بغداد ليست آيلة للسقوط – مقالات – طارق الجبوري

بغداد ليست آيلة للسقوط – مقالات – طارق الجبوري

قد تكون الصورة التي رسمها الشاعر سعدي يوسف في قصيدته الاخيرة  قاتمة وتشاؤمية ولاتبعث على الامل حيث يقول (الان … بغداد آيلة الى السقوط) ، لكنه من جانب آخر دان كل الفعاليات السياسية التي كان من نتائجها هذا الواقع والانحدار الذي مر ويمر به العراق منذ الاحتلال الاميركي الى الان عندما قارن بينهم وبين هوشي منه وهروب العملاء من سايغون متسائلاً (كم طائرة يحتاجون) .. لست ناقداً ادبياً ولست هنا في محل الدفاع عن اراء يوسف ولا اريد ان يتحول الموضوع الى  نقد ادبي  لان  مغزاه سياسي .. والشاعر هنا اراد ان  يصرخ من خلال كلماته وبقصيدته التي احسب انه قصد من خلالها  تعرية الفاسدين والمفسدين .. اللاهثون وراء مصالحهم والناهبون وهذا ما اظنه، ولم يكن يتمنى ان تسيطر داعش الارهابية على بغداد كما اتهمه المهاجمون له  برغم قسوة كلمات القصيدة..

 نعود الى صلب موضوعنا التي جعلنا من هذه المقدمة ركيزته  لمناقشة متأنية ومن دون تزويق او تلاعب بالكلمات لواقعنا واستقرائه من خلال   الاخبار والتقارير التي تتناول الاوضاع في عراقنا المبتلي  ومنها وما يواجهه من تحديات ومخاطر سياسية وعسكرية واقتصادية وآمنية  ولعل ابرزها  الذي يصح ان  نبدأ به هو ما جاء في تقرير “هيومن ريتس ووتش ” عن اوضاع النازحين على جسر بزيبز وروايات شهود منهم عن معاناة تفوق الوصف  ويأس لاحدود له فهناك منظر ذلك الابالذي يرفع طفليه بيديه ويلقيهما بالفرات ليقفز بعدهما ومشاهد اخرى عن كبار السن واطفال يموتون يومياً من الازدحام والحر والعطش وغيرها ..  اضافة لتصريحات وزير الدفاع الاميركي آشتون كارتر للـ (س أن أن) وغيره من المسؤولين الاميريكيين وغيرهم عن عدم الاستعداد للدخول في حرب طويلة نيابة عن العراق وحديث الحاكم المدني الامريكي السابق للعراق بول بريمر ونصائحه غير المجدية وتناسيه هو وغيره مسؤوليتهم المباشرة عما حصل ويحصل للعراق وكل تلك الخسائر في الارواح والاموال ونزف الدم الطاهر..

لانظن اننا نحتاج الى المزيد من الاحاديث المتناقضة للادارة الاميركية وكل تلك الوعود بالمزيد من الدعم في حين ان الواقع يعكس احباطات وانكسارات  عسكرية وامنية من الظلم ان نحمل مسؤوليتها على المؤسسات العسكرية او الامنية الاخرى ، في حين ان العلة واضحة وتعلن عن نفسها يومياً في ذلك التخبط السياسي واستمرار التصارع الكتلوي الظاهر والمخفي على الثانوي وترك قضايا الوطن من دون حلول ومعالجات واستمرار منهج عدم الثقة والشك والريبة في تعاملات اطراف عملية سياسية اكد اقطابها عجزهم عن ادارتها بالشكل السليم اضافة لما يتبع هذا التخبط من ممارسات خاطئة جرت البلاد والعباد الى منزلقات خطيرة لها اول وليس لها آخر.

اليوم ليس هنالك من عراقي لايرى في معركة المواجهة الكبيرة مع عصابة داعش الارهابية فرصتنا التاريخية لاعادة قطار التغيير الى السكة بعد ان حرفه عنها حفنة السياسيين الطارئيين وامراء الطوائف والحروب ، غير ان هذا يحتاج الى ارادة وايمان وموقف موحد يقفز على الطائفية السياسية المصطنعة ويتطلب صرخة حق بوجه السراق والمنتفعين .. معركتنا مع عصابة داعش الارهابية كبيرة وما حققوه من تمدد هنا وهنالك لم يكن بسبب خبرات قتالية وخطط عسكرية محكمة واسلحة فتاكة وتدريب جيد كما تصور دعاياتهم وهم ليسوا بشراً خارقين ، بل سببه سياسيونا بالدرجة الاولى ومن كل الكتل من دون استثناء ممن اختاروا المحاصصة  وسكتوا عن  قادة غير مؤهلين وتوزيع رتب وتزيينها بشارة الاركان  بالمجان وهو ما نستحق ان ندخل فيه غينس بجدارة وامتياز ..انتصارنا على داعش لايتحقق بصرخات نواب ومسؤولين طائفيين بل بارادة شعب يرفض كل المساومين والكاذبين .. اردة شعب تتحد مع  مسؤول  يقرن القول بالفعل وينظر للعراق كخيمة تتسع للجميع العربي والكردي والتركماني .. المسلم والمسيحي والايزيدي والصابئي خيمة نشعرفيها  جميعاً بالامن والامان وبان القانون سيد الموقف .. عندها يطمئن سعدي يوسف وسواه ويثقون  بان بغداد عصية على  الاعداء  وانها لن تكون يوماً آيلة للسقوط !!