انهيار المنهار أصلاً

د. فاتح عبدالسلام

لا‭ ‬يوجد‭ ‬شيء‭ ‬مستحيل‭ ‬الحدوث‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بسوق‭ ‬عالمية‭ ‬تتأثر‭ ‬بالحروب‭ ‬والازمات‭ ‬والكوارث‭ . ‬والدول‭ ‬الكبرى‭ ‬كالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬صاحبة‭ ‬احتكارات‭ ‬عظيمة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة‭ ‬ومساراتها،‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تنهض‭ ‬بسرعة‭ ‬من‭ ‬نكسة‭ ‬أصبح‭ ‬فيها‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬لا‭ ‬يساوي‭ ‬شيئاً،‭ ‬بل‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬لكي‭ ‬تبيعه‭ .‬

أمّا‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬كالبقالات،‭ ‬لها‭ ‬دخل‭ ‬يومي‭ ‬لا‭ ‬ظهير‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬سند‭ ‬مثل‭ ‬العراق،‭ ‬فمن‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬ينهار‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬لمح‭ ‬البصر‭ ‬لو‭ ‬تعرض‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬أو‭ ‬انتاجه‭ ‬أو‭ ‬طرق‭ ‬تسويقه‭ ‬لانهيارات‭ ‬عظيمة‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ . ‬فما‭ ‬زال‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬العراقي‭ ‬ضمن‭ ‬أوبك‭ ‬بسعر‭ ‬منخفض‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬معدوماً‭ .‬

هذه‭ ‬مناسبة‭ ‬لنعيد‭ ‬فيها‭ ‬القول‭ ‬انّ‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬عائداته‭ ‬وعدم‭ ‬تركها‭ ‬تذهب‭ ‬سدى‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬الاستهلاك‭ ‬اليومي‭ ‬للرواتب‭ ‬ومصاريف‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الترشيد‭ ‬والتقشف‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬الكلام‭  ‬أو‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬معينة‭ .‬

التفكير‭ ‬بحماية‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬شأناً‭ ‬محلياً‭ ‬غير‭ ‬دولي‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الايام‭  ‬،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬عملية‭ ‬انتاج‭ ‬النفط‭ ‬كافية‭ ‬لقيام‭ ‬صناعات‭ ‬محلية‭ ‬وسد‭ ‬الحاجة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬لجميع‭ ‬مجالات‭ ‬العمل‭ ‬والحياة‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬،‭ ‬وجعل‭ ‬الاستثمار‭ ‬النفطي‭ ‬هو‭ ‬مصدر‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬لمساندة‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية‭ ‬ومواجهة‭ ‬التضخم‭ ‬وليس‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬المجرد‭ .‬

الى‭ ‬متى‭ ‬يبقى‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مصاف‭ ‬للنفط‭ ‬بعد‭ ‬تدمير‭ ‬مصفاة‭ ‬بيجي‭ ‬العملاقة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬نهب‭ ‬المصفاة‭ ‬وبيعها‭ . ‬وهل‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يعجز‭ ‬البلد‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬المصافي‭ ‬ويستورد‭ ‬المشتقات‭ ‬النفطية‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬نظل‭ ‬نقول‭ ‬انه‭ ‬بلد‭ ‬نفط‭ ‬؟‭ ‬

ما‭ ‬أكثر‭ ‬المشهد‭ ‬تعاسة،‭ ‬بلد‭ ‬نفطي‭ ‬ليست‭ ‬فيه‭ ‬صناعة،‭ ‬ويستورد‭ ‬المشتقات‭ ‬لتوليد‭ ‬الطاقة‭ ‬الكهربائية‭ ‬والاحتياجات‭ ‬اليومية‭ ‬للناس‭. ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬سنطوي‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬لفترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحصار‭ ‬على‭ ‬البلد‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬نستطيع‭ ‬مواجهة‭ ‬استحقاقات‭ ‬الافادة‭ ‬من‭ ‬ثروة‭ ‬النفط‭ ‬للبناء‭ ‬والاعمار‭ ‬وتأسيس‭ ‬القاعدة‭ ‬الصناعية‭ ‬لجيل‭ ‬مقبل‭ ‬قد‭ ‬يرى‭ ‬النور‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬النفق‭ ‬بدلاً‭ ‬عنّا‭ ‬؟

رئيس التحرير- الطبعة الدولية

fatihabdulsalam@hotmail.com