الهم الإجتماعي‮ ‬وتأثير الواقع السياسي‮ ‬- نصوص – سمير الخليل

الهم الإجتماعي وتأثير الواقع السياسي – نصوص – سمير الخليل

 

((تراتيل العكاز الأخير)) للقاص والروائي محمد علوان جبر، مجموعة قصصية صادرة عن دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع بطبعتها الأولى عام 2015م، وهي المجموعة القصصية الخامسة للكاتب التي جاءت بعد ثلاث مجموعات قصصية ورواية، حملت الأولى منها العنوانات الآتية: (تماثيل تمضي.. تماثيل تعود، تفاحة سقراط، شرق بعيد)، في حين جاءت الرواية بعنوان (ذاكرة أرانجا).

تقع المجموعة القصصية في 104) ) صفحات وقد ضمَّت 13)) قصة، اتخذت عنواناً مستلاً من إحدى قصصها، هي القصة التي جاءت في المرتبة الثالثة بحسب الترتيب القصصي، وقد تفاوتت القصص في عدد صفحاتها، إذ وقعت أصغرها في صفحتين، في حين شغلت أكبرها 14) )صفحة، وهذه القصص هي كالآتي:

ضوء أزرق أسفل الوادي/ تراتيل العكاز الأخير/ صهيل العربة الفارغة/ أغنية قديمة/ انقلاب/ ملاذات طالب العجيبة/ دخان المظلة/ الأوبتيما الزرقاء/ سراعا تمضي السحب/ غبار حلم آخر/ جسر الملائكة/ مطربلون الرثاء.

تتميز مجمل العنوانات بصياغة شعرية ذات ايحاءات موجهة للنص القصصي وتوحي بحرص القاص على اختيار العنوان إذ تدور جميع القصص المذكورة حول ثيمة واحدة تلخصها كلمة (الحرب)، الحرب وما خلفته من آثار حفرتها الذاكرة على ذاكرة من صخرٍ يأبى النسيان، وتداعيات تركت بصمتها على النفس العراقية بكل ما فيها من دلالات سلبية انطوت تحت دوائر (الموت- الفقر والعوز- الخوف والهلع- الاستلاب- الانسحاق الطبقي… الخ). تلك الحروب التي يقول عنها الكاتب على لسان إحدى شخصياته وهو يخاطب زوجة صديقه (الأرملة) في قصة (تراتيل العكاز الأخير) قائلاً:

((حروب بلا معنى سيدتي.. كنا نحن وأنتن ضحاياها))

إنها قصص ولدت من رحم الواقع، ومن صميم المعاناة، التحمت فيما بينها لتشكل بمجملها قصة واحدة حملت أفكار كاتبها ورؤاه إذا اتخذها وسيلة لنقل الواقع والتعبير عنه بطريقة فنية أي النقل الحرفي أو الفوتوغرافي بقدر ما هو استلهام الواقع لتصور الألم والبؤس الذي عاشه وما زال يعيشه الإنسان العراقي- من جميع شخصيات القصص المتخيلة- مقابل بحث تلك الشخصيات عن تعويضات لما تكبدت من خسارات، وعن مواطن وملاذات آمنة تداري بها ما أصابها من انكسارات وخيبات مريرة متكررة. وهذا ما سيتضح بعد المضي في دراسة قصص المجموعة. تبدأ المجموعة القصصية بقصة (حفارو الخنادق) التي يهديها الكاتب للشاعر العراقي (عبد الزهرة زكي) كما جاء في التعليق الذي تصدَّر الصفحة الأولى، وقد وقعتْ في صفحتين بدت فيها أقرب إلى كونها عنصراً استهلالياً افتتح بها الكاتب مجموعته التي يعلن بوساطتها عن انطلاق الحرب وذلك بالتمهيد والاستعداد لها..

والراوي فيها (مجهول الاسم) من النمط الداخلي، لأنه يروي قصة يشارك فيها مع تسعة جنود (مجهولي الاسم) أيضاً ليمثلوا كل الجيش العراقي بضمير الـ (نحن)، إذ يتحدث عن انضمامه مع الجنود إلى وحداتهم الجديدة حتى يأتي ذلك الضابط الذي يطلق عليه صفة (الأمرد القصير) ليخبرهم أن الحرب قادمة، فيقابلون ذلك الخبر بصورة مضحكة:

((أي حرب يعني هذاالأمرد القصير؟!))

ومن ثم يطلب من العريف (الأسمر) أن يناولهم المجارف والمعاول والبنادق، كي يتهيؤا للحرب التي غطتهم كغيمة سوداء حتى أسقطتهم واحداً تلو الآخر لتكون تلك الخنادق التي حفروها قبوراً لهم. وبهذا نلحظ أن العنوان حمل بذرة استباقية تحيل القارئ إلى ما سيتم تناوله، وهي سمة وسمتْ مجمل قصص المجموعة، إذ حملت عنوانات موحية لمادة المحتوى أو المضمون فما يمكن أن نعدها جميعاً بمثابة استباقات اعلانية تنبه القارئ على ما سيتم تناوله لاحقاً، على الرغم من أنه لا يكتشف ذلك إلا بعد أن يبدأ بالقراءة ويطلع على ما تم الاعلان عنه.

ضوء ازرق

أما القصة الثانية (ضوء أزرق أسفل الوادي)، فتقع في 11)) صفحة وتتناول كيفية ترجمة الراوي (مجهول الاسم) لدفتر كان قد عثر عليه أخوه (فخري) في ملجأ إيراني بعد احتلاله من قبل القوات العراقية.

والقصة المذكورة من القصص التي تبقى عالقة في ذهن القارئ، نظراً لما فيها من ابتكارات وتنويعات من حيث استعمال الكاتب لتقنيات سردية متنوعة ولاسيما (ما وراء السرد) الذي يعدّ مما بعد الحداثة، واعتماد أسلوب بنائي مشوق، فضلاً عن تعدد مستوياتها السَّردية. إذ يتخذ الراوي دور المترجم على مستوى السَّرد الأول، وهي طريقة اعتمدتها الكثير من القصص والروايات التي تقوم على أساس وجود مخطوط أو مذكرات قديمة يعمل الراوي على ترجمتها أو نشرها والتعليق عليها بعد أن يتم العثور عليها بطريقة أو بأخرى. وهي الطريقة التي انتهجها الكاتب في قصته، إذ يمعن في إيهام القارئ بحقيقة ايجاد الدفتر عن طريق الراوي الذي يقص لنا كيفية إيجاده، وحالته، وما سيتم عمله، فضلاً عن وصفه لبعض كلماته التي أُزيلت بفعل القصف أو التي يصعب عليه فهمها، وإشارته كذلك إلى الطريقة التي اعتمدها كاتب سطور الدفتر الفتى الايراني (غلام رضا أكبري) عن طريق المزاوجة بين الكتابة والرسوم، وكأن الغلام رسم افكاره كما يقول الراوي في الصفحة (16):

))كأن صاحب الدفتر يترجم ما يكتب بالرسم، أو ربما يرسم ومن ثم يكتب ما يرسمه….)).

وما وراء السرد تقنية روائية سحبها بعض القصاصين إلى القصة القصيرة وأجادوا فيها وتلك ميزة تسجل لبعض العراقيين ومنهم محمد علوان جبر، أما (فخري) فيمثل المستوى السَّردي الثاني الذي يتدخل أحياناً بشرح أو بتعليق أو استرجاع أو حتى باستغراب مما تم تناوله في الدفتر، وتشمل المقاطع التي تضمنها الدفتر مستوى سردياً ثالثاً، إذ جاءت بأسلوب ذاتي وبضمير المتكلم لتعرض ما كتبه (غلام) لمحبوبته وهو في الجبهة وقد وضعه الروائي باللون الغامق كي يميزه عن باقي الخطابات.

وترصد تلك المقاطع جميع الجوانب الإنسانية والروحية والحسية لذلك الفتى وهو يصف لحبيبته كل المشاعر المتناقضة في ظل أجواء الحرب: ((“حبيبتي…. لا شيء أقسى من الحرب”… أكاد أسمع نبضات قلبك… أحسك أقرب إليّ من وحشة الجبل، المرارات كلها تجتمع هنا، هم يقصفون، ونحن نقصف… هكذا إلى ما لا نهاية…..))

