بناء الجيش العراقي .. وذكرى انهزام العثمانيين بالضباط الدمج

توقيع

فاتح عبد السلام

فيليب‭ ‬مانسيل‭ ‬،‭ ‬مؤرخ‭ ‬البلاطات‭ ‬والأسر‭ ‬الحاكمة‭ ‬،عرف‭ ‬بكتابه‭ ‬الشهير‭ ‬،‭ ‬القسطنطينية‭ ‬التي‭ ‬اشتهاها‭ ‬العالم،‭ ‬وبكتابه‭ ‬الآخر‭ ‬،بلاط‭ ‬فرنسا‭ ‬1789‭-‬1830‭ ‬،‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ‭ ‬كتابه‭ ‬الحديث‭ ‬،‭ ‬ثلاث‭ ‬مدن‭ ‬مشرقية،‭ ‬حيث‭ ‬يستعرض‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬لانهيار‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬وجدته‭ ‬يضع‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬تفصيل‭ ‬دقيق‭ ‬ثم‭ ‬يمر‭ ‬عليه‭ ‬عابراً‭ ‬،في‭ ‬تحليل‭ ‬الهزيمة‭ ‬التي‭ ‬مني‭ ‬بها‭ ‬الجيش‭ ‬العثماني‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬البلقان‭ ‬عام‭ ‬1912،‭ ‬فيقول‭ ( ‬قاتلت‭ ‬الجيوش‭ ‬البلقانية‭ ‬أفضل‭ ‬ممّا‭ ‬كان‭ ‬متوقعاً‭ ‬،‭ ‬وقاتل‭ ‬الجيش‭ ‬العثماني‭ ‬أسوأ‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مقدوره‭ ‬،‭ ‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬الترقيات‭ ‬غير‭ ‬المستحقة‭ ‬لضباط‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬ذوي‭ ‬الخبرة‭ ‬ممن‭ ‬كانوا‭ ‬يؤيدون‭ ‬جمعية‭ ‬الاتحاد‭ ‬والترقي‭.) ‬وهذه‭ ‬الجمعية‭ ‬،‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬حزب‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬الامبراطوية‭ ‬العثمانية‭ ‬عند‭ ‬أواخر‭ ‬عمرها‭ ‬،‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬بعد‭ ‬تحويل‭ ‬السلطنة‭ ‬إلى‭ ‬ملكية‭ ‬دستورية‭ ‬وتقليص‭ ‬سلطات‭ ‬السلطان‭ ‬آنذاك‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬انقلاب‭ ‬27‭ ‬أبريل‭ ‬1909‭ . ‬وهذه‭ ‬معلومة‭ ‬للتذكيروالمرور‭ ‬فقط‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬إن‭ ‬الذي‭ ‬يهمنا‭ ‬هو‭ ‬واقعة‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬الجيوش‭ ‬بتقديم‭ ‬الولاء‭ ‬السياسي‭ ‬او‭ ‬الحزبي‭ ‬أو‭ ‬الانتمائي‭ ‬على‭ ‬الولاء‭ ‬الوطني‭ ‬،‭ ‬وإنّ‭ ‬مخاطر‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬العادية‭ ‬التي‭ ‬لاتبدو‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬الاخطاء‭ ‬جسيمة‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬والحروب‭ ‬،‭ ‬توضع‭ ‬مصائر‭ ‬شعوب‭ ‬وأمم‭ ‬وسيادة‭ ‬دول‭ ‬على‭ ‬المحك‭ ‬،‭ ‬فكيف‭ ‬اذا‭ ‬كان‭ ‬ضباط‭ ‬الترقيات‭ ‬غير‭ ‬المستحقة‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬ربّما‭ ‬الضباط‭ ‬الذين‭ ‬علت‭ ‬الرتب‭ ‬اكتافهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬علم‭ ‬عسكري‭ ‬وتسلسل‭ ‬وظيفي‭ ‬استحقاقي‭ ‬،‭ ‬هم‭ ‬الذين‭  ‬يتحملون‭ ‬مسؤولية‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭.‬

الضباط‭ ‬الدمج‭ ‬،كما‭ ‬تشتهر‭ ‬تسميتهم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬،‭ ‬ليسوا‭ ‬قضية‭ ‬حزبية‭ ‬تابعة‭ ‬لجهة‭ ‬متنفذة‭ ‬أو‭ ‬جهتين‭ ‬،وينبغي‭ ‬عدم‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬لاعتبارات‭ ‬التوافقات‭ ‬والمساومات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬أكل‭ ‬القوي‭ ‬الضعيف‭ ‬وسوى‭ ‬ذلك‭ ‬،‭ ‬إنّما‭ ‬هي‭ ‬قضية‭ ‬بناء‭ ‬الجيش‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬تقع‭ ‬عليه‭ ‬مهمة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬البلاد،‭ ‬وانها‭ ‬مسألة‭ ‬وطنية‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الاهمية‭ ‬،‭ ‬وإنّ‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬أقول‭ ‬قد‭ ‬فات‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬بعضنا‭ ‬،‭ ‬لبناء‭ ‬الجيش‭ ‬على‭ ‬اساس‭ ‬الاستحقاق‭ ‬العسكري‭ ‬الدقيق‭ .‬

تحرير‭ ‬الموصل‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬صفحات‭ ‬متعددة‭ ‬،‭ ‬الصفحة‭ ‬الناصعة‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬موكلة‭ ‬الى‭ ‬ضباط‭ ‬محترفين‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الأيسر،‭ ‬أما‭ ‬صفحة‭ ‬القصف‭ ‬العشوائي‭ ‬والتدمير‭ ‬وسيلة‭ ‬للتحرير‭ ‬فكان‭ ‬عدم‭ ‬الاحتراف‭ ‬واضحاً‭ ‬فيها‭ ‬،‭ ‬وسيكتب‭ ‬القادة‭ ‬العسكريون‭ ‬تاريخ‭ ‬المعركة‭ ‬يوماً‭ ‬مهما‭ ‬بعُد‭ .‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية