الصندوق بمجموعة بيت في أور
النهل من معين الوطن – اضواء – ايمان عبد الحسين
إذا سلمنا بداية؛ بان ليس هناك قراءة موحدة لأي عمل إبداعي ، وان القراءة تتغير حسب تنوع واختلاف القراء وحسب ثقافاتهم المتباينة تحت تأثير ظروف معرفية متنوعة، فكل كاتب يحرص على أن يجد القاريء الواعي الذي تفرز مع كل قراءة لديه جوانب تأويلية مختلفة نتيجة تفاعله مع المنتج الأدبي بما يحتويه من عدد غير محدود من المعاني المتحكمة بكلّ قراءةٍ مجموعة من العناصر والمفردات يستعين بها الاديب للايصال مضمونه.
وان اختيارنا قراءة مجموعة الشاعر (ليث الصندوق) الصادرة بالقطع المتوسط عن (دار الشؤون الثقافية العامة) بعنوان (بيت في اور) من خلال الاتكاء على ما تؤسسه من عناصر معينة تشكل حيزاً واسعاً من القصائد، وتمثل قدرة في الافصاح عن منظور الذات الشاعرة في التعبير عن الوطن، الذي يمتح وينهل عناصره ومفرداته من معينه بمقدار ما تحيل عليها هذه العناصر من الدلالات والرموز ، وان هذه العناصرعلى الرغم لها سماتها ومقاصدها الخاصة، الا انه في حقيقة الامر لا قوام لها الا بالاتصال مع بعضها البعض، وفي اعتقادنا ان قراءتنا هذه ليست هي القراءة الوحيدة للمجموعة ، ولكننا في هذه القراءة توخينا من خلال ربطنا بين العناصر ان نجلوا معاني وجوهر حقيقة الذات الشاعرة على مستوى علاقتها بمحيطها من جهة وبسياقها المرجعي من جهة اخرى ، لنتمكن من خلالها الوصول إلى واقع الوطن ورصد تحولاته ، ومن خلال تتبعنا صورة الوطن بما يمثله من الصدارة في اغلب القصائد وفي محاولتنا مقاربة معناه وجدنا أمامنا مخزون لهذه المواصفات التي تنتمي كل الصور المتنوعة فيها إلى ذات الحقل الدلالي مباشرة وضمنية، وان القارىء المتمعن لا بد ان يدرك مدى تماهي الشاعر مع هذا الوطن، الذي يسكنه و يحمله على إيثار كل ما فيه، وانه لا يقف عند حدود التماهي مع هذا الوطن فقط، بها تتجلى قدرته في الرغبة على تغيره بالصورة التي يتمناها ، وعلى الرغم من المحن والآلام والقسوة التي ابتلى بها الوطن تستمر احاسيس الشاعر تسفر عن ان هذا الوطن يظل هاجسه الاول، واغلب القصائد تشف عن هذا الاستثمار قصيدة (حرامي بغداد) (اه يا بغداد كم اتعبني/كلما قررت ان اطلق من صندوق اسراري حبيباتي /طلت منه قطعان سباع) قصيدة(قاع المدينة) (اعود / كما كنت من بعد كل هزيمة /اجلد نفسي بسوط القصائد)قصيدة (ستنطفيء حرائقهم وتتوهجين)(على الجدران بصمات استغاثاتي/فلا دخان نار الحرب يمحوها/ولا الايام).
واننا بقررنا التوقف عند العناصر المتمثلة بالامكنة وما تطرحه من رموز،والحروب وما تؤول عليه من ماسي، ذلك لاننا مسلمين بأهميتها كونها تمثل عناوين مهمة في اغلب القصائد، وانه على الرغم من ان هناك تعدد وتنوع في موضوعاتها الا انه لا يُمكن حصرها في مادية قارة أو عزلها عن ماتؤول اليه، فكل دال يشير الى الوطن، وكل مفردة تكون بؤرة تتقاطعٍ وتتداخلٍ معه:
1- الامكنة:
ان معرفة الدروب التي تفضي الى الوطن والدخول الى ممراته والاستظلال في خيمة تبدء عبر الامكنة، فالمكان الذي يحتل حيزا مهما في اغلب القصائد يرتبط بواقع عاشه الشاعر، وما الاحالات لابراز مفرداته الا تعبير عن رؤيته للوطن التي تبوح به هذه الامكنة ، فلا عجب ان تحمل المجموعة اسمها عنوانا (بيت في اور)، وعند متابعننا القراءة نلاحظ ارتباط القصائد منذ العنوان، بالامكنة، التي لا تقتصر على منطقة معيّنة، بل تستحوذ على الوطن بتعدده، فتأتي الصيغة مفتوحة على فضاءات من الحدود الجغرافية المتنوعة ، وليس من تحديد مكانات بعينها، ويكفي أن ننظر في عناوين بعض القصائد كيّ ندرك هذا :نوارس الباب الشرقي- من جبال كردستنان صرخت احبك.حرامي بغداد- جامع الخلفاء.
