المغربيان بوشعيب الماضي ومصعب أبوشمس

المغربيان بوشعيب الماضي ومصعب أبوشمس

مدرستان مختلفتان في معرض واحد

فيصل عبد الحسن

الرباط

في المعرض الثنائي للفنانين بوشعيب الماضي ومصعب أبو شمس في قاعة النادرة وسط الرباط الذي أفتتح مؤخراً تجد كل ما تبحث عنه من حلقات تطور الفن التشكيلي في المغرب.

تجد في اللوحات المعروضة جميع تأثيرات المدارس التشكيلية في العالم، الفطرية، الرومانتية، الواقعية، الطبيعية، التأثيرية، التكعيبية، الوحشية، والمستقبلية وغيرها.

وهذا التنوع في أختيار طريقة الرسم تدل على قابلية ذهنية، وحرفية للفنانين للعمل على تحقيق رؤاهم من دون قيود، وأنهما حران بأستخدام اللون الذي تعبر به موضوعة كل لوحة.

أكثر من خمس وعشرين لوحة للفنانين في معرضهما الثنائي في النادرة عكست الحياة في المغرب، وما يعيشه الناس خلال يومهم.

جوهر الفكر

وترى أكثر اللوحات عرضاً للحياة اليومية للمغاربة، هي لوحات السوق واللوحات التي تمثل الجوامع بمآذنها السامقة، وقد عكس الفنان بوشعيب الماضي برسمه الواقعي رؤية بانورامية لما يحدث في المدن من نشاط تجاري وعقائدي.

فتسمع المآذن بعينيك تردد ” الله أكبر .. الله أكبر” وتشعر ان الله تعالى أكبر من كل شيء ورحمته بأتساع مشهد اللوحة، وأنفتاحها على السموات اللازوردية، لدى هذا الفنان، وقد أستخدم الألوان الساخنة في لوحاته التي رسمت المآذن وباحات المساجد أو الواجهة الأمامية للجامع.

ليجذب أنتباه الرائي إليها، وجعلها محط أهتمامه طوال فترة زيارته للمعرض، فهي تمثل جوهر الفكر لدى الفنان وغاية الغايات في رسمه، وتحمل في متنها أيضاً دعوة خفية له للتفكير بخلق السماوات والأرض وبالخالق تعالى وبالموت والحياة، والثواب والعقاب.

ولوحات من هذا النوع تنقلك فوراً إلى وجدان الناس في المغرب، وبحثهم الدائم عما يعزز هويتهم الدينية الإسلامية، وإيمانهم العميق بالخالق تعالى، وأطمئنانهم الدائم عندما يحلون في المساجد للصلاة في الأوقات الخمسة.

ذم الدنيا

بينما تحيلك لوحات مصعب أبو شمس إلى الحرف والكلمة العربية، فهو لا يكتفي بالتجريد في رسمه بل ويؤكد هويته العربية الإسلامية بسطور مكتوبة على طول اللوحة، كما في بعض لوحاته في المعرض.

وما أن تحل شفرة كلمات إحداها حتى تجد أن الكلمات تذم الدنيا بلسان من عاشها في القرون الماضية، فالرسام يستعيرعيني كاتب من التأريخ العربي، ومن الزمن الهجري لينقل لنا رؤيا متشابهة بين ما رآه الفنان في يومنا الحاضر، وما عاشه كاتب النص المجهول في القرون الماضية.

والفنان أبو شمس بالرغم من ميله إلى التجريد إلى أنه يعيد علينا ألوان وطريقة رسم الفنان الفطري المغربي، فهو يستعير الألوان الطبيعية في الرسم كالحناء والزعتر والكركم، والزعفران، لجعل اللوحة أكثر قرباً ودينمية من عيني وروح الرائي.

وهو في لوحاته التي تعكس مشاعر الثورة والتمرد التي تعتمل في نفسه من خلال تكراره لرسم شعلات النار، التي تبدو في بعض لوحات المعرض كنار لا أنطفاء لها، وتذكر بيوم القيامة، وفي لوحات أخرى تذكر بالصراط المستقيم في الآخرة، وسير الناس عليه بعد الموت، فأما إلى جنة الخلد أو إلى العذاب المقيم.

