الناصرية .. عيد النوروز ( الدخول ) – مقالات – عبد الحسن علي الغرابي
الناصرية أحدى أهم مدن جنوب العراق ، مدينة يودعها الفرات لينهي رحلته الطويلة ، ينحني لها ويغني ” للناصرية تعطش وشربك ماي بجفوف أديه ” الفرات يغني من الانبار إلى ذي قار ، على أوتار القيثارة السومرية ، مدينتي أغنية ، جميلة بتسميتها ، عريقة بتاريخها ، كريمة بعطائها ، أنها مهد طفولتي وملاعب صباي ، ترعرعت بأحضانها من الولادة في مطلع أربعينات القرن المنصرم حتى عام 1966 غادرت الحبيبة بما فيها من الأحبة والأصدقاء وكنز من الذكريات الطيبة ، حملني قطار فراقها الحزين إلى العاصمة الزاهرة الباهرة بغداد ، التي تعد من أكبر المدن العربية في الشرق الاوسط ، الضياع في المدن الكبيرة يذكرني بما قال الكاتب الانكليزي ( كولن ولسن ) المدن الكبيرة مثال حي لسحق القيم الإنسانية ، وأنا اردد ما قال الشاعر أبن الناصرية قيس لفته مراد : عشق الغريب لأهله .. إن لم يجد في الأرض سلوى . . كانت السلوى أيام الطفولة أعيادها الثلاثة عيد الفطر بعد شهر رمضان وأمسياته الجميلة وليالي السمر ، وعيد الأضحى ، لهذه المناسبات نكهة خاصة ، وملبس جديد ودراهم نفرح بها ( عيديه ) ودخول السينما وحكايات عن عنتر وعبلة ، وطرزان ، والعيد الثالث هو عيد نوروز ، وتطلق عليه تسمية شعبية ( الدخول ) وعندما نسأل الكبار عن معنى الدخول ، وعن هذا العيد يأتي الرد أنه دخول السنة ، وهذا الرد لا يعنينا انذاك بقدر ما تعنينا الفرحة بالملبس الجديد ، ورغم أنه يختلف عن الاعياد الدينية بزمانه وطقوسه ، فهو يوم جميل واحد في أيام السنة ، يأتي في الربيع ، وفي هذا اليوم الربيعي ، تنظم فيه سفرات عائليه إلى البساتين المحيطة في المدينة ، حيث الماء والخضراء ، لازال هذا اليوم البهيج يحمل عطر الذكريات الجميلة عن الناصرية ، وتعددت التسميات لهذا العيد هناك من أطلق عليه عيد الشجرة ، عيد الربيع ، وعيد النوروز يحدثنا التاريخ العربي ، جاء بعد قيام الدولة العباسية التي قامت على أكتاف الأعاجم ، حيث كان الخلفاء والأمراء يتلقون الهدايا ويتبادلونها في العهدين الأموي والعباسي ، ويعتبر الحجاج بن يوسف الثقفي أول من قدم هدايا النوروز في الإسلام ، واستمر ذلك إلى عهد أحمد بن يوسف الكاتب ، وقد أهدى للمأمون سفط من الذهب ، وبلغت قيمة الهدايا التي حملت إلى معاوية بالشام عشرة ملايين درهم ، وقد تغنى شعراء كثيرون في العهد العباسي بعيد النوروز أمثال البحترين ، الشريف الرضي ، المتنبي ، أبن الرومي ، أبو تمام ، وغيرهم وفي الأدب العربي الحديث أستخدم بعض الشعراء مناسبة نوروز ، رمزاً كفاحياً وتحررياً للشعوب ضد الاستعمار وأعوانه ، ومن هؤلاء الشاعر بدر شاكر السياب في قصيدته ” وحي النوروز ” داعياً إلى تكاتف الشعبين الكردي والعربي ضد مخططات أعداء الأمة العراقية ، الهادفة إلى تقسيم الشعب العراقي وتمزيق الوحدة الوطنية . فعيد النوروز هو عيد الشعب العراقي من الشمال إلى الجنوب .



















