كامل التميمي ورسمي رحومي الهيتي
بين قصتي قوقعات وتأهيل – نصوص – سمية عزام
1- قوقعات// كامل التميمي
أنظرُ إلى وجهِ طفلتي بحَسْرةٍ, وهي تبتسمُ مشيرةً إلى أخيها الذي ينصتُ إلى جدّهِ ويقبضُ بكلتا يديه على صدرهِ كمن يريد إخفاء وصية ما.
دبَّ الخوفُ في عروقي وشرعتُ بسحبه؛ فانفلت من بين يدّي..
جزعَ أبي, وأخذ يلكزني بعصاه قائلا:
مرض قلبك, اعرض عمّا أنت فيه.
أزيحُ عكازه وأمضي, حاملاً معولي قاصدًا معبد أوهامه.
2- تأهيل // رسمي رحومي الهيتي ….
في دورة تأهيلية زُجّ فيها عدد غير قليل من الراغبين في ممارسة التصفيق!.. كان هو الوحيد الذي لم يستوعب ما جاءت به محاضرات الدورة تلك.. لذلك أعف من تكملة الدورة، فخرج منها، ولكن بلا كفين!!
يرى أوسبنسكي إلى أنّ وجهة النظر ترتبط ببنية النص، معيّنًا مستويات أربعة وفق موقع الرّاوي. ففي المستوى الإيديولوجي تعبّر الرّؤية في النص كلّه عن وعي الكاتب بمرويّه، تكشف عنها تدخّلاته، أو من خلال الراوي نفسه، أو من خلال وعي الشخصيات المتعدّدة الأصوات في النص القصصي، وتتوافر فيها منظورات مختلفة الرؤى الإيديولوجيّة. والإيديولوجيا تتعيّن بمنظومة القيم العامة لرؤية العالم ذهنيًّا، وهي مجموعة الأفكار والمعتقدات والمسالك التي تتعلّق بشخصيّات/ طبقات أو أحزاب تتصارع داخل النص السردي؛ ولا تقتصرعلى السياسة، بل تشمل الجوانب الفكريّة والرّوحيّة والأدبيّة… فوفق اتجاه سيمياء الثّقافة، العلامة لا تكتسب دِلالتها إلا من خلال وضعها في إطار الثقافة. عليه، كيف ابتُنيت الشخصية المحوريّة، في كلتا القصّتين، في خياراتها ومساعيها وحركتها؟ وفي أيّ اتجاه كانت التحوّلات ونهايات المساعي، وأين مكمن الخلل في تعثّر المشاريع؟
الرّاوي والبرامج السرديّة المتصارعة:
تختلف علاقة الراوي بكون القص في النصّين؛ ففي “قوقعات” الراوي هو ذاتيّ الحكاية المرويّة، يروي وفق منظوره الشخصي واختياره في تنظيم برنامجه السردي المتصارع مع برنامج شخصية الأب، بوصفها تمثّل السّلف في محمول ثقافي متوارَث تبتغي استمراريته مع الخلف. وفي “تأهيل” الراوي غائب عن كون القص وغير منتمٍي إليه، أي إنّه راوٍ عليم يسرد بضمير الغائب وفق برنامج السلطة السّياسيّة القهري المغيّب إرادة الشخصيّة المحوريّة وبرنامجها المقاوم والمتمرّد على مقولاتها الشموليّة والتدجينيّة.
المنظومة الثقافيّة بين الهدم والبتر:
قوقعات: هي ترميز للتحجّر العقدي، ولأوهام متوارثة في الذاكرة الجماعيّة على الصعيد الاجتماعي في مناحي الحياة الثقافيّة والرّوحيّة كافّةً، تُخضع الأفراد المنتمين لمنظومتها بوصفها من المقدّسات/ الطابوهات، ما يجعلهم يستشعرون القهر وتغييب الإرادة الفرديّة، والخوف تاليًا من انسحاب هذه الحالة على الجيل اللاحق بأن يكون استمرارًا للجيل السابق والذي قبله في تكرير واجترار بغير تجديد أو ابتداع طرق عيش وتفكير أخرى ( معجميّة النص: وجه الطفلة، الأخ، الحسرة، خوف الأب، الوصيّة)، وكل محاولة خروج تلقى الرفض من قِبل السابقين/الأقدمين (لكز الوالد بعصاه، أعرِض عمّا أنت فيه). غير أنّ الشخصيّة الرّاوية أرادت النهوض / الخروج من القوقعة، مدفوعةً بما ترسّب في وعيها الذاتي، فحملت معول الهدم ابتغاء التأسيس وبناء الزمن الآتي ( إزاحة العصا، المضيّ قُدُمًا، حمل المعول لهدم معبد الأوهام).