الفنون الفطرية

وأبوشمس أومصعب الزغاري كما يحلو لبعض أصدقائه المقربين من مناداته به أكمل دراسته الأولية في الفن التشكيلي، وحصل على بكالوريا شعبة فنون تشكيلية عام 2002 وواصل تعليمه الفني في المعهد التقني لشعبة الصباغة وديكور المباني.

   وكانت أولى معارضه الجماعية في عام 2001 وتلاه بمعرضين شخصيين لعامي 2003 وعام 2004 في أسواق السلام، وتلت ذلك في السنوات التالية أكثر من سبعة معارض فردية، وستة معارض جماعية في مختلف المدن المغربية كالرباط والجديدة وتاونانت والمحمدية وغيرها.

عرف مصعب أبو شمس منذ بداياته الفنية أن للفن رسالة، فآمن أن رسالته الفنية تنطلق من محبته لفنون أهله في المغرب، فأخذ يتذوق بعينيه الفنون الفطرية، التي يراها في أسواق بيع الزرابي، وما رآه عليها من فنون التلوين الفطري.

وما رآه من سحر يتملك الرائي، وهو يتابع الأشكال الهندسية الملونة في طيات الأنسجة التي أبدعها النساج المغربي، وما عكسته المنمنمات والتطريزات على مناديل الرؤوس، التي تستخدمها النساء، وما تهئيه النكافات ” مُزينات العرائس” من أوشحة وملابس للعرائس ليبدون في أجمل مظهر ممكن.

فنانان مختلفان

من غرائب الأمور هو أتفاق رسامين لنوعين مختلفين من الرسم في معرض واحد، فالأول بوشعيب الماضي رسام واقعي وضع نصب عينيه أتباع المدارس الغربية في الرسم، ولاسيما ما نشرته مدرسة تطوان من مدارس الرسم الأوربية بين الفنانين المغاربة في شمال المغرب وجنوبه.

وقد شارك الفنان بوشعيب الماضي في تسع معارض جماعية في مدن مغربية مختلفة خلال عامي 2012 و2013 وفي جميع هذه المعارض عكس رؤى واقعية في لوحاته المشاركة، وهو من الفنانين العصاميين، الذين علموا أنفسهم بأنفسهم طرائق الرسم التشكيلي.

بينما نجد ان الفنان مصعب أبو شمس قد رسم لوحاته بطريقة تجريدية حاول فيها محاكاة الفنون الفطرية في المغرب ومحاكاة ما صنعه الأولون من ثقافة بصرية، رمزية نقلت الفرح بالحياة والأحتفاء بها من خلال رموز وإشارات وكلمات السلف البعيد والغائص في التأريخ المغربي.

أن معرضاً ثنائياً له ميزة التنوع البصري ــ بالرغم من بدايات الفنانين إذ لا يزال أمامهما الكثير لينجزاه ــ فإنه أضاف مفهوماً عاماً لدى المهتمين بالفنون، أن بالأمكان لأكثر من نوع من الرؤية الفنية أن تتعايش معاً لخلق رؤية بصرية متنوعة.

وتحكي من خلال تنوعها قصة الإنسان وتقلبه بين الفرح والبهجة والحزن والإحباط، وآمله الذي لا يقف عند حد في صنع الحياة وتلوينها بمختلف ألوان العيش المشترك.

وربما يواجه الرائي، الذي لم يعتد زيارة المعارض الفنية، أو أنه يزور هذه المعارض من خلال أرضاء رغبة بالأطلاع على ما يجري فقط أن يجد فجوة بين الطريقيتين في الرسم لدى الفنانين.

فيفاجأ بلوحات واقعية تنقل له ما يحدث في السوق الشعبي أو قريباً من الجامع، ويصطدم بلوحات أخرى قريباً منها تعكس رسماً تجريدياً يحيله إلى ما تعتمل في نفسه من مشاعر الفرح والحزن.

وربما صار الجمع لعرضي الفنانين مصعب أبو شمس وبوشعيب الماضي للوحاتهما في معرض واحد لضرورات ــ توفر مكان العرض فقط ــ وهذا بالطبع ليس مبرراً كافياً للجمع بين مدرستين مختلفتين للرسم في معرض واحد.