ولعل مشهد قتل الضابط (مهران) لذكر الأفعى وهو يمارس الحب مع أنثاه في الجبل من أهم المشاهد التي رصدتْْ لنا صورة حية أو ناطقة وصفها الكاتب بعبارة قال فيها على لسان الراوي: ((… الطبيعة وسط قسوة الجبل تمارس قصتها الأزلية…))

ومهران هنا هو هاجس الموت والارتواء والدماء، وهذا ما يجسد ثنائية مفارقة عمد الكاتب إلى تثبيتها تمثلها ثنائية (الحب/ الموت).

ومما يجدر الإشارة اليه هو أن تلك القصة تضمن بعض الاسترجاعات والحذوف التي وردت في الصفحات (9- 17- 18 18-. (19 ولكنها وقعت جميعاً على المستويين الثاني والثالث، نظراً لما في القصة القصيرة من سمات التكثيف والإيجاز، وأخيراً تنتهي القصة ببقاء (فخري) منتظراً أن يرى صاحب الدفتر، مفكراً في مشاعره وما يفعله الآن.

أما القصة الثالثة (تراتيل العكاز الأخير) فتقع في ثماني صفحات، وهي القصة التي استل الكاتب منها عنواناً لمجموعته القصصية –كما سبق الذكر- فكانت من القصص التي تستحق تسليط الضوء عليها أيضاُ، إذ تدور أحداثها حول رجل (مجهول الاسم) وهو بطل القصة الذي يطلب من الأرملة أن تمنحه ساق زوجها المتوفى الاصطناعية، التي احتفظت بها بعد رحيله وقد أمضى سنوات طويلة من عمره وهو يتعكز عليها بعد أن فقد ساقه في الحرب وهذا ما يتم تناوله عن طريق زوجه (الأرملة) التي تروي قصتها الخاصة، ولذا فهي تنتمي إلى الراوي من النمط المتماثل قصصياً (ذاتي القصة))، إذ تسترجع عن طريق استرجاع (خارجي) عند (مونولوج داخلي) لحظة موت زوجها قبل سنة، وكيف قضت الليالي من بعده وهي متعلقة بالساق الاصطناعية، الشيء الوحيد الذي تبقى منه قائلة: ((… تذكرت اللحظة التي نُزعت فيها الساق اليسرى من الجسد المسجى، حدث ذلك قبل سنة، يومها أمضيتُ الليلة الأولى والليالي الأخرى التي أعقبت رحيله، وأنا أمسك الشيء الوحيد المتبقي منه، كنت أشعل الشموع واركن طرف الساق اليسرى دون أن أنزع الحذاء الجلدي الأسود الذي كنت أديم مسحه جيداً قبل أن أجلس قبالة الشمعة والساق… أخرج صوراً تضمني وإياه قبل عوقه وبعده…)) وتلك الساق تعني بالنسبة للرجل (صديق الزوج) الكثير، إذ تحمل معاني إنسانية كثيرة وكأنها تربطهم بماضيهم وذكرياتهم: ((…نكوم السيقان والأذرع الصناعية تحت الشجرة… نعرضها تحت الضوء، نجلس حولها نحدثها وتحدثنا… ربما كان بعضنا يسمع البعض الآخر… أقول ربما… لا تستغربي، ولا تقولي إنني مجنون… صدقيني نكاد نشم رائحة الدخان الذي يتصاعد من الأماكن لتي تتزلزل فيها الأرض، وكيف كنا نتطاير قبل أذرعنا وسيقاننا، نبقي الأطراف ففي هذا المكان العام “والذي يعرفه كل من فقد ذراعاً أو ساقا”، ونقدمها مجاناً إلى من يحتاج إلى طرف ليسير…)).

وتلك الاسترجاعات لم تعمد إلى خلخلة الزمن بقدر ما هي وسيلة لإخبار القارئ بمعلومات سابقة تساعده على فهم اللحظة الحاضرة. وأخيراً تقرر المرأة أن تتبرع بطرف زوجها للرجل، فإذا به تقودهُ الساق يومياً إلى بيتها، وبالمقابل فإن المرأة تحمل الرغبة ذاتها، وهذا ما يوضحه قولها:

((ما الضير في أن يقودك الطرف إلى بيتي كل يوم!!)).

