النموذج العراقي وتدمير الدولة الإيرانية – فارس الخطاب

 

فارس الخطاب

من خلال سير العمليات العسكرية الممتدة مذ أسابيع من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران يستذكر العراقيون والكثير من المحللين العسكريين في أرجاء العالم تشابه سيناريوهات العمليات العسكرية الأمريكية ضد العراق؛ حيث إبتدأت في النموذج العراقي بتهديد وزير الخارجية الأميركي حينها (1991) جيمس بيكر لنظيره العراقي طارق عزيز، بأن الولايات المتحدة ستعيد العراق إلى “عصر ما قبل الثورة الصناعية”. وفعلاً نفذت واشنطن تهديدها فاستهدفت بنية الدولة العراقية ومقوماتها الحيوية وليس النظام السياسي الحاكم حينها، فحطمت صواريخهم وطائراتهم مع حلفاءهم جميع المصانع والجسور والجامعات ومحطات الطاقة والمستشفيات وحتى المدارس، وبعد عقود، أما في النموذج الإيراني 2026 فالتهديد جاء على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو بإن واشنطن ستعيد إيران إلى “العصر الحجري” من خلال استهداف محطات الطاقة والكهرباء والجسور وكل البنى التحتية.

المقارنة او التطابق هنا ليست بلاغية فحسب، بل تحمل في طياتها دلالة عميقة على نمط أمريكي متكرر في إدارة الصراعات الدولية يمضي إلى استهداف الدول من خلال تدمير قدراتها الشاملة، تحت عنوان الضغط على الأنظمة المستهدفة؛ ففي الحالة العراقية، لم يؤدِ الحصار الطويل (2003-1990) القصف المكثف إلى إسقاط النظام مباشرة، بل أدى إلى تفكيك المجتمع، وإضعاف الدولة، وخلق بيئة داخلية منهكة مهدت لاحقًا لانهيار كامل في التوغل البري الأمريكي- البريطاني عام 2003.
اليوم، يتكرر المشهد مع إيران، وإن اختلفت الأدوات والظروف. فالعقوبات الاقتصادية، والضربات العسكرية، والضغوط السياسية، كلها تتجه نحو إنهاك الدولة الإيرانية ككيان شامل، وليس فقط تغيير سلوك النظام. وهنا تبرز المفارقة الجوهرية: النقاش لا ينبغي أن ينحصر فيما إذا كانت المقارنة بين نظام صدام حسين ونظام الولي الفقيه جائزة حيث لا يحظى النظام الإيراني بأي تعاطف حقيقي لا من قبل الشعوب أو حتى الحكومات في الإقليم بسبب سلوكه طيلة أكثر من 4 عقود وتدخله المسموم في شؤون هذه الدول. لكن المسألة الأهم تتعلق بنتائج “عرقنة” إيران، أي تحويلها إلى نموذج مشابه للعراق بعد عام 2003.

إن “عرقنة” إيران لا تعني فقط إضعاف النظام، بل تعني فتح الباب أمام تفكك داخلي محتمل، واضطرابات اجتماعية عميقة، وربما صراعات إثنية ومناطقية. فإيران ليست دولة صغيرة أو هامشية في الإقليم، بل هي مركز ثقل جغرافي وسياسي يمتد تأثيره إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان وآسيا الوسطى. وبالتالي، فإن انهيارها أو إنهاكها الشديد لن يبقى شأنًا إيرانياً داخليًا، بل سيتحول إلى زلزال إقليمي واسع النطاق.

في الحالة العراقية، أدى تدمير الدولة إلى فراغ استراتيجي ملأته قوى متعددة: إقليمية، ودولية، وميليشيات محلية. هذا الفراغ لم يُنتج استقرارًا، بل أنتج فوضى مركبة استمرت لعقود، وما تزال آثارها قائمة حتى اليوم. وإذا ما تم استنساخ هذا السيناريو في إيران، فإن التداعيات قد تكون أكبر بكثير، نظرًا لحجم إيران وتعقيد بنيتها الاجتماعية، وعمق ارتباطها بملفات إقليمية حساسة. كما أن انهيار دولة بحجم إيران قد يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بشكل غير متوقع، ويفتح المجال أمام صراعات مفتوحة بين قوى إقليمية، وربما يؤدي إلى سباق نفوذ أكثر حدة، بدلًا من تحقيق الاستقرار الذي يُفترض أن يكون هدفًا معلنًا لأي سياسة دولية.
الدرس العراقي واضح لمن أراد أن يتعلم: تدمير الدولة لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط النظام بطريقة منظمة، بل غالبًا ما يؤدي إلى تفكيك المجتمع وإطلاق موجات من الفوضى يصعب احتواؤها. وإذا كانت التجربة العراقية قد كلّفت المنطقة عقودًا من عدم الاستقرار، فإن تكرارها في إيران قد يرفع الكلفة إلى مستوى غير مسبوق. من هنا، فإن النقاش الواقعي لا يجب أن يدور حول أخلاقية النظام الإيراني، بل حول عقلانية السياسات التي قد تدفع نحو تكرار سيناريو ثبت فشله. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أنماطه، وأخطر هذه الأنماط هو الاعتقاد بأن “تدمير الدول يمكن أن يكون طريقًا مختصرًا لإعادة تشكيلها”.

الولايات المتحدة تعتقد أن تحطيم دولة (اقتصاديًا أو عسكريًا) سيجعل من السهل إعادة بنائها بشكل جديد يخدم مصالحها لكن التجربة العراقية أثبتت أن هذا التفكير خاطئ، لأن: تدمير الدولة لا يؤدي إلى “إعادة ترتيب سهلة” بل يؤدي إلى : فوضى، انهيار مؤسسات صراعات داخلية تدخلات خارجية ، وإنتاج بؤر جديدة للإرهاب ، فالنظام السياسي الجديد الذي تم بناءه على أنقاض الدولة العراقية عام 2003 وبرعاية مباشرة من الولايات المتحدة كان مفتاح تحويل العراق إلى دولة تمارس فيها كل أنواع الإرهاب والفساد والطائفية المقيتة والفلتان الأمني ، كما نجحت القوى السياسية التي كلفتها واشنطن بإنشاء مؤسسات الدولة العراقية (الجديدة) في تأسيس جيش من المليشيات المأدلجة والدفع تجاه استشراء منظمات إرهابية كالقاعدة وتنظيم الدولة والعمل على إخراج العراق من دائرة الحضور الإقليمي والدولي ومن قبلهما الحضور الوطني .