بشأن المنهج السوسيوتاريخي .. تغير العوامل المؤثرة في الأدب
عبدالكريم يحيى الزيباري
الناقد الأكاديمي نوزاد أحمد أسود يعيد قراءة (ثلاثية وادي كفران) للروائي زهدي الداوودي وفق المنهج السوسيوتاريخي، في ثلاثة فصول (الرواية والتاريخ: الخيال والواقع، السرد الروائي ودلالاته الاجتماعية، الحوار والوصف ودلالتهما الاجتماعية) لكن الوصف سرد، والحوار ليس بسرد. السرد/ narrative (الحديث أو الإخبار كمنتج وعملية وهدف وبنية وعملية بنائية لواحد أو أكثر من واقعة حقيقية أو خيالية روائية… وبحسب دانتو وجريماس وتودوروف السرد يجب أنْ يتضمن موضوعاً متصلاً ويُشكِّل كُلاً متكاملاً) جيرالد برنس، المصطلح السردي، ترجمة عابد خزندار، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003، ص145. وفي دليل الناقد الأدبي يتعدى السرد إلى (الأعمال الفنية من لوحات، وأفلام سينمائية، وإيماءات، وصور متحركة، كذلك الإعلانات والدعايات/174). و(السرد قوامه الأساس حكاية، والفرق بين المرويات السردية الشفوية والكتابية، فرق في البنية والأساليب وأشكال التعبير والعوالم المتخيلة) د. عبدالله إبراهيم، السردية العربية الحديثة، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2003، ص7.
في عشرة صفحات من المبحث الثاني من الفصل التمهيدي لكتاب عنوان (حول المنهج السوسيوتاريخي) يدمج د. نوزاد أحمد أسود في دراسته منهجين التاريخي والاجتماعي، يبدأ بالتاريخي (إذْ يقيم التاريخ وعلم الاجتماع علاقات معقدة مصنوعة من الفروقات والمشابهات، وفي حالات كثيرة من الصعب اتخاذ قرار حاسم حول ما إذا كانت دراسة معينة تختص بهذا العلم أو ذاك) . نظرية تلميذه هيبولت تين(هناك ثلاثة عوامل تؤثر في الأدب: العِرق، البيئة أو المناخ، الزمن أو التاريخ. الفن جوهر التاريخ وخلاصته، وهو بالضرورة يعبر عن الحقيقة التاريخية) ، ينتقدها أستاذه سانت بوف (تين لم يتوصل إلى اكتشاف ما هو جوهري في الأدب وهو الأثر الاجتماعي) . بينما يؤكد المنهج الاجتماعي (أنَّ للفن وظيفة اجتماعية والفنان المُشبَع بأفكار وتجارب عصره، قد يدفعه طموحه لا إلى تصوير الواقع وحسب، بل إلى تشكيله وصياغته) . وفي (المدخل: السرد بين الرواية والتاريخ) يقتبس أهم ما جاء من آراء: لوكاش ورينيه ويليك وغولدمان وغيرهم مثل (الرواية التاريخية تعتمد مادة تاريخية، لكنها ليست التاريخ ذاته، كما أنَّها ليست بديلاً عنه… تسير بموازة التاريخ، تتقاطع معه، لكنها في النتيجة ليست هي التاريخ نفسه) . (الرواية هي تاريخ مَنْ لا تاريخ لهم) . حرية الروائي في توظيف الحقائق التاريخية هل تصل إلى درجة قلبها؟ إذا كان المؤرِّخ يسرد ما وقع، فإنَّ الروائي يحكي ما يمكن حدوثه، لكن لماذا إذن (يُوجَّه نقد لاذع إلى تولستوي لأنَّهُ يقول في روايته الحرب والسلم أنَّ نابليون أمسك أذن السفير الروسي بقوة، في حين تفيد الحقائق التاريخية أنَّ القيصر الروسي هو الذي أمسكَ أذن السفير الفرنسي بقوة/ نوزاد- ص51)؟ كما أنَّ المؤرخ ملتزم بالتتابع الزمني للأحداث، بينما الروائي منفتح على أزمان القارئ والراوي والكاتب، بسطر واحد يتقدم قرناً أو يتأخَّر.
