برنامج التطعيم الانتخابي.. الطلاء الوطني

توقيع

فاتح عبد السلام

يحاول‭ ‬السياسيون‭ ‬العراقيون‭ ‬المنبثقون‭ ‬من‭ ‬مستنقعات‭ ‬الطائفية‭ ‬وآثامها،‭ ‬أن‭ ‬يمارسوا‭ ‬حيلاً‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬المسميات‭ ‬المقيتة‭ ‬التي‭ ‬البستهم‭ ‬العار‭ ‬وعرّتهم‭ ‬أمام‭ ‬الملايين‭  ‬،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬انهم‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬مضامين‭ ‬تلك‭ ‬المسميات‭ ‬لا‭ ‬أشكالها‭ ‬وبزّاتها‭ .‬

وجوه‭ ‬كثيرة‭ ‬سقطت‭ ‬ملطخة‭ ‬بويلات‭ ‬عقد‭ ‬نازف‭ ‬،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تصر‭ ‬على‭ ‬تكرار‭ ‬محاولات‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬،‭ ‬كونه‭ ‬مشهداً‭ ‬مباحاً‭ ‬،لا‭ ‬قوانين‭ ‬تحكمه‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ينفعه‭ ‬،ولا‭ ‬معايير‭ ‬أخلاقية‭ ‬تسيّره‭ ‬أو‭ ‬تضبطه‭ . ‬مشهد‭ ‬يحتمل‭ ‬وصف‭:‬افعل‭ ‬ما‭ ‬تشاء‭ ‬متى‭ ‬تشاء‭ ‬وكيف‭ ‬تشاء‭ ‬ومع‭ ‬مَن‭ ‬تشاء‭ ‬،لأنه‭ ‬لا‭ ‬رقيب‭ ‬ولا‭ ‬حسيب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الارض‭ ‬المحروقة‭ ‬المنبوشة‭ ‬المنخورة‭ ‬المهتوكة‭ ‬،المسماة‭ ‬‮…‬العراق‭.‬

اللعبة‭ ‬الانتخابية‭ ‬الآن‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬سيمارسها‭ ‬هؤلاء‭ ‬جميعاً‭ ‬من‭ ‬المشارب‭ ‬كافة‭ ‬،‭ ‬هي‭ ‬التطعيم‭. ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬اضفاء‭ ‬طعم‭ ‬معين‭ ‬هامشي‭ ‬الأثر‭ ‬والمذاق‭ ‬على‭ ‬الأطباق‭ ‬الرئيسية‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬القدور‭ ‬الراسيات‭ ‬الثقيلة‭. ‬وهي‭ ‬لعبة‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬مورست‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬توفر‭ ‬فاعلية‭ ‬أو‭ ‬أثراً‭ ‬خادماً‭ ‬لصاحب‭ ‬القصد‭ ‬فيها‭ .‬

والتطعيم‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬حالة‭ ‬تزينية‭ ‬،‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الديكور‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬أمامه‭ ‬المرشح‭ ‬الكبير‭ ‬لتبدو‭ ‬فسيفساء‭ ‬التكوين‭ ‬العراقي‭ ‬من‭ ‬ورائه‭ ‬إطاراً‭ ‬جامعاً‭ ‬لكل‭ ‬العناوين‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والفئوية‭ ‬العراقية‭ . ‬هذا‭ ‬الامر‭ ‬في‭ ‬معناه‭ ‬العام‭ ‬جيد‭ ‬ونافع‭ ‬ومتسق‭ ‬مع‭ ‬الاهداف‭ ‬الوطنية‭ ‬لأي‭ ‬مشروع‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬أصحاب‭ ‬مشاريع‭ ‬التطعيم‭ ‬والتزيين‭ ‬يختارون‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬اشكالها‭ ‬وتتفق‭ ‬في‭ ‬مضامينها‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ -‬السلطوي‭ ‬الأحادي‭ ‬النفعي‭ ‬المنحاز‭- ‬الذي‭ ‬يعشعش‭ ‬في‭ ‬الرؤوس‭ ‬الكبيرة‭.‬

خيارات‭ ‬الوجوه‭ ‬السياسية‭ ‬المحروقة‭ ‬قليلة‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬المساحات‭ ‬التي‭ ‬يحتكرونها‭ ‬بفعل‭ ‬الوصاية‭ ‬الطائفية‭ ‬التي‭ ‬يتمتعون‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬المنتفعين،‭ ‬لذلك‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظة‭ ‬القلق‭ ‬بادياً‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬،لاسيما‭ ‬انهم‭ ‬يتحركون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معرفتهم‭ ‬بالخريطة‭ ‬الامريكية‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭  ‬مع‭ ‬السوق‭ ‬السياسي‭ ‬العراقي‭ ‬،‭ ‬بسبب‭ ‬الغموض‭ ‬تارةً‭ ‬والتناقض‭ ‬تارةً‭ ‬أخرى‭ ‬لدى‭ ‬واشنطن‭ ‬،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬سمعته‭ ‬من‭ ‬لسان‭ ‬سياسي‭ ‬هنا‭ ‬وآخر‭ ‬هناك‭. ‬

معضلة‭ ‬الوجوه‭ ‬المحروقة‭ ‬هي‭ ‬كيف‭ ‬يقنعون‭ ‬الناس‭ ‬بنهج‭ ‬جديد‭ ‬وهم‭ ‬يستخدمون‭ ‬الادوات‭ ‬القديمة‭ ‬المستهلكة‭ ‬ذاتها‭ ‬بل‭ ‬انهم‭ ‬هم‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ . ‬من‭ ‬هنا‭ ‬نراهم‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬وتحت‭ ‬جنح‭ ‬النهار‭ ‬،‭ ‬يندفعون‭ ‬لتجميع‭ ‬وحشد‭ ‬وجوه‭ ‬من‭ ‬الاقليات‭ ‬المضطهدة‭ ‬خاصة‭ ‬للخروج‭ ‬بصيغة‭ ‬برنامج‭ ‬جديد‭ ‬ينادي‭ ‬بالعدالة‭ ‬واعادة‭ ‬الحقوق،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلتفتوا‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬عامل‭ ‬الزمن‭ ‬كان‭ ‬الأقوى‭ ‬وطوى‭ ‬مع‭ ‬النازحين‭ ‬والمهجرين‭ ‬والهاربين‭ ‬والسبايا‭ ‬والجوعى‭ ‬والقتلى‭ ‬والجرحى‭ ‬والمنكل‭ ‬بهم‭ ‬والمهجومة‭ ‬بيوتهم‭ ‬،‭ ‬كلّ‭ ‬الأحلام‭ ‬والأوهام‭  .‬

رئيس التحرير

لندن