كما انه من استمرارنا بالقراءة نستطيع ان نرى ان الامكنة في اغلب القصائد لا تستطيع الإفلات من تحولات الازمنة، فان اي تغير في الازمنة يقابلها تغير في الأمكنة، وهي تغيرات تحكمها شروط طبيعية تتخذ وتتشكل ضمن معطيات الواقع المتغير، فالامكنة لا يمكن النظر اليها خارج متغيرات الأزمنة، وإن الامكنة مثل البيوت التي تصلح مركزا ترمز إلى مصدر للدفء تنزاح الحياة عنها هنا وتتلاشى ولعل أوضح تعبيرما نجده في قصيدة (نوارس الباب الشرقي) من اين نخرج ؟/والدروب يسدها الموتى باعينهم/لم يبق في الاعصار من بيت لنا) وفي قصيدة (ابو نواس يبحث في العالم السفلي عن جنان) (فلم تجد ماوى بقرب النار/ولم يعد يتبعهاالدفء الى الفراش) قصيدة صدى قاطرة بعيدة (جعنا كثيرا/فالتهمنا الباب والمزلاج) . 2- الحروب
اذا كان الموت والسواد اهم سمات الحروب والارهاب، فان ايقاف لحظة من الزمن وتوجية الكاميرا على هذه السمات كفيلة بإدراكنا بانها تمثل صور من الادانة لهذه الحروب، الحروب التي تبدو حاضرة ما بين الموضوعات المطروحة في النص المختار، متشعبة ومتداخلة ومؤثرة في بنية الامكنة، وان دلالات الحزن والموت والتشظي التي يستثمرها الشاعر من خلال الصيغ الفنية المتنوعة تقود القارئَ إلى فهم غايةِ الشاعر من إدانةُ الحروب إدانةً حادة، لما تسببه هذه الحروب على الوطن من ماسي واحزان، وهذه يتحقق خلال الصور التي يبرز فيها الشاعر السواد والموت في قصيدة (نوارس الباب الشرقي)(النهر يهرم تحت امطار الحروب) (ليس غير اللافتات السود /كالغربان تنعق في الدروب وقصيدة (ابو نواس يبحث في العالم السفلي عن جنان) ننام في شرانق الخوف / كما الاموات في الاكفان/وتسدل الستائر السود على الحيطان) .
وإذا جاز للشاعر أن يطوي المسافات ليعلن ان بلاء الحروب قد حلّ على ارض هذا الوطن منذ سنين عديدة مضت، وان الحروب تلازم الإنسان في سائر الأزمنة والأمكنة، وان التاريخ هوالشاهد الاول عليها وان الشاعر بدعمه بأدلة من التاريخ متمثلا برمزالحسين كما في قصيدة (الحسين يخرج ثائرا من جديد)ما هو الا تاكيد تبــــــرز فيه صـــــــورة طغيان الاحســـــاس بالأسى مــــن هذه الحروب الــــتي تتواصــــــل مستــمرة عبر الزمـــــن ( هي الحرب تــــــفتح ابــــوابها/لتـــــدخل منها الخيول الهزيلة).
كما أنّ الشاعر في اغلب القصائد يصر على ان لا يفصل فصلاً قاطعاً بين الحروب ومنتجها من هنا نرى من جهة ان الثيمية المهيمنة هي صورة الحرب وما تجلبه من الدمار والموت ، ومن جهة اخرى يجسد الشاعر الى ادانة من يمس هذا الوطن بسوء ، وان الشاعرلا يبتغي في الاساس سوى الإفصاح عن فداحة الواقع الذي يزخر تحت وطاة الحروب،التي لا تفتأ تنتج طغاة ومجرمين وصناع موت يتوخّون التّقويض والهدم: في قصيدة(عالم متغير) ( فما عاد لوحش الامس من اسنان / لا تلتفت مرتجفا للخلف/ مثل مذنب /من كتفيه ينشد الغفران /دروبنا ضيقة كانت / ولكن لم تشا تخنقنا) وقصيدة( والبعض كان من الرخام) ( قد خرجت لتبتلع المروج الخضر/ سعلاة الحرائق )(برج الجماجم حوله/غرس العظام)(حتى الشوارع/والمباني/والجسور/قد ظنها خبزا/فنقعها بكاسه) وقصيدة (ستنطفيء حرائقهم وتتوهجين):(ومن اجل الحرائق/حول الجنرال شعبا ثائرا رزما من الاوراق)، قصيدة ما تبقى من الحريق (عندما جئت الى النهر لكي اشرب/فوجئت بان الوحش/يلقي بخراف الموج/ ذبحا في القدور) قصيدة في منطقة القتل (وحوش اذا ما استرابت/ تهاجم اوجهها من كمون/تجر الفرائس من رحم اقدارها مرغمات/ الى مسلخ للجنون).