ثمَّ يبدأ النَّاقد بتحليل رواية زهدي الداوودي(أطول عام) التي تبدأ بوصول ثلاثة فرسان غرباء معهم أمر من الباب العالي إلى وادي كفران بتحديد أراضي العشائر الكردية وتمليكها إلى رئيس العشيرة مقابل تأمين ضريبة العشر وسبعة رجال يتطوعون في الجيش العثماني. حيث كانت (القبائل ترى الحكومة رمزاً للضريبة والسوط والسجن والخضوع والقهر، العصبية القبلية تحل محل الدولة وتقوم بوظيفتها… كانت الحكومة بالنسبة رمزاً يستحق الازدراء والعصيان) . كانت الحكومة رمزاً للفساد، حيث تجبى الأموال بالقوة من الفقراء الذين يزدادون فقراً وتساق إلى الاستانة لبناء القصور والأثاث الفخم! وهكذا كان أهالي وادي كفران يخفون المحصول تحت الأرض، ويخفون أبناءهم في الجبال هربَاً من التجنيد. وحين تضطرب الأوضاع السياسية في استنبول، يبدأ أهالي وادي كفران بشراء الأسلحة. الشيخ زوراب يرسل حفيده رستم إلى كركوك لأغراض الدراسة. ويمضي الناقد مع أحداث الرواية، شارحاً أو معلِّقاً على الأحداث التاريخية السياسية المُصاحبة كإطار يتحكَّم في حياة الناس البسطاء، ونشأة جماعة الاتحاد والترقي ومؤتمرهم السري في باريس 1902 ورفع شِعار الحرية والأخوة والمساواة، والانقلاب على السلطان عبدالحميد الثاني 1908، وإجباره على العمل بالدستور ثم انقلاب الأخير على مدحت باشا وعزله ونفيه خارج البلاد، ثم قرروا خلع السلطان الذي وافق تحت الضغوط الشعبية والسياسية والعسكرية والقوة الكبيرة التي بلغها جماعة الاتحاد والترقي والدعم الدولي. ولأنَّ أحداث الرواية تدور كلها في عامٍ واحد، وهو العام الذي تحالفت فيه سبع عشائر ضد قوات السلطان عبدالحميد وانتصرت عليه، وهو عام التحالف وعام دراسة رستم وعام الخير والبركة وعام الاتحادجيين، رغم كلِّ هذه الأحداث يرونه (عام يمضي ببطء شديد، يمشي بخطوات سلحفاة/ ص79). في الرواية الثانية (زمن الهروب) تبدأ الأحداث بعام 1909 عام المشروطية، وبداية العهد الملكي في العراق، لتبدأ رواية (تحولات) بموت رستم أفندي 1955، لتبدأ الأحداث مع زوراب ابن رستم الذي يزاول العمل السياسي، منتمياً إلى راية الشغيلة أحد أجنحة الحزب الشيوعي العراقي، ويفرح زوراب بثورة 1958 لكنه بعد ذلك ينصدم بأنَّ أجهزة الأمن التي كانت تخدم الرؤوس القديمة صارت أكثر قسوة وهي تخدم الرؤوس الجديدة! ويفوت الناقد كما فات الروائي أنَّ يوم الثامن من شباط 1963 كان يوم جمعة وصادف اليوم الرابع عشر من رمضان، وبعد سهرة طويلة، ظلَّ الناس نائمون إلى وقت الضحى، وأقل عدد من الحراس كان موجوداً في مقر وزارة الدفاع حيث يبيت قاسم، بحسب مذكرات الكثير من الذين عاصروا تلك الأحداث (زوراب كان عليه البدء بالدوام معلما في إحدى القرى القريبة من قصبته في الثامن من شباط بعد الانتهاء من عطلة نصف السنة/ ص119). ويلتحق زوراب بحركة الأنصار الشيوعية مع البيشمركة لكنه ظل ينتقدهم وغير مؤمن بنهجهم، لكنه التزم الصمت أمام (التعالي والغرور والتشبع بالروح البرجوازية الصغيرة/ص122). يقول الناقد نوزاد (عندما بدأنا بمقارنة الرواية بالسيرة الشخصية للمؤلف، وجدنا تطابقاً كبيراً بل وأحياناً صريحاً بينهما/ ص127).



















