بيوتٌ‭ ‬بلا‭ ‬صراخ‮…‬‭ ‬مليئة‭ ‬بالانكسار- د. فاروق الدباغ

في‭ ‬المساء،‭ ‬يبدو‭ ‬البيت‭ ‬هادئًا‭.‬

الأب‭ ‬يجلس‭ ‬أمام‭ ‬هاتفه،‭ ‬يمرر‭ ‬الأخبار‭ ‬بلا‭ ‬تركيز‭.‬

الأم‭ ‬في‭ ‬المطبخ،‭ ‬تتحرك‭ ‬بصمت‭ ‬وكأنها‭ ‬تؤدي‭ ‬طقسًا‭ ‬يوميًا‭ ‬بلا‭ ‬روح‭.‬

الأطفال‭ ‬في‭ ‬غرفهم‮…‬‭ ‬كلٌ‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬عالمه‭.‬

لا‭ ‬صراخ‮…‬‭ ‬لا‭ ‬شجار‮…‬

لكن‭ ‬شيئًا‭ ‬ما‭ ‬يحترق‭ ‬في‭ ‬الداخل‭.‬

جمرٌ‭ ‬لا‭ ‬يُرى‮…‬‭ ‬لكنه‭ ‬يستهلك‭ ‬الجميع‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬حالة‭ ‬نادرة‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الشكل‭ ‬الحديث‭ ‬لما‭ ‬يسميه‭ ‬علم‭ ‬النفس‭:‬

Chronic Marital Conflict  ‬الصراع‭ ‬الزوجي‭ ‬المزمن‭ ‬الصامت‭.‬

في‭ ‬البداية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬هكذا‭.‬

كانت‭ ‬العلاقة‭ ‬في‭ ‬أيامها‭ ‬الأولى‭ ‬مفعمة‭ ‬بما‭ ‬نسميه‭ ‬Idealization  ‬المثالية‭ ‬العاطفية‭.‬

كل‭ ‬طرف‭ ‬يرى‭ ‬الآخر‭ ‬كما‭ ‬يتمنى‮…‬‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬هو‭.‬

التسامح‭ ‬واسع،‭ ‬الأخطاء‭ ‬تُغفر‭ ‬بسهولة،‭ ‬والخلافات‭ ‬تُؤجل‭ ‬باسم‭ ‬الحب‭.‬

لكن‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬لحظة‭ ‬البداية‭.‬

مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬يدخل‭ ‬الواقع‭ ‬بثقله‭:‬

مسؤوليات،‭ ‬أطفال،‭ ‬ضغوط‭ ‬اقتصادية،‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬التربية،‭ ‬وتأثيرات‭ ‬بيئية‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬لكنها‭ ‬تضغط‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

وهنا‭ ‬يبدأ‭ ‬التحول‭.‬

لغة‭ ‬الحوار‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬كما‭ ‬كانت‭.‬

ليس‭ ‬لأن‭ ‬الحب‭ ‬اختفى‮…‬‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬العلاقة‭ ‬لم‭ ‬تتعلم‭ ‬كيف‭ ‬تتطور‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬يبدأ‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭:‬

Emotional‭ ‬Suppression‭ ‬كبت‭ ‬المشاعر‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يتحدث‭ ‬بصدق‭.‬

كل‭ ‬طرف‭ ‬يبتلع‭ ‬ما‭ ‬يشعر‭ ‬به‮…‬‭ ‬ويؤجله‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬تأجيل،‭ ‬تتراكم‭ ‬طبقة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصمت‭.‬

حتى‭ ‬يأتي‭ ‬يوم،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬فيه‭ ‬الخلاف‭ ‬مجرد‭ ‬اختلاف‭ ‬رأي‮…‬

بل‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬والمعنى‭.‬

من‭ ‬نحن؟

ماذا‭ ‬نريد؟

ولماذا‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نفهم‭ ‬بعضنا؟

لكن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يحدث‮…‬‭ ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬فقط‭.‬

بل‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء‭.‬

هنا‭ ‬يظهر‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ

Triangulation‭ ‬التثليث‭.‬

حين‭ ‬يعجز‭ ‬الزوجان‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬خلافهما،‭ ‬يتم‭ ‬إدخال‭ ‬طرف‭ ‬ثالث‮…‬‭ ‬غالبًا‭ ‬طفل‭.‬

فيبدأ‭ ‬الانقسام‭.‬

الأب‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬الابن‮…‬

والأم‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬الابنة‮…‬

ويتحول‭ ‬البيت،‭ ‬دون‭ ‬إعلان،‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬“أحزاب”‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المناخ،‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬الأطفال‭ ‬كما‭ ‬هم‭.‬

كل‭ ‬طفل‭ ‬يختار‭ ‬—‭ ‬أو‭ ‬يُجبر‭ ‬—‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬نفسي‭:‬

هناك‭ ‬من‭ ‬يختفي‭ ‬بصمت‮…‬

Invisible‭ ‬Child  ‬الطفل‭ ‬غير‭ ‬المرئي‭.‬

يتعلم‭ ‬أن‭ ‬النجاة‭ ‬في‭ ‬الاختفاء‮…‬‭ ‬فيكبر‭ ‬وهو‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬المواجهة‭.‬

وهناك‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬إرضاء‭ ‬الجميع‮…‬

The‭ ‬Pleaser  ‬المُرضي‭.‬

يتعلم‭ ‬أن‭ ‬الحب‭ ‬مشروط،‭ ‬وأن‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتنازل‭ ‬ليبقى‭ ‬مقبولًا‭.‬

وهناك‭ ‬من‭ ‬يتمرد‮…‬

The‭ ‬Rebel  ‬المتمرد‭.‬

يصرخ،‭ ‬يرفض،‭ ‬يثير‭ ‬الفوضى‮…‬

ليس‭ ‬لأنه‭ ‬سيئ،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬يحمل‭ ‬ألم‭ ‬الأسرة‭ ‬كله‭.‬

ومع‭ ‬الوقت،‭ ‬تتشكل‭ ‬داخل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬صور‭ ‬مشوهة‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭.‬

الابن‭ ‬يرى‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خيبة‭ ‬أبيه‭.‬

والابنة‭ ‬ترى‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ألم‭ ‬أمها‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭:‬

Cognitive‭ ‬Distortions‭ ‬‭ ‬التشوهات‭ ‬المعرفية‭.‬

أفكار‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‮…‬‭ ‬لكنها‭ ‬تبدو‭ ‬حقيقية‭ ‬لأنها‭ ‬وُلدت‭ ‬من‭ ‬الألم‭.‬

المفارقة‭ ‬المؤلمة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يحدث‮…‬

بينما‭ ‬العائلة‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬مثالية‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين‭.‬

ابتسامات‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭.‬

كلمات‭ ‬لطيفة‭ ‬أمام‭ ‬الأصدقاء‭.‬

وصمت‭ ‬ثقيل‭ ‬خلف‭ ‬الأبواب‭ ‬المغلقة‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُقال‭ ‬كثيرًا‭:‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬الخلاف‮…‬

بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬مهارة‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭.‬

العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬ليست‭ ‬لحظة‭ ‬حب‮…‬

بل‭ ‬مسار‭ ‬يحتاج‭ ‬أن‭ ‬يتطور‭.‬

في‭ ‬البداية،‭ ‬يكفي‭ ‬الشغف‭.‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬نحتاج‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭:‬

Emotional‭ ‬Intelligence  ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭.‬

أن‭ ‬أفهم‭ ‬نفسي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ألومك‭.‬

أن‭ ‬أفرق‭ ‬بين‭ ‬شعوري‭ ‬وتفسيري‭.‬

أن‭ ‬أتكلم‭ ‬لأُفهم‮…‬‭ ‬لا‭ ‬لأنتصر‭.‬

العلاقة‭ ‬الناضجة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬الخلاف‮…‬

بل‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الخلاف‭.‬

أن‭ ‬نقول‭:‬

“نحن‭ ‬ضد‭ ‬المشكلة”‮…‬‭ ‬لا‭ ‬“أنا‭ ‬ضدك”‭.‬

أن‭ ‬نغير‭ ‬لغة‭ ‬الحوار‭:‬

بدل‭ ‬الاتهام‮…‬‭ ‬نستخدم‭ ‬التعبير‭.‬

بدل‭ ‬الصمت‮…‬‭ ‬نستخدم‭ ‬الوضوح‭.‬

والأهم‮…‬

أن‭ ‬نحمي‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬ساحة‭ ‬حرب‭.‬

الطفل‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وسيطًا‮…‬‭ ‬ولا‭ ‬حليفًا‮…‬‭ ‬ولا‭ ‬قاضيًا‭.‬

لأنه‭ ‬إن‭ ‬حمل‭ ‬صراعنا‭ ‬اليوم‮…‬

سيحمله‭ ‬غدًا‭ ‬في‭ ‬علاقاته،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬لماذا‭ ‬يتكرر‭ ‬الألم‭.‬

في‭ ‬النهاية‮…‬

الحب‭ ‬لا‭ ‬يموت‭ ‬فجأة‭.‬

بل‭ ‬يذبل‭ ‬بصمت‮…‬‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يرعاه‭.‬

والعلاقات‭ ‬لا‭ ‬تنهار‭ ‬بسبب‭ ‬الخلافات‭ ‬الكبيرة‮…‬

بل‭ ‬بسبب‭ ‬تلك‭ ‬الصغيرة‮…‬‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُفهم‭ ‬في‭ ‬وقتها‭.‬

تلك‭ ‬التي‭ ‬بقيت‮…‬

مثل‭ ‬جمرٍ‭ ‬تحت‭ ‬الحطب‭.‬