الهروب من الوطن – مقالات – عبدالهادي البابي

الهروب من الوطن – مقالات – عبدالهادي البابي

اليوم صباحاً ..وجدت شخصاً أعرفه جيداً ..هو ممن ينتهز الفرص جيداً ..ولاتفوفته الفوائت …ولاتغيب عنه لحظات أغتنام الظروف ..!!

قال لي وهو مرتبــــكاً وجلاً خائفاً : أنا تحّضرت لكل شيء ..وتهيـــــئت لـــكل شيء ..! فقلت ..خير إن شاء الله …لمن تحضرت وتهيئت ..!؟

فقال هازئاً ساخراً : الظاهر هذا البلد ماوراه غير الطلايب والبلاوي والمصايب ..وأنا قررت أن أبيع العمارة مالتي والبيت الجديد وأسحب فلوس العندي بالمصرف وأبيع السيارات ..(سيارات وليس سيارة واحدة) . ..وآخذ العيال ..وأفلتْ ..يعني ( أشلع) …!!

قلت له : تفلت ..إلى أين تفلت …!!؟ قال إلى أي دولة آمنة ..المال مـــــوجود ..والأولاد واحد مساعد سفير بدولة ( ……………) والثاني ملحق ثقافي في ( ….) ..بعد شعـــــندي هنا ..مــــاما دادا ..والراتب (التــــقاعد ) أستمله عن طريــــــق البطـــــاقة من مصــــارف الخــــارج كل شهرين ..بعد شنو ظلــــتي هــــنا !!

فقلت له وأنا محتقر له في داخلي : صحيح ..شعندك باقي هنا بعد ..!!

تركته وأنصرفت ..!

هذا (الكائن المحسوب على العراق) كان موظفاً سابقاً أيام النظام البائد ..وكان من المستفيدين منه جداً ..راتب وقطع أراضي وغيرها ..ولما جاء النظام الجديد..أستطاع أن (يتلون ويتخشخش) ..ويعود إلى وظيفته ويحصل على قطعة ارض ثانية وأخرى لزوجته ثم يخرج متقاعداً براتب كبير يعادل رواتب 7 كنّاسين بلدية ..وحصل على جميع حقوقه .. زوجته موظفة متقاعدة ..وبناته كلهن موظفات ومتزوجات ..وهاهو الآن يريد أن (يفلت ) من البلد الذي أغناه ورباه وأعطاه وأكرمه وأنعم عليه ..!!

عندما عدت إلى البيت ..جلست في زاوية من غرفتي …وبكيت على العراق بكاءاً مراً ..بكاءاً شعرت به كم نحن غير موفقين بإنتمائنا لهذا البلد ..!!

..العراق الذي يحتضر ….وهوعلى وشك السقوط في لجة الهاوية ..ماذا لو أن هذا الرجل قد باع عمارته وقدّم ثمنها دعماً لإبناء الحشد الشعبي الذين يدافعون ويضحون من أجل البلد الذي نفع هؤلاء وأغناهم وجعلهم أعزة كرماء أغنياء ..!! لماذا يتخلون عن بلدهم في ساعة الشدة ويفكرون بالإفلات والهروب منه في لحظات العسر ..!!؟

كيف لي ان أثبت بأني أستحق العيش في بلدي العراق….؟

فأنا …لاأملك وظيفة ولا راتباً ولافلساً واحداً في وطني ..

ولاأملك داراً ..ولاشبراً واحداً في وطني ….

ولاأملك عقاراً ولاأرضاً ولا مالاً ولاذهباً ..

نعم…أملك ثلاثة أبناء…وأملك قلماً ..وقلباً …

دفعت كل أولادي في خدمة وطنهم (حتى تقي الذي عمره 15 سنة) ..

وأوقفت قلمي رمحاً في صدور كل أعدائه ..

وأفرغت قلبي من كل حب سوى حبه ..

أنا في قبضتك أيها الوطن ..أرجوك لاتفلتني ..!!