مطاردة الهاربين من الخدمة في صفوفها، أو المجرمين الهاربين من قبضة (عدالتهم) واللصوص والقتلة.

غير أن معظم الخصومات والمنازعات التي تنشب بين افراد العشائر أو في المدينة كانت تحل أساساً عن طريق المجالس العشائرية. حيث أن العشائر تلتزم بنظام عُـرفي لفض الملابسات والمشكلات.

ويمكن إجمال بعض مفردات تلك الأعراف، والتي أبقت عليها سلطة الاحتلال الادارية، ومنها:

(الفصل، الدية، السنينة، الحَشَم، الكَوامة، العَتبَه)، تمارِس العشائر تلك المفردات العُرفية، لحسم المشكلات وحقناً للدماء، بسبب حوادث القتل والاعتداء على المال والعِرض.

 ذلك كله يجري لضعف الادارة أو إهمالها المتعمد. إن التنظيم العشائري يقوم على الاسس التي تخول الشيخ أو من يقوم مقامه، سلطة ادارة شؤون العشيرة دون منازع له.

ثالثاً – الادارة في ظل سلطة الاحتلال البريطاني:

بعد زوال الحكم العثماني المتخلف إدارياً، احتل الانكليز أرض العراق، فكانوا أسوأ من سابقيهم، إذ خلقوا طبقة من المتنفذين والموالين لسياساتهم بشكل أو بآخر وفوضوهم أُمور الادارة والمناصب السلطوية ومنحوهم الاراضي بعد ان انتزعوها من أصحابها الحقيقيين (الفلاحين).

غير أن تلك الطبقة تأتي بالدرجة الثانية في الادارة بعد العنصر الاجنبي الذي جاء به المحتل، و ولاه الحاكم العام البريطاني أو من يفوضه لتلك الصلاحيات.

كانت سياسة الانكليز ذات حدين قاطعين، الاول – هو استخدام وسائل الاغراء والاستمالة لكي يُطْمَئَن الى جانبه. والثاني – هو الانتقام من الذين يشكلون معارضة لنوايا ادارتهم. وتأسيسا على ذلك المتراكم السيئ من علاقات الانتاج، كان يُرى بوضوح تزايد سلطة الاقطاعيين وكبار الملاكين، وانتفاخ ثرواتهم، في حين لم يزدد الفلاح إلاّ فقراً و بؤساً.

وبعد أن استقرت الامور – للإنكليز – تبين جلياً ان معظم السلطات الادارية العامة كانت بقبضة العنصر الاجنبي، وقد أكد تلك الحقيقة الاستاذ ضياء الدين الحيدري بقوله:

” إذ لم يشغل المناصب، أغلبها، وخاصة العليا منها منذ عام 1921م من العراقيين إلاّ نخبة محددة. ولم يتضح الجانب القانوني للوظائف العامة إلاّ بعد صدور القانون رقم 103 لسنة 1931م.

. إذ كانت مسألة الالتحاق بالوظيفة كما لو انها أمرٌ شخصي مرتبط بالأجنبي والعملاء الذين سخرهم لتيسير مهماته السياسية. علماً ان الموظف في ذلك الحين كان شبه أُمِّي . “.

وأكد الاستاذ صبيح كبة في مذكراته (نظام الخدمة العامة في العراق) إذ قال: ” ولذلك قُبِلَ في الوظيفة كل من اقتنعت السلطة بأنه كفء لها، وروعي جهد الإمكان معرفة الشخص المنتقى للوظيفة، للقراءة والكتابة أو لأحداهما على الاقل. “

وعلية فإن الذين شغلوا الوظائف العامة وهم قلة، في قضاء الصيرة، كانوا على تلك الشاكلة، لا يُراعى بهم الإبداع أو الاخلاص أو النزاهة، وإنما يجب أن يكون معروفاً من لدن المرشحين له ببعض المواصفات وأُمياً تقريباً.

وكما ذكر المؤرخون، إن ذلك الاختيار مقصود من قبل السلطة لكي تُمَرّر على المختار الأشياء، أو أنه ساكت بطبعه، إذ ليس بمقدوره أن يكون أكثر من قناة لتعبير المهمات بدراية منه أو بدونها.