فالمشاعر والاحتياجات والرغبات تتلاقي فيما بينها وتتوحد، إذ تحاول الزوجة التعويض عن فقدان زوجها، والصديق عن فقدان رفاقه بتلك الساق الاصطناعية التي اتخذاها كحلقة وصل تربطهما بماضيهما وذكرياتهما السابقة، ولهذا كان كل منهما ملاذاً للآخر.

وقد استغرقت قصة (صهيل العربة الفارغة) ست صفحات، دارت أحداثها حول جندي (مجهول الاسم) يتولى عملية القص فيها رادوٍ من النمط (الخارجي) كونه لا يشارك في القصة التي يقدمها، وهو من النمط (المتباين قصصياً) لأنه يقص قصة لا تمت له بصلة تتعلق بالتحاق ذلك الجندي الذي يعيش في حالة من الملل وكأنه يمارس طقوساً آلية مفروضة عليه، طقوس متكررة، فلا يملك إلا أحلام يقظة، إذ يحلم بمجيء فتاة جميلة تجلس بجانبه فتقاسمه طعامه حتى تنتهي الأحداث بقراره العودة مع القطار العائد إلى منطقة العلاوي، والعودة هي رغبة في السلام وترك الحرب.

ويقص الراوي (الخارجي) بضمير الغائب قصة (يوسف) لاعب البوكر في النظر إلى الصور الفوتغرافية، وهو ما يزال يعيش أحلام الطفولة والبراءة، فيتساءل عن معنى كلمة انقلاب عبر (مونولوج داخلي) بعدما رأى عدداً من الرجال يركبون جياداً أو يحملون مسدسات فيخبره أبوه أن انقلاباً يجري:

((ماذا كان يعني أبي بكلمة أنقلاب…؟ ما معنى انقلاب، فكر فيما كان يهم بأن يمد يده ليرى الصورة ورقمها، بقي منغمساً بالفكرة وهل لها علاقة باللاندروفر السوداء التي وقفت لصق باب بيتهم…)). لتنتهي الأحداث بمشهد القبض على أبيه من لدن أولئك الرجال، وعندها يعرف ما المقصود من كلمة إنقلاب، والقصة هنا تنضم إلى بقية القصص الأخرى التي دارت حول الحرب في تصويرها كيفية إلقاء القبض على بعض المتهمين ورميهم في المعاقل السياسية.

وتنتهي قصة (ملاذات طالب العجيبة) التي شغلت مساحة نصية بلغت (10) صفحات إلى قصص المجموعة المتميزة من حيث الفكرة والموضوع أو الثيمة التي أراد الكاتب تثبيتها، ولاسيما على مستوى الشخصية الرئيسة (طالب) لما يحمله من متناقضات وصراعات داخلية، وهو رجل غريب الأطوار، يعاني من ظروف قاسية وويلات من جراء الحرب التي صيرته إنساناً عاطلاً:

((كل نساء الحي يدركن المرارة التي كان يذيقها لأم مشتاق كل يوم، خاصة بعد أن لفظته الحرب بأجهزة عاطلة تماماً، بدءاً من أذنيه اللتين أصمهما الانفجار القريب الذي قطع أوصال من كانوا قريبين منه وصولاً إلى كل أعضاء جسده، بما فيها أجهزة ذكورته، كان يعيش أيامها لوثة هذياناته القوية التي عرفنا منها ما فيه إذ كان يجهر بصوته القوي أنه عاطل)).

ولهذا يتخذ نمطاً معيناً من الحياة، يخرج في الساعات التي سبق الفجر بدراجته الهوائية بعد أن يربط كيس البلاستيك الملوّن على المقعد الذي خلفه كي يجمع من الأماكن التي تُلقى فيها النفايات قطع الحديد ويعود إلى بيته مساءً.

