تأثير الموسيقى على الذات – مقالات – ثامر مراد

تأثير الموسيقى على الذات – مقالات – ثامر مراد

الموسيقى تؤثر في النفس وترسم لها خيطاً من ذكريات قد يمتد الى عشرات السنين. حينما نسمع اًغنية جميلة أو لحناً مؤثراً خلال تاريخنا الذي نحياه ويرسم ذلك اللحن أو تلك ألأغنية إخدوداً في ذاكرتنا نبقى نتذكر تلك اللحظة التي عشناها لحظة سماعهما.. لاتزول من ذاكرتنا مهما حاولنا تجاهل ألأمر.

اليوم وأنا أسترجع تاريخاً طويلاً من حياتي يمتد الى أكثر من خمسين عاماً وجدتُ آلاف المقطوعات الموسيقية تنخر في ذاكرتي وتحيل لحظاتي الى مزيج من الفرح والحزن في نفس الوقت. أحياناً تنساب دمعة على خدي معلنة ضياع تاريخ بعيد مشبع برائحة الحزن وأحيانا أخرى تنطلق -قهقهة- خافتة لاتكاد تتجاوز حدود شفتاي. جميع الموسيقى وألأغاني التي كانت تحتل جزءاً من ذاكرتي المرهقة تعود الى الموسيقى العالمية ومشاهير المغنيين ألأجانب من زمن الستينات حتى هذه اللحظة…” الدانوب ألأزرق..بحيرة البجع..الحسناء النائمة..كسارة البندق..حلاق إشبيليا..وغيرها من آلاف الموسيقى العالمية التي لن تزول من تاريخ الموسيقى العالمية” .

اليوم وعلى حين غرة تذكرت لحناً ريفياً قديماً يعود الى الستينات أو الخمسينات لم يكن له أي دور في أخاديد ذاكرتي ولم أستمع اليهِ طيلة حياتي ولكن كيف وجد هذا اللحن له طريقاً الى ذهني رغماً عن أنفي – إن هذا لشيءٌ عجيب ؟؟”. وأنا أنتهي من زراعة وردة بائسة في حديقة ولدي المقيد على السرير بلا حراك سافر ذهني رغماً عني الى زمن والدي عام 1964 . كان يمسك يدي ويسير بسرعة كبيرة على الشارع ألأسفلتي الممتد خمسة كيلومترات من القرية حتى المدينة. لم تكن هناك واسطة نقل إلا الباص الخشبي الطويل الوحيد مابين القرية والمدينة..لازلت أتذكر إسم السائق إسمه – عجم- اذا فاتتنا السيارة فسنضطر الى إنتظار وقت طويل كي نستقلها.

كنت أركض الى جانب والدي- رحمهُ الله- كي أواكب خطواته الطويلة السريعة. كان والدي يردد أغنية بصوتٍ مسموع ” وردة سكَيتها من دمع الجفون..صارت بِلْحِسِنْ فتنه للعيون..إنكَطعتْ مِنْ غصنها.. وأوضيعت كُلْ حِسنه.. وردة ومن زمان إلها أداري..حارس الها صرت ليلي ونهاريْ..نهران المحبة جاري..أعد أيام إلها وأنتظرها…زارع وأرتجي مثل اليزرعون…وردة..وردة..

كانت تلك الكلمات تنفذ الى مسامعي رغماً عني. لم أركز عليها لأن لهاث أنفاسي وأنا أركض الى جانبهِ كانت تغطى على الكلمات واللحن بَيْدَ أنها كانت تقتحم أُذناي رغماً عن أنفي. قبل أن نصل الى السوق قلت ” يُوبَهْ ليش تغني على الورده؟” إبتسم قائلا” من يصير عندك إبن راح تفتهم هاي ألأغنية”.

أنطوت صفحة تلك ألأغنية الريفية في ذاكرتي ونامت الى ألأبد. اليوم وأنا أزرع هذه الوردة عرفتُ كل مايدور من معنى تلك ألأغنية التي كان والدي يرددها.

زرعتُ مخلوقا بشرياً في رحمِ مخلوقةٍ أخرى وأنتظرنا سنوات طويلة نعتني بوردتنا الجميلة نحرسها في السراء والضراء وحين البأس. نمت وأزهرت وقبل أن تنطلق الى الفضاء الفسيح هبت ريحٌ عاصف حطمت جزءأ من أغصانها .

كنا نسقيها من دموعنا المتفجرة ليلا ونهاراً. كنتُ كالفلاح الذي يزرع زرعه ويبقى ينتظره ُ مثل الفلاحين والزراع.

 كانت الوردة تمنحنا عطراً جميلا حينما كانت سليمة ولكنها حينما قُطعت وأستقرت على – فراش المرض- ذبل لونها ولم تعد تُصدر إلا أنيناً خافتا كل ساعات الليل والنهار. شهورأخرى وأنا أراقب – وردتي- كي تزهر من جديد.

تحسن ملحوظ ولكن ليس نهوضا كاملا كي تزهر من جديد بين الزهور ألأخرى. اليوم بدأت بوادر أملٍ جديد لعصرٍ آخر. شاهدتُ وردتي تتناغم مع زهرةٍ أخرى عند ساعات – السقي- طعام الغداء. جاءت صورة والدي- ولاأدري لماذا- وهو يغني وأنا أركض الى جانبه قبل أكثر من أربعين عاما على الشارع الممتد بين القريةِ والسوق البعيد :

” وردة سكَيتها من دمع الجفون…

صارت بالحسن فتنه للعيون..

إنكطعت من غصنها وضيعت كل حِسِنْهَ…

أعد أيام إلها وأنتظرها….زارع وأرتجي مثل اليزرعون…”