رابعاً – الادارة في ظل النظام الملكي:

على أنقاض العلاقات الانتاجية بالغة السوء، تلك التي هيكلها الاحتلال البريطاني والتي كانت أصلاً مهترئة بسبب تخلف الادارة العثمانية وعشوائيتها المتغطرسة، أُقيم النظام الملكي كواجهة (وطنية).

غير أن القبض الحقيقي للسلطة والادارة كان بيد الانكليز، لكنهم أوحوا لأولئك العملاء أن يبادروا لاستعراض وطنيتهم أمام الشعب العراقي، فقاموا ببعض الاجراءات التوفيقية التي لا تَبعُد إلاّ قليلاً عن خطوات الانكليز.

فدعموا سلطة الاقطاع المتمثلة بالشيوخ وكبار الملاكين، وكانوا بذلك في حقيقة الأمر، أكثر سوءاً من الانكليز. وَشَرَّعوا القوانين المجحفة لتثبيت أركان نظام الاقطاع الذي يُعَدُ القاعدة المادية لنظام حكمهم.

وأنا أرى:

 إن النظام الملكي، على الحقيقة والواقع، ليس أكثر من امتداد طبيعي للاحتلال البريطاني، لكنهم، أي الانكليز، جعلوا منه لافتةً أمامية لتلفت نظر الشعب العراقي الى عنوان جديد هو (الحكم الوطني).

 حيث أن الواقع كان يكذب تلك الادعاءات ويتجلى ذلك من خلال طبيعة الادارة المحلية التي بنيت على المعايير الفاسدة في طرق التوظيف لمهام ادارة شؤون البلد المختلفة، أو في أصول التعامل اليومي مع عامة الناس، من خلال ممارسات بيروقراطية سيئة.

لقد ركزت تلك (الحكومة) (الوطنية) جهدها لتثبيت حقوق لمن لا يملك حقاً وانتزعتها من مالكين شرعيين ووهبتها لمن لا يملك فيها شبرا.

إذ أصدرت سندات رسمية لأراضي يختارها الاقطاعي، أو المالك المتنفذ الجديد فكانت الامتيازات لا ينالها إلاّ من له قرابة من ذلك النظام، وذلك في عموم أرض العراق.

بينما جُرِّدَ الفلاح من حقه الذي كتبه بعرق جبينه على مساحة متواضعة من الاراضي الشاسعة، وكان قد أفنى عمره في استثمارها، وتحول الى قِنٍ مُلحَقٍ بأرض الاقطاعي.

تلك الأساليب كانت من أبرز الدواعي لهجرة الفلاحين من الريف الى المدن، لأنهم لم يفقدوا متطلبات العيش حسب، وإنما فقدوا كرامتهم وحقوقهم الطبيعية.

في ذلك الوقت البائس كانت الحكومة تُصَرِّح على لسان رئيسها:

” إن الفلاح في وضع جيد ولا وجود للأقطاع في البلد، وإن تلك الأقاويل محض افتراء يريد البعض من وراءه شق (وحدة الصف الوطني الملتف) حول حكومته (الوطنية) “.

وكانت النتيجة النهائية تشير الى:

” إن نسبة هائلة من الأراضي المزروعة في العراق قد تحولت، إما لأيدي الشيوخ الذين فقدوا تماماً أي دور لهم يتعلق بالاقتصاد الزراعي، أو لبعض كبار ملاكي المدن الذين يقتصر دورهم في هذا الصدد على المضاربة والاستغلال للقوى البشرية.) “

كان النظام الملكي في العراق قد بني على أنقاض سلطة الاحتلال العثماني، وعلى أيدي الادارة البريطانية، فأورثاه علاقات إنتاجية مبنية على القواعد العشائرية والنظام الاقطاعي.

 فما كان من ذلك النظام إلاّ أن يتوسع في دعـم سـلطة الإقطاعـيـيـن.

كانت السلطات الادارية أيام النظام الملكي، بأيدي الإقطاعيين والمتنفذين من كبار الملاكين، وأَحكَمَت غلق المنافذ التي تُمَكِن الفلاحين من أن يروا نور الأمل والحياة الكريمة خلالها.

لكن ذلك النظام بذل أيضاً بعض المحاولات التوفيقية لترقيع خروقاته ولتثبيت أقدام صنائعه. كما وزع السندات على المتنفذين لاحتواء ملكية الاراضي التي جرائها تم الاقفال على تطلعات الفلاحين. ومن جانب الادارة فقد وضعت بأيدي أبناء أولئك المعتمدين من قبل النظام.