الملك الصعلوك

الملك الصعلوك

يحكى وما اكثر الحكايا أن مملكة من المماِلكُ الارضيه يتداول ملوكها تسلطناً على شعوبهم تارةً بالسيف وأخرى بالنار والمحرقة وهم لاهون بالقالِ والقيل من هذرِالكلام والثرثره فخضعت رقاب العباد واستوت للملوك البلاد ملكا بعد ملك .

وكان لملوك هذه المملكة طقوس خاصة في عملية تنصيب المَلكِ حصراً حيث لا يؤمنون بحكم الوراثة وانتقال الحكم بعد موت الملك الى ابنه المراهق أو الى اخيه النزق المتصابي فكان اذا حضر الموت للملك ووافته المنية وبعد مراسم حرقه واحتراف شوائهِ وذرِّ ما تبقى من رماد عظامه في البحر يعود كبار القوم وأشرافهم ومنهم المرشحون لنيل السلطة والملكية إلى إيوان المرحوم لتنصيب مليكهم الجديد ووفقا لنظام التنصيب والشعائر الطقسية لديهم يختارون ليلة تسمى (سَعْدُ السُّعُودِ) وهي المنزل الرابع والعشرون من منازل القمر حيث يقومون باطلاق حرية طير يطلقون عليه (( طير السعد)) من قفصه فيخرج الطير ساعيا بجناحيه وما ان يحط على راس احدهم فيصبح ملكا دون نقاش او جدال دون الرجوع ان كان وزيرا او حقيرا فيستلم زمام المُلك ويحذو حذوَ سابقه بدستور الارهاب وسياسة التحقير لشعبه وصادف في هذه الأثناء أن جاء من أقصى الأرض رجلا حافيا صعلوكا جائعا هاربا من هول ما عانى في بلاده طلبا للعافية في هذه المملكة وكان قد آواه المرحوم ((الملك)) منذ فترة ليقف خلفه ويحرك سكون الهواء بمهفة كبيرة تنعش الملك عند جلوسه على كرسي العرش اذا اشتد الحر عند انقطاع الكهرباء الوطنيه وكعادته في تلك الليله الانتخابية وقف هذا الصعلوك عند مكانه المعتاد خلف كرسي العرش الفارغ ومعه من جلس من القوم بانتظار الملك الذي يحط على راسه طير السعد وفي ليلة السعد هذه .

فأمر اكبر القوم سناً ان أطلقوا الطير إيذاناً بتسمية الملك الجديد فطار الطير محلّقاً على رؤوس الجالسين من الأشراف والفُجّار وكان كلَّ واحدٍ منهم يُمَنّي النفس ان يحطّ الطير على رأسه ويَتَبرّز بمنتصف يافوخه   فكانت المفاجأة   وإذا بالطير يحط على رأس هذا الصعلوك وهو مطمئن واثق من جناحيه فذُهِلَ الحاضرون واستنكروا الأمر اشد الاستنكار فقال كبيرهم أعيدوا الكرة واطلقوا الطير مرةً أخرى وإذا بالطير يعود الى رأس هذا الصعلوك وهكذا ثالثة وعندها رضخ الجميع وأذعنوا لاختيار الطير واقرّوا له بالولاء وتم تنصب الصعلوك ملكا عليهم فأطاعوه وتُوِّجَ الملك الجديد وتجمعت حوله الجواري والحواري الحسان وخضعت له رقاب من كان في الايوان وبصم له كل بنان .

وذات ليلة وبينما كان الملك نائما واذا بهاتف من السماء يهتف … أيها الملك الهمام .. ايها الملك الهمام ….(اظلم فقد ظلموا) فانتبه الملك ودعا وزراءه وأمرهم ان تملا السجون بالشباب حصرا وان يؤتى بالمدعي والمدعي عليه فيرمون بالسجن سوية دون سماع للظالم والمظلوم   وان يقطع راس كل من تشتكي منه زوجها لكثرة مداعبته إياها وكذلك أمر ان تحلق شواربهم مع بقاء لحاهم متدلية حتى َتتَقمّل واصدر فرماناً ان اذا مرّ موكبه فعلى العامة ان يسجدوا حتى يمر الموكب وستقطع رؤوس الراكعين منهم فاطلق على نفسه (( مَلكٌ رَهبوتٌ خيرٌ من صُعْلوكٍ رَحْموت)) وامر ان تكتب وتعلق على كل باب فسارت احوال الرعية صمتا ورضوخا فأخذهم بالسنين والتنكيلا

وبينما كان الملك غارقا في ليلة زرقاء ثملة وبعد ان انفضّت عنه جواريه وندمانه من الولدان والغلمان آوى الى فراشه ثملا فَغطّ في نوم عميق واذا بنفس الهاتف يهتف من السماء … ايها الملك .. أيها الملك ((اعدل فقد عدلوا )) فنهض الملك من فراشه فزعا فنادى زبانيته ان اطلقوا سراح من في قعور السجون والطمامير وأحصوا البؤساء من الناس والبغال وتبينوا الجياع وفتشوا عن اليتامى من العيال وخصصوا لهم معونة من بيت المال وأمر القضاة ان يعودوا الى تشريع الحق في دور القضاء وان يكونوا قوامين على كل مائل وصلاح كل فاسد فأصبح الملك بين ليلةٍ وضُحاها كالراعي الشفيق على غنمه الذي يرتاد لها ألذّ المراعي وأخضرها ويذود بها عن مراعي التهلكة وغدر السباع والافاعي فصار كالاب الحاني على ولده فسُعِدَ العباد وساد العدل في البلاد وامر ان يتم تغيير تسميته القديمه ويلغى لقبه ومعانيه السقيمة فيكتب بدله (( صُعلوكٌ رَحْموت خيرٌ من مَلكِ رَهْبوت))  وزبدة الكلام وما نرجو من الإفهام ان الله وحده خلق ملوكا واختار لهم زمنا ودولا وأرضا وطأوها فحكموا شعوبها فاهلكهم ثم قطع انسابهم بقدرته فلا وريث لملكهم بعدُ ولا زمن يتصل لذا فان كل ملوك الارض المعاصرين لنا اليوم هم صعاليك مقطوعي النسب من صنع شعوب تعشق الاستعباد

هشام الطائي – البصرة