رموز الوطن
تأخذ العلاقة بين الوطن ورموزه صورة صميمة لا انفصام فيها، وان الذات الشاعره في القصائد تحاول التواصل مع قيمها الخاص، من خلال تركيزها على شخصيات تشكل الأولويّة والأفضليّة لديها ، فالنص مادام باعتباره هنا فضاء مفتوحا على محيطه الثقافي والديني فان في بعض قصائد المجموعة يكون الوطن فيها عبارة عن مساحة تتلاقى فيه رموز وشخصيات، وان ابرز رمز في القصائد هو رمز الحسين في قصيدة (الحسين يخرج ثائرا) الذي ينمو ويتشعب وينزاح من تاريخه ليلتقي بالرمز المعاصر عبر اغترابه، والذي تتعمق دلالاته لتصبح فعلا انسانيا وثوريا معريا للزمن والتاريخ ليقدم من خلال هذا الرمزالعظيم أدلة وشواهد تقود إلى ان الممارسات القمعية من مواقف اضطهادية لاغتيال رموز هذا الوطن التي تأتي على امتداد الحقب المختلفة، فهي حصيلة تراكم عقود وقرون من الحروب وحتى الان، ويكون الرمز الحسيني نموذجا ومثالا يظل مشرعاً على كل اغتيال يلاحق الرموز الثورية عبر الازمنة (وانت كما النجم تلمع في بركة من دماء/ ايرضيك انك تستقبل الشمس بين يديك/لتنقشع عنها غيوم البكاء ؟/ وغيرك يطردها من نوافذه) (فانت دخلت الى مدن الخلد /تنقضها ثم تنشئها كيفما شئت انت/وليس كما الخلد شاء /دخلت لها فاتحا/تحت رجليك من عذبوك /ومن قتلوك /ومن نقعوا بالخيانة افواههم عندما قبلوك)، انت العراق الذي ينهشونه فوق موتئدهم/ ام الشعب الذي بتروا/قدميه)،
اما رمز النبي ابراهيم في قصيدة (بيت في اور) يرى الشاعر فيه أن ثمار الارهاب منذ التاريخ، فالشاعر يحاول المزج بين الماضي والحاضر في تحميل موقفا واحدا يدين فيه كل انواع الاستغلال والارهاب ويشيرفيه إلى أنّ ماضي الوطن وحاضره متشابهان ، فالماضي حاضر في الراهن ويحمل دوامة الاستمرار فيه، (بان ذاك البيت في اور لابراهيم/فقبل عام /كنت قد رايت ابراهيم في دائرة الاثار /وكان يحتج على املاكه)(اما بنو نبينا الكريم ابراهيم/فانهم قد غطسوا للراس في مستنقع الارهاب /وحللوا جلد بني ادم ان يسلخ/اويقص في اثواب).
ولا بد من القول ايضا من ان منظور الشاعر للرموز الوطن لا يقتصر على الرموز التاريخية ولكنه ينسحب على الرموز المعاصرة التي اغلبها رموز شعرية وان ذلك ربما يأتي بحكم التخصص او ان الرموز الشعرية تعتبر بمفهومها الواسع، الحضاري ، التاريخي هي الهوية الحقيقية للوطن و تجسيد لقدرته الانبعاثية، بما تحمله من غنى فكري، وخصب روحي والتي ربما يعبر الشاعر من خلالها الى ان كلما كانت رموز الوطن شاخصة استطاع على مجابهة الزوال والنفي الذي تسببه الحروب وبعث الإحساس بالهوية في زمن يطغى فيه التشظي من جهة ومن جهة اخرى فان الذات الشاعرة تحاول الاحالة من خلالها على ازمات الوطن وان تضمين القصائد بالرموزالشعرية يراد به تفعيل للدلالة على هذا الوطن المغترب بأمكنته ورموزه الانسانية كونها أداة تعبيريّة تعد ابرز ما يراهن الشاعر عليها لجعلها شاهدا على وطن يشكل الاغتراب ابرز ملامحه وبرز من بين من مثلوا هذا الاتجاه في شعرنا المعاصر هوا الشاعر (محمد مهدي ألجواهري) التي تجربته مع الوطن ظلت حافلة بالترحيل ، وأزمنة المنفى فالشاعر يتماثل في غربته مع الوطن (قصيدة الجواهري) )( الغرباء اشاحوا عني/غطسوا كفاقاعات في كاس الالام/وحدك انت بقيت تحلي بالشعر كؤوس الايام) الطرقات على جسد المنفى شرايين / تنهشهها انياب جائعة وسكاكين ) (حين رحلت الى الغربة/كنا نرحل نحو الموت/لا فرق اذن بين رحيلك او ميتتنا/فكلانا لن يبصر شمسا) ، ولا يفوتنا أن نشير الا ان الرموز الشعرية لا تتوقف فقط على الشعراء المعاصرين انما تمتد الى الجذورالتاريخية ليفتح الشاعرمن خلالها وعيه بانتمائه إلى ماضيه، و التواصل مع ارثه الفكري وان انزياح الرموز الشعرية عن وضعها التاريخي وتحويلها الى ابعاداً معرفية تتعلق بفترة زمنية اخرى يعني تعميق دور التواصل والارتباط بين التاريخ والحاضر فلحظة اللقاء تغدو هي ذاتها الحظة المؤسسة لفعل الاتصال، وهذا ما نستطيع ادراكه في رمز ابو نواس التي تحمل القصيدة عنوانه .


















