النّاسك والنَّبيذيّ – رشيد الخيون

النّاسك والنَّبيذيّ – رشيد الخيون

عندما عادت المعارضة الإسلاميَّة إلى العراق، فملك قادتها العقارات، وتزوجوا النساء على زوجاتهم، وصاروا أغنياء خلال فترة وجيزة، وهم اليوم يأسلمون الدّولة بقوانين تجور على النساء والرّجال أيضاً، وعلى المجتمع كافة، غايةً لاستبدال الطّوائف بالدّولة، والقلة منهم مَن تجنب الأمر كله. في هذا المشهد قرأتُ ما يُعبر عن الحال، عند ابن قُتيبة(تـ: 276هـ) في «الأشربة وما ذِكر مِن اختلاف النَّاس فيها»، وابن عبد ربّه (تـ:328هـ) في «العقد الفريد»، ولأبي الفرج الأصفهانيّ(تـ: 356هـ) في «كتاب الأغاني»، ولأبي شاكر الكُتبيّ(تـ: 764هـ) في «فوات الوفيات»، أنّ عامل مِن عمال والي العراق للأمويين ابن هبيرة، قد أودع مالاً قدره ثلاثين ألف درهم عند ناسك مِن النّساك، معروفاً بتدينه وورعه الظاهر، وأودع مثلها عند صديق نبيذيّ، أي يشرب النّبيذ، فلما عاد أنكره الناسك وراح يبني بها داراً ويتزوج النصاب، أربعة زوجات، أما النّبيذي فأعادها له مِن دون مماطلة، فقال الشّاعر الأمويّ حمزة بن بِيْض(نهاية العهد الأمويّ)، وتقديرنا للنساك الأصلاء الأبرياء، فلا يشملهم ابن بيْض في قصيده:

أَلَا لَا يَغُرَّنْكَ ذُو سَجْدَةٍ / يَظَلُّ بِهَا دَائِبًا يَخْدَعُ

وَمَا لِلتُّقَى لَزِمَتْ وَجْهَهُ / وَلَكِنْ لِيَأْتِيَ مُسْتَوْدَعُ

ثَلَاثُونَ أَلْفًا حَوَاهَا السُّجُودُ / فَلَيْسَتْ إِلَى رَبِّهَا تُرْجَعُ

بنى الدار من غير ما ماله / فأصبح في بيته يرتعُ

مهائر من غير مالٍ حواه / يقاتون أرزاقهم جوّعُ

وَرَدَّ أَخُو الْكـــــــــَأْسِ مَا عَنْدَهُ / وَمَا كُنْتُ في ردهِ أطمعُِ