نمط مشارك

وهذا ما يقدمه لنا راوٍ (مجهول الاسم) من النمط المشارك، ولكنه لا يروي قصته الذاتية وإنما قصة هو شاهد فيها، يتولى عملية القص ويقدم بعض المعلومات عن ماضي البطل وحياته السابقة عن طريق مجموعة من الاسترجاعات وردت في الصفحات (47- (48 (49-50) (52-54) مما يسهم في اعطاء القارئ مساحة كافية على فهم مستجدات الحاضر. مع ملاحظة أن كل الاسترجاعات الواردة في القصة هي من النمط (الخارجي/ التكميلي) نحصل بتجميعها على صورة واضحة عما كانت عليه الشخصية فيما مضى وما هي عليه الآن.

كان (طالب) يحاول أن يعوض خساراته بعدما أحالته الحرب إلى إنسان بائس بزواجه مصادفة من فتاة المزبلة التي تريد منه أن يقاسمها الفراش، ولكنه يفشل مرة أخرى كمــــــا فشل مع زوجته الأولى (أم مشتاق) التي تركته وهاجرت مع أبنها من دون عودة.تكاد الحرب لا تفارق قصص المجموعة كما ذكرنا سابقاً إلا مع قصة (دخان المظـــــلة) التي يقسمها الراوي على أربعة مقاطع حملت أرقاماً تتصدر كل مقطع من (1- 4 ) وهي عبارة عن حديث بين رجلين يجد كل منهما في الآخر سبيلاً للتخلص من الأزمات التي يعيشها.ثم نعود مرة أخرى لموضوعة الحرب مع قصة (الأوبتما الزرقاء) وهي أطول قصص المجموعة، إذ شغلت (14) صفحة. تدور أحداثها حول قصة الشخصية الرئيسية (مجهول الاسم) التي يرويها راوٍ غائب تتمحور حول مطاردة السلطة لتلك الشخصية وخوفه من إلقاء القبض عليه. إذ يتخذ الراوي من (المونولوج الداخلي) وسيلة للكشف عن مشاعر الشخصية وخوفها بالسماح له بالتعبير عما في داخله وهو يحاور ذاته، بعدما تخبره إحدى الشخصيات الرئيسة المرأة (فضيلة) التي كان لها دور كبير في إنقاذه بأن الحكومة تبحث عنه بعدما يؤطره بقوسين كبيرين:

((لم يرني أحد وأنا أكلم فضيلة، وربما، وهذا وارد في سياق الأمر الذي أنا فيه، يمكن للجميع، رؤية المشهد القلق المتمثل بالمرأة التي كانت تسد الدرب أمامي رجال يدلكون بزات عسكرية ويحملون أسلحتهم بوضع الاستعداد للرمي، الاستعداد للانفجار الذي يمكن أن يباغتنا في أية لحظة…)).

فالمونولوج –كما هو واضح- من أهم الوسائل التي تسمح للراوي في أن يترك الحرية للشخصيات كي تعبر عن مشاعرها وأزماتها النفسية المزامنة للحدث، فضلاً عما حوته القصة من استرجاعات حملت الوظيفة ذاتها إلى جانب ما قدمَّته من معلومات سبق أن أغفلها السَّرد، كاسترجاع الشخصية الرئيسية للقائه مع الشرطي (ساهي) قبل أن يرى (فضيلة) عندما أخبره بأن أسمه مدرج ضمن قائمة الأسماء المرشحة للقبض عليها في الصفحة 68) ) واسترجاعه كذلك للحادثة التي جرت قبل عام ونصف عندما قامت الحكومة بمصادرة طابعته من نوع (الأوبتما) بعد أن أشتغل عليها سنوات طويلة في الصفحة (72) واسترجاعه أيــضاً في الصفــحة 73- 74 ) لذكرياته مع ابنته وتعلقهما بالطابعة بعد أن حفر عليها الحرف الأول من اسمه واسم ابنته بناءً على طلبها ووضعه ثلاث نقط بينهما تشير إلى عمرها آنذاك. وهي بمجملها استرجاعات خارجية (تكميلية) أيضاً عوَّض فيها الراوي عمَّا خفي على القارئ من معلومات غابت عن مساحة السَّرد المعروضة.