تأهيل: بدلالة مقلوبة وفق المنطق الحضاري-الإنساني، حيث تتبدّى المحاكاة الساخرة جليّة من خلال تتبّع الحدث ومساره ومآل الشخصيّة المحوريّة. والتأهيل وفق منطق السلطة الحاكمة، هو تدجين الشعب/ الأفراد وإخضاعهم لإرادتها وجعلهم يقبلون بخياراتها كافة بغير اعتراض، وأكثر من ذلك يصفّقون ويهلّلون لها رغمًا عن أنوفهم. غير أنّ التدجين يذهب في الخطورة أبعد من ذلك، بأن يجعل المدجَّن فاقدًا منطقه الخاص، ورؤيته، ومسلوب الإرادة، متماهيًا مع السلطة في نموذجها المقولَب والمبتَكَر وفق مصالحها. التأهيل هو درس في التصفيق، أي الخضوع والاتّباع والأدلجة والنّمذجة والمذّلّة والاستكانة (غسل دماغ)… مقابل هذا البرنامج المستبِدّ يبرز برنامج الشخصيّة الفرديّة الرافضة لما يُسمّى تأهيلًا، غير أنها قد قُمعت ثورتها في مهدها.
نهايات المساعي والتحوّلات:
في قصة “قوقعات” انتقلت الشخصيّة الرّاوية من المستوى الإدراكي لذات الحالة إلى المستوى البراغماتي/ العملي قاصدةً المعبد لهدمه، منتقلة في المكان مدفوعة بإرادة ذاتيّة حرّة. وفي قصّة “تأهيل” بقي مسعى الشخص المروي عنه بضمير الغائب في مستواه الإدراكي لذات الحالة؛ إذ لم يكتمل برنامجه في الخروج على الإرادة العامّة؛ وذلك من خلال بتر الكفّين.
الزمن الأصيل للأفراد والشعوب: الاختيار والتأسيس
في القصّتين كلتيهما، يظهر الفرد الأعزل، إلاّ من إرادته، في مواجهة الجماعة. ملامح الوجوديّة تتكشّف في الخيار الحرّ الأصيل للشخصيّة المحوريّة وفي اقتدارها وتيقّظها واستباقها المتوثّب صوب المستقبل الفريد. وإن كان في القصة الأولى قد نجح الفرد في المواجهة مبتغيًا التغيير في ثورة كاسحة، وفي القصة الثانية سقط المتمرّد في صمت دمه الثائر؛ فهل ترتقي هذه الثورة إلى مستوى النـــــــهوض الاجتماعي العام وصولاً إلى نهضة ثقافيّة شاملة تعمّ أفراد الأمـــــة كلّهم أو جلّهم؟!التحوّلات مرهونة بالحريّات، والتأسيس مرهون بالهدم لإعادة البناء وفق منظومة فكرية مغايرة. والوجود الإنساني الفردي هو وجود حركي متسائل عن الكيــــــنونة (الوجود المطلق) يرتبط بوجـــــود العالم (كينونة – مع – الآخرين)، هو صيروة وقدرة على الوجود، وهذه القدرة تفترض الحريّة، بحسب مقولات هايدغر وسارتر الوجوديّة. وبناءً عليها، يتحدّد زمن الشعب التاريخي بالمشاركة في الحوار، وإقامة الرابط والانتماء والشعور بالواجب. ” ولحظة يكون حوار يوجد زمن وتاريخ”. فهل ما يُرصَد في مرجعيّة الكلام القصصي الواقعيّة هو حوار مُنشئا أو أنه مجرّد ثرثرة لا أصيلة؟!



















