المستعمر والسياسي – مقالات – هادي جلو مرعي
لافرق كبير بين السياسي الفاسد والمستعمر الجاحد بالبلد الذي يحتله ويستعمره، ويحول مافيه الى بضاعة مزجاة تنقل عبر السفن، أو الطائرات، أو القطارات الى البلاد المستعمرة من البلد المستعمر المنهوبة خيراته.
المستعمرون حين دخلوا البلاد العربية لم يتركوا فيها حجرا على حجر إلا وقلبوه، ونقبوا في الأرض بحثا عن كل معدن وأثر قديم، ودخلوا في كل ميدان وربطوه بقيادة تتبع لهم، فهم الدولة الحاكمة وبقية المؤسسات تــــابعة لهم منقادة لأمرهم لاتخالف مايقولون، ولاتخرج عن المسار الذي يحددون، فالسياسة سياستهم والأموال أموالهم وحركة الإستثمار تتبع لهم، وهـــــم يقررون خريطة الإستثمار، وحركة السوق، والموارد الطبيعية تحــــت سطوتهم، فالنفط يستخرج من خلال شركات يأتون بها من البعيد لتستثمر في الحقول المتناثرة في الصحراء، أو بين الجـــــبال وفي الودـــــيان السحيقة، وتتحول الموارد المالية الى بنوك يسيطرون عليها، ويحتكرون من خلالها ثروة البلاد والعباد، ولايجودون إلا بالقليل القليل مما يمكن أن تسير من خلاله الأمور فتجد الناس شعث الشعور غبر الوجود طاوية بطونهم خاوية لايهتدون الى مصير يطمئنون معه الى مستقبلهم.
يؤسسون لحكومة وبرلمان تعمل تحت إشرافهم، ويرفعون علمهم فوق علم الدولة المحتلة، وهم أصحاب القرار، والرياضة والصحافة وشؤون المجتمع، وعلاقاته مراقبة من قبلهم، وفي مجال الصناعة والزراعة يتحول كل مورد، وكل منتج في المصانع والمزارع لهم لاينافسهم عليه منافس، ولايحاسبهم محاسب، بينما سطوة الجيش فهي ملك لهم، ومعهم ربما بعض القادة والعسكر من صنعهم.
السياسي في البلاد الخربانة هو كالمستعمر الغاشم لافرق بينهما، وإذا كنا وصفنا حال المستعمر، فإننا لن نجهد في وصف حال السياسي الفاسد، فهو يستحوذ على المناصب والمكاسب، ويخون إرادة الجماهير، ويتكبر عليهم ويترفع عنهم تماما، ولايتصل بهم إلا بمقدار مايؤمن له مصلحة معهم فهم أدواته للوصول الى السلطة، بينما السلطة له، لاشريك له فيها، والناس تبع لجنابه ولاقرار بأيديهم سوى أن يبعثوا التوسلات، أو يتمردوا فيدفعوا الثمن.
السياسي كالمستعمر تتحول بلاده الى منجم للذهب، والى خزينة مفتوحة، وبئر نفطي يستخرج منه الثروة فيحولها الى الخارج ليستفيدها في إستثمار تجاري او صناعي في البلاد التي يطمئن الى حالها فهو لايثق ببلده حتى لو كان هو سبب الخراب، وبدلا من الإصلاح يهرب بالمال الى الخارج، فيعيث في الأرض فسادا، ولايترك للشعب إلا الفتات، وحين يكون في منصبه الرفيع فإنه يجعل منه سببا للشهرة وجمع الثروة، والحصول على النفوذ والسيطرة والتربع على الحكم وقمع الناس وإحتقارهم.
السياسي الفاسد هو مستعمر جاحد.


