ثم يحذف الراوي عن طريق حذف (ضمني) كيفية نجاه البطل حتى يقوم البطل بنفسه سد تلك الثغرة عندما يقص (لفضيلة) عن طريق استرجاع (داخلي) كيف تمكن من استعادة الطابعة (الأوبتما الزرقاء) بعدما شاهدها في دار الأمن وهو يسجل عقاراً هناك، وهذا ما تمكن منه عقب الأحداث الأخيرة (بعد عام 2003 في الحرب العراقية- الأمريكية) حيث وجد المبنى فارغاً والطابعة ملقاة على الأرض وكلها غبار، ففرح باستعادتها واستعادة الطابعة يمثل النصر باستعادة المفقود النفيس بالنسبة إليه والتعويض عن الخسارة الماضية.

وتقع قصة (سراعاً تمضي السحب) في 3) ) صفحات، يهديها الراوي إل شخص يدعى (عبد الرزاق)، والراوي غائب من النمط (الخارجي) يقص قصة ذلك الرجل الذي يواضب على زيارة قبر والدته، حتى يتعلق بصورة لفتى شاب المعلقة على قبره مجاور قبر والدته مكتوب عليها استشهد في البصرة. ويزداد تعلقاً بها كلما زار والدته، ولهذا يتخذها وسيلة للهرب من الواقع المعيش.

وتنضم قصة (غبار حلم آخر) التي تقع في (4) صفحات إلى قصص المجموعة التي تجسد حالة الخوف والهلع التي يعيشها الزوجان بعدما تنهض الزوجة من حلم أفزعها ترى فيه زوجها غارقاً بدمه فتنظر إلى صورته التي على جانب السرير فتراها ملقاة على الأرض مكسورة الإطار والزجاج مهشم فيها، فيحتضن الزوج زوجته وهما يستمعان إلى أنين الصورة.

ومما يلفت انتباه القارئ أن القصة اشتملت على حوار دار بين الزوجين، بدأه الكاتب بالعلامة (-) لخص لنا بوساطته حلم الزوجة وكيف رأت زوجها مقتولاً وهو مشدود إلى كرسي. في حين كانت كل حوارات القصص الأخرى لا تبدأ بتلك العلامة، فضلاً عن عدم التزام الكاتب بطريقة واحدة في نقل كلام الشخصيات سواء كان مباشراً أم غير مباشر أم مسرَّد.

ويتحول الراوي من الراوي الغائب إلى الراوي المشارك بضمير المتكلم حين يقص قصة هو المشارك فيها يتناول حادثة ذلك الطفل الذي يجده رجل (مجهول الاسم) في المستشفى، يعيش غيبوبة ولا يستطيع التنفس إلا من قنينة الأوكسجين مؤكداً ثيمة الموت التي تنتهي القصة بها، ولاسيما عن طريق الحوارات التي دارت بين الملكين والتي وضعت باللون الغامق: [قال أحد الملائكة… ((أنه يبحث عن سيارة أخرى…. إذا نجح في ذلك هل سندعه يمر…؟؟

أجابه الآخر

المشيئة تقول إنه يقبض في سيارة إسعاف)).]

وأخيراً تختم المجموعة القصصية بقصة (مطر بلون الرثاء) التي تقع في سبع صفحات يهديها الكاتب إلى شخص يدعى (مهدي جابر)، والراوي فيها (غائب) يتحدث عن ذلك الرجل (مجهول الاسم)) الذي يكتب قصيدة يرثي بها صديقه المرحوم حتى يحلم بأولئك الموتى الذين كان يرثيهم بقصائد رثاء، فيقومون هم بدورهم برثائه بقصيدة جماعية أيضاً كتب عليها كلمة (وداعاً)، إذ لا يبقى سوى الرثاء هو الشيء الوحيد الذي يقدمه الفرد للجماعة، والجماعة إلى الفرد. وخلاصة ما يمكن قوله أنه لما كانت القصة القصيرة قطعة مصغرة من الحياة، ينشد القاص عن طريقها التعبير عن قضايا تمس الواقع الإنساني عموماً عن طريق توظيف حوادث وشخصيات متخيلة بصورة فنية جمالية فإن تلك الرسالة هي التي أراد الكاتب ايصالها الينا في مجموعته القصصية، لتعبر عن الهم الاجتماعي وتأثير الواقع السياسي على نفسية المجتمع العراقي الذي ما زالت ذاكرته ندية بذكريات الحرب المؤلمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مشاركة