الوزير المتظاهر أم الوزير الشاعر؟

د حسين القاصد

 

عشرات‭ ‬المقالات‭ ‬والمنشورات،‭ ‬انتشرت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الأزرق‭ ‬دعما‭ ‬لأحد‭ ‬الشعراء‭ ‬لتسنم‭ ‬منصب‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة؛‭ ‬وقد‭ ‬انقسم‭ ‬كتاب‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬على‭ ‬صفة‭ ‬المرشح‭ ‬التي‭ ‬تؤهله‭ ‬لقيادة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة؛‭ ‬فمنهم‭ ‬من‭ ‬رشحه‭ ‬شاعرا‭ ‬أقام‭ ‬مهرجانا‭ ‬لدورتين‭ ‬ونجح‭ ‬فيه‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬رئيسا‭ ‬لاتحاد‭ ‬محافظته؛‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬رشحه‭ ‬لأنه‭ ‬ناشط‭ ‬مدني‭ ‬خرج‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬لإصلاح‭ ‬العملية‭ ‬السياسية؛‭ ‬وكلاهما‭ ‬على‭ ‬صواب‭ ‬وله‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬دعمه‭ ‬وترشيحه‭. ‬لكن،‭ ‬دعونا‭ ‬نناقش‭ ‬الصفتين؛‭ ‬فأما‭ ‬الشاعر‭ ‬ورئيس‭ ‬الاتحاد‭ ‬الفرعي‭ ‬وصاحب‭ ‬المهرجان‭ ‬الناجح‭ ‬بدورتيه،‭ ‬فهو‭ ‬يستحق‭ ‬الدعم‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬الداعم‭ ‬للمهرجان‭ ‬الناجح‭  ‬عالم‭ ‬الشعر‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬محافظ‭ ‬النجف‭ ‬السيد‭ ‬عدنان‭ ‬الزرفي‭ ‬أيام‭ ‬مشروع‭ ‬النجف‭ ‬عاصمة‭ ‬الثقافة‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬وهنا‭ ‬نقف‭ ‬قليلا‭ ‬لنراجع‭ ‬حالة‭ ‬مشابهة‭ ‬تماما،‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬شاعر‭ ‬كبير‭ ‬هو‭ ‬الدكتور‭ ‬حامد‭ ‬الراوي‭ ‬وأعني‭ ‬مهرجان‭ ‬بغداد‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬أقامه‭ ‬الراوي‭ ‬ايام‭ ‬بغداد‭ ‬عاصمة‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬ونجح‭ ‬أيما‭ ‬نجاح‭ ‬وكان‭ ‬وقتها‭ ‬مستشارا‭ ‬لوزير‭ ‬الثقافة؛‭ ‬وقد‭ ‬توقف‭ ‬المهرجان‭ ‬للأسباب‭ ‬نفسها‭ ‬وهي‭ ‬اختفاء‭ ‬الدعم‭. ‬ومثلهما‭ ‬فعل‭ ‬كاتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬وأقام‭ ‬مهرجان‭ ‬هنا‭ ‬العراق‭ ‬تحت‭ ‬ازيز‭ ‬الرصاص‭ ‬واشترك‭ ‬فيه‭ ‬جمع‭ ‬غفير‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والفنانين‭ ‬عراقيين‭ ‬وعربا‭ ‬وافدين؛‭ ‬وامتلأ‭ ‬المسرح‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬افتتاحه‭ ‬لدورتين؛‭ ‬وزار‭ ‬المشاركون‭ ‬موقع‭ ‬مجزرة‭ ‬سبايكر‭ ‬لكن‭ ‬توقف‭ ‬المهرجان‭ ‬لاختفاء‭ ‬الدعم‭ ‬أيضا‭. ‬صار‭ ‬لدينا‭ ‬ثلاثة‭ ‬شعراء‭ ‬أقاموا‭ ‬ثلاثة‭ ‬مهرجانات‭ ‬استمرت‭ ‬لدورتين‭ ‬ثم‭ ‬انتهت‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الدعم‭. ‬الآن،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تساوى‭ ‬لدينا‭ ‬النجاح‭ ‬الإداري‭ ‬لثلاثة‭ ‬شعراء،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يرشح‭ ‬لوزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬ولم‭ ‬تنضج‭ ‬حملة‭ ‬لدعمه‭ ‬وهو‭ ‬د‭. ‬حامد‭ ‬الراوي،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬ظهر‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬القوائم‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬ونفى‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬وأعني‭ ‬كاتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬التقى‭ ‬السيد‭ ‬الكاظمي‭ ‬لكن‭ ‬رفضته‭ ‬الكتل‭ ‬السياسية‭ ‬وأعني‭ ‬الذي‭ ‬أقيمت‭ ‬حملتان‭ ‬إحداهما‭ ‬لدعمه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رفضته‭ ‬الكتل‭ ‬السياسية‭ ‬والثانية‭ ‬لتسقيطه‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يثق‭ ‬به‭ ‬وزيرا؛‭ ‬صار‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نناقش‭ ‬وضع‭ ‬الأخير‭ ‬بهدوء‭ ‬تام‭ .‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬ترشيحه‭ ‬نابعا‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬بادارته‭ ‬فقد‭ ‬طرحنا‭ ‬مثالين‭ ‬متشابهين‭ ‬له؛‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬ترشيحه‭ ‬حبا‭ ‬بشعره‭ ‬فكاظم‭ ‬الحجاج‭ ‬وطالب‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬لم‭ ‬يرشحا‭ ‬حتى‭ ‬لاتحاد‭ ‬أدباء‭ ‬البصرة؛‭ ‬ولعل‭ ‬الأول‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رئيسا‭ ‬لاتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬العرب‭.‬أما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ترشيحه‭ ‬لأنه‭ ‬ناشط‭ ‬مدني‭ ‬ومتظاهر‭ ‬فعلينا‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬انه‭ ‬لم‭ ‬ينزل‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬الرفض‭ ‬الا‭ ‬بعد‭ ‬غياب‭ ‬السيد‭ ‬الزرفي‭ ‬عن‭ ‬مصدر‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬الاشرف،‭ ‬بعد‭ ‬اعفائه‭ ‬من‭ ‬منصب‭ ‬المحافظ،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬تحديدا‭ ‬تحول‭ ‬الموظف‭ ‬الجامعي‭ ‬حامل‭ ‬شهادة‭ ‬البكالوريوس‭ ‬إلى‭ ‬متظاهر‭ ‬وواصل‭ ‬دراسته‭ ‬ليحصل‭ ‬على‭ ‬الماجستير‭. ‬هنا‭ ‬تحديدا‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬كيف‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نجبر‭ ‬ساسة‭ ‬رفضوا‭ ‬المحافظ‭ ‬الداعم‭ ‬للشاعر‭ ‬المرشح‭ ‬؛‭ ‬وكيف‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نجبر‭ ‬الساسة‭ ‬على‭ ‬التصويت‭ ‬لمن‭ ‬خرج‭ ‬عليهم‭ ‬واتهمهم‭ ‬بالفساد‭ ‬والان‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬معهم؟

إذا‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬شاعر‭ ‬لوزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬فماذا‭ ‬عن‭ ‬أجود‭ ‬مجبل‭ ‬الذي‭ ‬نزل‭ ‬للساحات‭ ‬بقصائده‭ ‬وفاز‭ ‬بجائزة‭ ‬الإبداع‭ ‬للعام‭ ‬الماضي‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‭ ‬دون‭ ‬توثيقها‭ ‬شعرا‭. ‬علينا‭ ‬التحلي‭ ‬بالهدوء‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬العاطفة‭ ‬لكي‭ ‬نتمسك‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة؛‭ ‬فكيف‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نصالح‭ ‬الشاعر‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬خرج‭ ‬عليهم‭ ‬لكي‭ ‬يصوتوا‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رفضوه‭ ‬حين‭ ‬طرح‭ ‬اسمه‭ ‬السيد‭ ‬الكاظمي‭.. ‬تعالوا‭ ‬إلى‭ ‬فريق‭ ‬ثقافي‭ ‬واحد‭ ‬يمثل‭ ‬ثقافة‭ ‬البلاد‭ ‬بكلمة‭ ‬واحدة‭ ‬ولنبتعد‭ ‬عن‭ ‬الشخصنة‭ ‬والمصالح‭ ‬الضيقة‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬ننشغل‭ ‬بالتسقيط‭ ‬فيما‭ ‬بيننا‭ ‬وتضيع‭ ‬منا‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭. ‬ولا‭ ‬أشك‭ ‬في‭ ‬حرص‭ ‬أي‭ ‬مثقف‭ ‬حقيقي‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬البلاد؛‭ ‬لكن‭ ‬لنتجنب‭ ‬العواطف‭ ‬قليلا‭ ‬؛‭ ‬لاسيما‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬هي‭ ‬حكومة‭ ‬تمهيد‭ ‬وعمرها‭ ‬قصير‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬تنفيذ‭ ‬مطالب‭ ‬المتظاهرين‭.‬