المعلّم العربي.. والدَّرس الياباني – مقالات – محمد المطالقة

المعلّم العربي.. والدَّرس الياباني – مقالات – محمد المطالقة

نَعلمُ جميعاً أهميّة التعليم، حيث أنّه الركيزة الأساسيّة للنهوض بالأمم، كما أنّه الركن الذي يُبنى عليه مُستقبل الدول من حيث التّطور والنّهضة والازدهار والتقدم، لكن ما السبب، الذي يجعل دولة تتميز عن دولة أخرى في مجال التعليم، بالرغم من نموّه وتطورّه، وتوفّر وسائله في معظم دول العالم؟.

استوقفني رد إمبراطور اليابان عندما سُئل ـ ذات يوم ـ عن أسباب تقدم دولته في هذا الوقت القصير، حيث أجاب:” بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير”.

لقد جاء ردّ الإمبراطور موجزاً، واختصر الكثيرمن المعاني والقيم، بل ومن التجارب، وأطلق العنان للعديد من الدراسات والبحوث في جميع أنحاء العالم.

وكما نعرف، فإن اليابان دولة اقتصادية من الدرجة الأولى، لكنها لم تصل إلى هذه المكانة، لمجرد توفر المصانع ورؤوس الأموال والأسواق كما يعتقد بعض الباحثين أو الدارسين، إنما أدركت، بعد ويلات الحروب، أن السبيل الوحيد لبناء مجتمع بارز هو الاهتمام بالتعليم، وأن المعلم هو حجر الأساس للمنظومة التعليمية.

رجاء الشعب

وعلى خلفيّة الرؤية السابقة، حرص الجميع في اليابان على أن يكون موقع المعلم بعد الإمبراطور مباشرة، وهذا سِرّ تفوق اليابان العلمي.

الحرص على المعلم هناك هو الذي كفل لليابان التقدم والرقي والنمو دائماً، وهو لا يرجى منه نفع إن لم يُكرّم، لذك كٌرّم بوضعه في الدرجة الثانية بعد الإمبراطور.

نعم المعلم في اليابان شيء آخر، فهو يحظى بإجلال وتقدير كبيرين لدى كافة فئات المجتمع، ويرددون هناك عبارة:” يا معلمنا نرجو أن تتفضل علينا وتعلمنا”، وهو رجاء يفوق الاحترام العادي.

بالإضافة لذلك المعلم يحظى بمكانة اجتماعية خاصة لدى الأسرة اليابانية، إذ يتولَّى الوالدان غرس هذا الاحترام في نفوس الأبناء منذ السنوات الأولى للدراسة، مما يوفر للمعلم سلطة كبيرة في تعامله مع الطلاب في كافة المراحل.. فأين نحن من ذلك؟، وما هي الحلول لتحقيق الازدهار والنهضة في مجال التعليم بدولنا؟، ومن المسؤول المباشر، المعلم، أم الأسرة، أم الوزارة؟.

الأسئلة السابقة كلها تُطرح بشكل يومي من الغالبية، والإجابات متنوعة لكنها غير مقنعة، نتيجة التباين الواضح في الاهتمام بتوفير البيئة الدراسيّة، والبناء، وتطوير المناهج، وتوفير المعلمين .

لنعد قليلاً إلى الماضي القريب حين كانت الوسائل قليلة، والمناهج محدودة، ومع ذلك فقد كانت المخرجات  أفضل من الوقت الراهن، بدليل ظهور كثير من المبدعين العرب ـ  ذكوراً وإناثاً ـ في شتى المجالات.

وضوح الحل

لاشك أن التعليم في الوطن العربي لا يزال مهما للجميع، بل أكثر من قبل، لكن بشكل مختلف وبارز، فالجميع، قديمًا، كان يتعلّم من أجل العلم نفسه، وكانت المدرسة، مع قلّة جاهزيتها،  محل احترام وادراك  لأهميتهاومكانتها، أما في الوقت الراهن، فإن كثيرا ممن يتجهون للتعليم وتوفر له الإمكانيات والوسائل والمعلمين، يبحث عن الدرجة والشهادة لكسب وظيفة يتم من خلالها الحصول على لقمة عيش دون الاهتمام بميوله وموهبته، أو كيف يفيد مجتمعه ؟!.

وبالنسبة لوزارة التربية والتعليم في كل دولة عربيّة، التي لم يبق منها إلا الإسم، فإن هدفها من العملية التعليمية اختلف تماما، ففي الماضي القريب كان هدفها الأول هو التربية، لدرجة أنها تأتي قبل التعليم سواء من قَبلَها، أو من قَبل المدرسة، وكذلك الحال بالنسبة للملعم وللأسرة، حيث يُربى الطالب، وينشأ على الخُلق الكريم قبل أن يُعلم، أما حاليًا فقد اختلف الهدف من التعليم، فهو من أجل مواكبة العصر والحصول على الشهادة فقط، وأصبح الحصول على المعلومة يتم عبر الوسائل الإعلاميّة الخارجيّة دون الاهتمام بالمدرسة أو مكانتها ودورها في النمو الفكري والمعرفي للطلبة.

من ناحية أخرى، فإن الأسرة سابقًا كانت مساندة للمعلم وموافقة على أسلوبه، وتعتبره القدوة الأساسيّة لأبنائها، وذلك على خلاف الوقت الراهن حيث أصبح المعلم مجرّد وسيلة توفر الراحة والهدوء، وأحيانا يتعنبر بمثابة الشماعة التي يُعلق عليها أي خلل أو قصور لدى الطلبة، والأكثر من هذا أن الطالب غدا ندًّا لمعلمه الطالب، وفي حالات كثيرة متجاوزا له.

أما المعلم، فشتان بين حاله بين الأمس واليوم، فالمعلم قديماً كان حريصاً على إبداء الرأي، ويحظى بكل الاحترام والتقدير في المجتمع، ويمثل مرجعية لكل الأطراف المنشغلة بالعملية التعليمية، أما اليوم، ونظرا للتغير الحاصل في المجال الاقتصادي وتاثيره على الوضع الطبقي، فقد أصبح المعلم هو من يستمع لأوامر الأهل والطلبة.

إذاً الحــــــل للنهضة واضح، لكن متى ســـــيتم الرجوع إليه؟.

علينا ادراك ما نحن فيه أولاً، وثانيا أن نعلم بأن حاجتنا الملحة قبل تطوير المناهج أو توفير البيئة هي إعداد من يصنع شباب المستقبل، مع توفير كل وسائل النجاح له، حتّى يعي المعلم مقدار أهميته في المجتمع، وأن يعود إلى مكانته الأولى، والاهتمام به، كونه هو اللبنة الأساسية لبناء الأجيال القادمة.. التعليم الناجح يعتمد على المعلم نفسه، فهو من يتحكم في بناء المجتمع ورقيّه وازدهاره .