الوجه المبتسم
زبيدة جلال
إستيقظت فزعة كان صوت المنبه يصرخ في أذني نظرت الى الساعة؛إنها السابعة الاربع لقد تأخرت كثيرا سيأتي الباص بعد نصف ساعة ليقلني الى الشركة وانا مازلت تحت مفعول المنوم فقد تناولت قرصين ليلة البارحة لشدة ألم رأسي الذي لا يتركني وشأني،عمل متواصل في الشركة موظفين عملاء اضافة الى ان الاوضاع الامنية متأزمة،حياتنا مملة اصبحنا لا نمارس فيها غير التشاؤم….
أخذت حماما دافئا على عجل وارتديت ملابسي حملت حقيبتي ثم نادتني امي بعد ان أعدت لي الفطور فشربت قدح الشاي وخرجت بسرعة….
في الطريق حياني ذلك الرجل المبتسم بإبتسامته المعتادة التي يحيي بها المارة؛رفعت يدي لأحييه فهز رأسه ردا للتحية…..
ذلك الرجل لطالما أثار تساؤلاتي فكم هو متفائل على الرغم من إنه مقعد على كرسي الاعاقة منذ سنتين بعد ان صدمته سيارة عند عودته من العمل فقد كان عامل خدمة في أحدى المدارس قيل ان صاحب السيارة كان يقودها بسرعة كبيرة اضافة الى جارنا يعاني صعوبة في السمع…
ركبت الباص بعد ان اجتزت شارع الابتسامات التي ينثرها الرجل على كل من هب ودب، وصلت الشركة وكالعادة يوم مليء بالالتزامات والمشاغل،عدت في المساء دخلت شارعنا فاستقبلني ذلك الرجل بأكاليل الابتسامات اليومية حييته ودخلت المنزل….
في أحد الايام صعقت بخبر وفاة ذلك الرجل سفير الابتسامات الوديعة البريئة المليئة بالبهجة والنقاء…
لم تعد هنالك إبتسامات مترقبة مودعة في الصباح ومستقبلة في المساء يهديها لجميع المارة ولا يفرق بين احد منهم…
بدأت اشعر ان كل الضحكات بعد رحيله بكاء فأغلبها تخفي حزنا لاتقوى على حمله الجبال،اصبح شارعنا عاريا من حديقة كانت تكسوه ازهارا فقد اصبح خواء بلا الوان لكننا لم نكن نشعر بجمالها….
قررت ان اذهب الى بيتهم لاعزي زوجته وبناته،طرقت الباب فاستقبلتني ابنته وطلبت مني ان اجلس في صالة الضيوف،تجولت ببصري في أرجاء المكان فلفت انتباهي وجود مكتبة صغيرة امامي، عرفت من ابنة ذلك الرجل انها تعود له فكانت مفاجأة لم استطع معها ان انطق بكلمة واحدة وكأنني اصبت بالخرس عن الكلام….. اصطحبتني الى المكتبة فدهشت من كثرة الكتب والمجلات والصحف لم أتوقع يوما ان ذلك الرجل يملك هذا الكم الهائل من الكتب لمختلف المجالات الثقافية من دواوين شعرية روايات قصص وكتب نقدية وفلسفية وعلم النفس و الاجتماع وقد قرأها جميعا كما قالت ابنته…رأيت على الطاولة قصائد نثرية عرفت من ابنته ان والدها قد كتبها قبل وفاته بثلاثة ايام،حينما قرأتها شعرت ان تلك الابتسامة تلف كلماتها وتفصح عن مكنوناتها كلمات ازهار ربيع وحياة غير هذه الحياة التي نعيشها نحن أيعقل ذلك؟! هل هذا هو العالم الذي كان يعيش فيه هذا الرجل المقعد البسيط الهادئ يملك هذه الثقافة الهائلة؟! اين نحن منه كنا نظنه مجنونا…
إذن تلك الابتسامة كانت رمزا لعالم كنا نجهله!
ياالهي ما اجمل ماعلمناه عن ذلك الرجل وما اعظم ما لم نكن نعلمه…..


















