ان التاريخ لا يصنع الابطال انما يصنع الابطال التاريخ – عبد الحق العاني

وأخيراً رحل البطل

ان التاريخ لا يصنع الابطال انما يصنع الابطال التاريخ – عبد الحق العاني

فتحت أبواب السماء هذا الصباح لتستقبل احد احبتها لتودعه الجنة بمفهومها الديني والعقلاني فاذا كانت الجنة ليست لفيدل كاسترو فهي ليست قدرا مجيدا ولن يستحقها عظيم فاذا لم تكن مع من ينصر الحق فلمن هي اذن؟ فقليلة هي اللحظات في تاريخ البشرية وهي تودع عملاقا مثل هذا الرجل الذي ليس من باب المبالغة ان يوصف بانه من اكبر رجال القرن العشرين تأثيرا في الناس.. وقليل من الرجال في تاريخ البشرية يشمخ في ان الناس تحصي عليه العيوب لقلتها (كفى المرء نبلا ان تعد معايبه). والتحق كاسترو اليوم بعملاقين من رجال القرن العشرين في العالم الثالث وهم الثلاثة (جمال عبد الناصر ومانديلا وكاسترو) الذي لا يرقى لتاريخهم اخر من جيلهم وحين تعبر القرن سينسى الاخرون ويقرأ اللاحقون كيف اثر هؤلاء كل في دائرته وعالمه تأثيرا غير وجه التاريخ لست اكتب لاحصي محاسن الرجل ودوره انما انعيه للبقية من الثوار في عالمنا العربي (وقليل ما هم) نتعلل بذكره في زمن طغى فيه التخلف والجهل حيث يتقاتل العرب في حرب لم تحسم قبل ثلاثة عشر قرنا. لكن لابد من وقفة عنده لان حياته ودوره جديران بالتأمل فهذا الرجل نقض كثيرا من النظريات السياسية والاجتماعية التي تعارف عليها الناس وقبلوها فقد ولد لعائلة ثرية ونشأ في نعيم لم يكن مألوفا في كوبا الفقيرة والمستغلة من الرأسمالية الامريكية وحصل على تعليم جيد وتخرج طبيبا في خمسينات القرن الماضي وكان بمقدوره ان يعيش مترفا في نعيم كوبا او ان يصبح طبيبا لامعا في الولايات المتحدة لكنه رفض كل ذلك وقرر الثورة على الظلم والاستغلال الذي تمثله الرأسمالية الامريكية. فاثبت ان الثورة لا تقتضي ان يقودها الجياع او المحرومون بل ان الثورة لابد ان تقودها النخبة المتنورة والتي يصعب بيعها وشراؤها؟ فهل عرفنا طبيبا مسلما فعل ما فعله هذا النصراني؟ والذي يقول عنه ادعياء الدين من المسلمين انه كافر وهم يفخرون بالطبيب (مخاتير محمد) الذي تحول الى واحد من اكبر اثرياء ماليزيا في ظل الرأسمال الأمريكي! لقد ثبت كاسترو في ظل اعتى هجمات الرأسمالبة الصهيونية من غزو فاشل ومحاولات اغتيال لا تحصى عددا وحصار مدمر ليس فقط من الولايات اللامتحدة (غضب الله عليها) وانما من اكثر دول العالم عددا ولعقود طويلة وذلك لبلد لا يمتلك من مقومات الثروات الطبيعية الكثير وخرج بعد كل ذاك منتصرا جريحا لكنه رافع الراس وصاحب قرار حين عرضت الصهونية عليه الصلح! ولم يتوقف تأثير كاسترو على شعبه وانما كان لثباته دور مهم جدا في كل القارة الامريكية الجنوبية وقد يعرف الناس العواطف المتأججة التي تدور حول شخصية (جيفارا) لكن القائد الحقيقي للثورة في أمريكا الجنوبية كان فيدل طوال الوقت. ان نجاح الثورات في وسط وجنوب أمريكا وان كان محدودا في بعض الحالات مرده الدرس الناصع في نجاح فيدل كاسترو وثباته. امام جبروت الاستكبار الصهيوني لقد مكن حكم فيدل الوطني الشعب الكوبي ان يدرك حقيقة طاقاته فبنى رغم الفقر والحصار دولة مكنته من ضمان حد ادنى للعيش الكريم مع تطور في مجالات العلم لعل من ابرزها ان الحصار الطبي الذي بلغ حد منع ادوية الأطفال عنه لم يمنع كوبا ان تصبح اليوم في طليعة دول العالم في المجال الطبي حيث يوجد فيها اعلى نسبة أطباء حيث تحتل كوبا مرتبة متقدمة بين دول العالم في نسبة الأطباء للسكان. وكشف فيديل كاسترو مقدرة فائقة على فهم السياسة وقوانينها فهما نفتقر له في عالمنا العربي. فحين ادرك طبيعة الصراع القائم بين معسكرين فانه سخره لصالحه فحصل على ضمانة بوقف الغزو الأمريكي لكوبا فحين جاء بالصواريخ النووية الروسية لكوبا فهو لم يكن جاهلا باستحالة بقائها على بعد 90 ميلا من شواطي عدوه الجبار والمتربص به لكنه ادرك ان ثمنا ما لابد سيدفع لاجلائها وهكذا كان فقد تم اجلاؤها من كوبا بتعهد امريكي بعدم غزو كوبا عسكريا. فهل ادرك قائد في عالمنا العربي حقا معنى السياسة والعلاقات بين الدول؟ عاش فيديل مع الناس واذكر مرة اني رأيته في تسجيل وهو يمشي في شوارع كوبا مع الفرنسي جان كوستو الذي عرف في برنامج (عالم البحار) رأيته يمشي في شوارع كوبا مع كوستو دون حراسة او حماية فكم حاكم عربي يقدر ان يفعل ذلك؟ ان الذي لا يستطيع ان يمشي بين قومه لا يحق له ان يحكمهم لكنه يبدو ان فيديل لم يكن يخشى شيئا لانه لم يعتقد انه كان سيخسر شيئا اذا قرر شعبه انه لا يريده! عاش فيديل ومات ولم يجمع مالا ولم يفتح حسابا مصرفيا في لندن او سويسرا كما يفعل اكثر حكامنا ولصوصنا ولابد لاي مشاهد ان يتعرف بسرعة على بساطة عيشه من ملابسه المتواضعة والتي يبدو فيها وهو يستقبل القادة والثوار.. وحول كاسترو بيت عائلته لمتحف لشعبه وقد يقول قائل انه تمجيد لنفسه وليكن كذلك لكنه مظهر من مظاهر التآلف بين القائد والناس.. وليس عندي شك ان الرجل مات ولم يترك خلفه مالا ولا ثروة. هذه ليست سوى نفئات مصدور لان تاريخ هذا الرجل لا تحصيها صفحات لكني كان لابد لي ان أقول شيئا ادون فيه فخري واعتزازي به وحزني على امتي الضائعة والتي لم تنجب وربما لا تقدر وهي أسيرة فكرها المتخلف ان تنجب مثله.