المعشب الوطني العراقي

معلم علمي وحضاري

المعشب الوطني العراقي

ربما ان الهجمة التي طالت ومازالت تطال مراكزنا الحضارية ونهب وتدمير المدن الاثرية والمتاحف والمراكز العلمية، يدفعني لكتابة هذه المقالة عن الصرح العلمي والحضاري الاهم بالنسبة للثروة النباتية في العراق، الا وهو المعشب الوطني العراقي، حيث يعتبر هذا الصرح المتحف الرئيسي والمركز العلمي الاهم من حيث حفظ ودراسة الثروة النباتية في العراق، خصوصا وان ارض الرافدين هي مهد الزراعة ومنذ الازل اهتم الانسان في ارض العراق بالنباتات وتربيتها وزراعتها واستمر هذا على مر العصور حيث لقبت ارض العراق بارض السواد لكثرة النباتات التي تغطي ارضهُ الخصبة، من هنا كان لابد من انشاء مركز علمي مهتم بدراسة وحفظ هذه الثروة الطبيعية، وكان العراق على المستوى الاقليم من اوائل الدول التي قامت بأنشاء معشب في منطقة الرستمية عام (1929) مَثل اول معشب وطني في العراق، احتوى على ما يقارب (5) الاف عينة نباتية معشبية، (150) عينة منها تم جمعها عام (1920) تعتبر من اقدم العينات النباتية العراقية المحفوظة، ومَثل هذا المعشب النواة الاولى لتأسيس المعشب الوطني العراقي عام (1946) في منطقة ابو غريب، وهو اليوم احد شعب دائرة فحص وتصديق البذور في وزارة الزراعة، يمثل متحف ومركز علمي لدراسة النباتات العراقية يقصده سنويا عدد كبير من الباحثين والمهتمين بالشؤون النباتية. يحتوي اليوم المعشب الوطني العراقي على حوالي (60) الف عينة نباتية معشبية مجففة ومحفوظة على اسس تصنيفية علمية، تغطي تقريبا جميع الانواع النباتية التي تعود لمختلف البيئات في العراق، وهنا لابد ان نذكر الدور المهم للعلماء والخبراء الوطنيين والاجانب الذين كان لهم دور اساسي في انشاء وتطوير هذا الصرح، كان من ابرز العلماء الوطنيين الرواد الدكتور المرحوم علي الراوي، الذي يعتبر من المؤسسين الاوائل للمعشب الوطني، حيث ساهم في جمع ورفد المعشب الوطني بالاف العينات النباتية المعشبية، وكذلك في انجاز عدد من الدراسات المهمة حول الانواع النباتية البرية في العراق.

ومنذ بدايته كان المعشب الوطني يعمل بتنسيق كبير مع الحدائق النباتية الملكية كيو في لندن، والذي كان له لمسة كبيرة في المساعدة في التشخيص العلمي لعدد كبير من العينات النباتية المحفوظة اليوم في المعشب الوطني، واستمر العمل المشترك ليثمر في اطلاق الموسوعة النباتية العراقية وهي سلسلة من الاصدارات مكونة من 9 مجلدات تم اصدار المجلد الاول منها عام 1966، وتعتبر الدراسة الرئيسية التي تتناول الانواع النباتية في العراق من حيث التصنيف والتسمية العلمية وتوزيعها الجغرافي وبيئات نموها، استمر مشروع الموسوعة النباتية العراقية واصدر منه 6 مجلدات فقط لغاية 1985، وبعدها توقف العمل ولم يستكمل انجاز بقية المجلدات.

وفي عام 2003 تعرض المعشب الوطني الى كارثة نتيجة عمليات التخريب التي سببت في فقدان وتدمير اعداد كبيرة من العينات النباتية، فالمعشب الوطني شأنه شأن بقية المعالم الاثرية والثقافية والتراثية في العراق نال قسطاً كبيراً من عمليات التخريب والسرقة.

لكن سرعان ما استعاد المعشب الوطني عافيته، وفي عام 2010 اعيد فتح قنوات الاتصال بالحدائق النباتية الملكية كيو، نتج عنه استكمال العمل على بقية اجزاء الموسوعة النباتية العراقية، وتوج ذلك باصدار المجلد الخامس الجزء الثاني عام 2013، وكان هذا الانجاز بادرة تعكس بداية استعادة المعشب الوطني مكانته العلمية المرموقة، تبع ذلك اصدار عدد من المؤلفات العلمية التي تخص النباتات العراقية مثل (المجلد الاول من اطلس النباتات الطبية)، وثم كان السعي من اجل وضع المعشب في اطار البحث العلمي وربطه بفعاليات الجامعات العراقية الدافع الاكبر في اطلاق سلسلة من الندوات العلمية السنوية ابتداء من عام 2011، الشيء الذي ساهم بشكل كبير في تناول معالجة عدد من المشاكل التي تتعرض لها الثروة النباتية في العراق.

ومن هنا وبعد ان استعرضنا بشكل مقتضب تاريخ هذا الصرح العلمي والحضاري وما يمثلة من مكانة مهمة تساهم في دفع ودعم عجلة الزراعة والصناعة وحماية البيئة من خلال ما يمتلكه من خزين وتراث علمي من عينات نباتية ودراسات مختلفة عن ثروتنا النباتية الطبيعية، ورغم كل ما مر به المعشب الوطني سيبقى هذا المركز العلمي والحضاري يمثل واجهة من الواجهات التي تعكس تميز وغنى ارض السواد بالثروة النباتية، ودعامة اساسية من اجل تطوير العمل على الاستغلال العلمي المستدام لهذه الثروة والعمل على حمايتها وحفظها ونقلها الى الاجيال القادمة.

علي حالوب كاظم- بغداد