
عين الزمان
الهـجـناءْ – عبدالزهرة الطالقاني
كثيرٌ من العراقيين هم في حقيقة الامر هُجناء.. والهجنة هنا لا نقصد بها الزواج من إمراة غريبة عن العشيرة التي ينتمي اليها الرجل، وانجاب جيل ينتمي الى العشيرتين عُمومة واخوالا. بل الامر يتجاوز هذا الجانب الى زواج عابر للطائفية.. ومثل هذه الزيجات كثيرة في العراق، لذلك نجد ان اسراً عديدة نشأت وترعرعت على هذا العُرف الذي اذاب جميع الموانع، وجمع بين شخصين من طائفتين مختلفتين، فانجبوا اطفالا هجينين، لاطائفيين، ينتمون الى كلتا الطائفتين لحما ودما وفكرا وتوجها. حيث ساعدت هذه البيئة على نمو الاسر الهجينة وتكاثرها وامتدادها الى أجيال، وليس جيلا واحدا.
وقد أسهمت هذه الزيجات في تماسك المجتمع العراقي، وتجاوز التطرف والغلو، إضافة الى خلق بيئة مناسبة للعيش المشترك، فصلة الرحم التي باركها الله عز وجل، تُعد احدى الاواصر والروابط الاجتماعية المتينة التي تساعد على ترسيخ وحدة المجتمع ومقاومته للتفكك والتشظي .
هناك مجموعة تعاريف لغوية لمفردة هجين، الا ان ما يهمنا هنا المعنى العلمي لها، وهو ما ذكره معجم المعاني، واذ نبتعد عن المعاني الأخرى، ونختار معنى واحدا ملائما، حيث جاء فيه (الهجين في علم الاحياء، نبات او حيوان ينتج عن تزاوج نوعين او سلالتين او صنفين مختلفين).وبغض النظر عن التشبيه، فانها ظاهرة علمية تشمل الكائنات كافة.
ومن خلال هذه المفاهيم يمكننا ان نؤكد ان مثل هذا التوجه يُعد ضروريا جدا، وان الدعوة اليه باتت ملحة، وربما قصة الشاب المقاتل من الحشد الشعبي من الناصرية الذي احب فتاة من الموصل وتزوجها، تُعد مدخلا الى هذا الباب الواسع الذي فتح مجددا مطلع عام 2017 بعد ان اغلقته الطائفية بسلاسل من الحديد والنار، ويمكن ان ينتظم وفق شروط ونسق ومحفزات، بحيث نجد مئات الالاف من الاسر الهجينة في المستقبل لا تقبل ولا تؤمن بالتمييز الطائفي.. ونعتقد ان التجربة العراقية في هذا المجال غنية جدا، وقد تكون مختلفة عن بقية التجارب في البلدان المجاورة، لذلك أسهمت في رفض كل المفاهيم والثفافات العنفية التي حاول البعض ان يرسخها ويجعلها عرفا سائدا، بدل الأعراف والقيم المعمول بها، حصل هذا بعد سقوط النظام الدكتاتوري والمباشرة ببناء الدولة الجديدة عندما عمد البعض الى التفريق بين الزوجين لانهما من طائفتين مختلفتين. وتلك الحالات وان كانت مرفوضة من العراقيين، الا انها حصلت في كثير من المدن التي تضم طوائف متعددة.. وهي وان تؤشر جهل وتخلف من آمنوا بها وعملوا عليها وتأثروا بالثقافة الطارئة، الا ان الكثيرين من هؤلاء كانوا مجبرين على فك رباط الزوجية بسبب الضغوط التي مارستها التنظيمات المسلحة والعشائر التي تبنت الطائفية منهجا، فكانوا يجبرون أبناءهم على فراق زوجاتهم اللواتي من طائفة أخرى، او انهم يجبرون نساءهم على ترك ازواجهن للاسباب نفسها. وخلقت تلك الحالات إشكاليات كبيرة للجيل الجديد الذي انجبته الاسر الهجينة. الا انهم في كل الأحوال لم يكونوا متطرفين وأصحاب غلو، بل مالوا الى الاعتدال.. وهذا الميل هو المعيار الذي لا بد ان نأخذه بنظر الاعتبار لإعادة تلك اللُحمة، وإعادة جمع الاسر التي تفرقت، وتشجيع الشباب والفتيات على الزواج من الطائفة الأخرى، من خلال تحمل الدولة ممثلة بمؤسساتها تكاليف الزواج.. وخير من يقوم بذلك الوقفان السني والشيعي ودائرة الرعاية الاجتماعية في وزارة العمل. فالرابطة الزوجية حبل من حبال الله الذي امرنا أن نتمسك به جميعا ولا نتفرق، فتذهب ريحنا، فهل نحن فاعلون؟.. انها فرصة ذهبية لبناء مجتمعنا الجديد الذي يتقبل فيه أحدنا الاخر، والله ولي التوفيق.


















