
بناء الإنسان أساس إعمار الأرض – كامل كريم الدليمي
إنَّ بناء الإنسان هو الركيزة الأولى لأي نهضة حقيقية تسعى إليها المجتمعات. فالأوطان لا تقوم على الحجر وحده، ولا تصنعها المصانع والجسور والطرق مهما بلغت من التطور، بل تقوم أولًا على الإنسان الواعي القادر على حمل رسالة البناء والعطاء. فالإنسان هو المحرك الحقيقي لكل عملية تنموية، وهو العقل الذي يخطط، واليد التي تنفذ، والقلب الذي يحافظ على القيم والمعاني التي تحفظ تماسك المجتمع.
لقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض ليعمرها بالخير والعمل والإصلاح، وليس فقط بالبناء المادي. فإعمار الأرض يشمل بناء الحضارة الإنسانية بكل أبعادها: الأخلاقية، والعلمية، والثقافية، والاقتصادية. وعندما يختل التوازن بين بناء الإنسان وبناء العمران، فإن النتيجة تكون مجتمعات متقدمة شكليًا لكنها تعاني من ضعف في القيم والسلوك والوعي.
إن الاهتمام بالبناء المادي وإهمال بناء الإنسان يشبه إقامة هياكل ضخمة بلا روح. فقد تمتلك بعض المجتمعات أحدث المنشآت وأضخم المشاريع، لكنها تفتقد الإنسان المسؤول الذي يحافظ عليها ويطورها. فالقيم، والتعليم، والتربية، والوعي الفكري، والانتماء الوطني، كلها عناصر تشكل الأساس الحقيقي لأي نهضة مستدامة.
إن بناء الإنسان يبدأ من الأسرة، ويمر عبر المدرسة، ويتكامل مع مؤسسات المجتمع كافة. فهي عملية مستمرة تهدف إلى تنمية الفكر، وتعزيز الأخلاق، وصقل المهارات، وترسيخ روح المسؤولية. فالإنسان المتعلم الواعي هو القادر على تحويل الموارد إلى إنجازات، والتحديات إلى فرص، والأزمات إلى نقاط انطلاق نحو مستقبل أفضل.
كما أن المجتمعات التي تستثمر في الإنسان تحقق تقدمًا طويل الأمد، لأن الإنسان القادر على التفكير والإبداع هو الذي يصنع التطور الحقيقي. أما المجتمعات التي تركز على المظاهر العمرانية فقط، فإنها تبني حاضرًا هشًا قد ينهار عند أول أزمة.
إن إعمار الحجر لا يكتمل إلا بإعمار البشر، وبناء الإنسان ليس ترفًا فكريًا بل ضرورة وجودية لضمان استقرار المجتمعات واستمرار حضارتها. فحين نبني الإنسان الواعي المؤمن بقيم العمل والعلم والأخلاق، فإننا نضع الأساس المتين لكل بناء مادي وحضاري.
ولهذا، فإن الاهتمام ببناء الإنسان يجب أن يكون أولوية في خطط التنمية، لأنه الضامن الحقيقي لاستمرار العمران وصيانة المنجزات، وهو الطريق الأسمى لتحقيق رسالة الاستخلاف في الأرض .


















