
حسن النواب
(2)
فوجئ رئيس الوزراء بحضور ميَّاسة الغبش إِلى مكتبه الرئاسي عند الصباح؛ وهي تحمل قرار تعيينها كمستشارة أولى؛ تمعَّنَ في الورقة وجُنَّ جنونه حين شاهد توقعيه؛ كان رئيس الوزراء يعرف تفاصيل علاقتها المشبوهة مع والي العاصمة؛ كما أنَّ وجودها في مكتبهِ سيثيرُ مشاكل لا حصر لها مع زوجتهِ؛ سألها بجزعٍ:
– لماذا اخترتِ مكتبي؟
– طمعاً بالشهرة والمال.
– والي العاصمة لم يبخل عليكِ بشيء.
– هذا صحيح، لكني أتوق إِلى الأضواء.
– وهل يرضى على عملك بعشيدةً عنهُ؟
– النهار لي والليل له.
– أنتِ صريحة جداً.
– وأنت رجلٌ طيِّب.
– من أين جئتِ بهذهِ الدبلوماسية؟
– من خبرتي مع الرجال.
– هل يعرف الرائي أنكِ خليلة والي العاصمة؟
أجابتْ كاذبة:
– نعم
– ماذا فعلت للرائي حتَّى يصدر هذا القرار؟
– وهبتهُ جسدي ليلة أمس.
– أستغفرُ الله.
– كلُّنا نستغفرُ الله على ذنوبنا.
-لم أر امرأةً وقحةً مثلكِ أبداً.
– لا تقلق بشأنِ زوجتكِ.
– كيف لا أقلق وهي تتطيَّر من رؤية امرأة في مكتبي؟
– سأكون وصيفتها المخلصة.
– انصرفي عن وجهي.
– إِلى أين؟
– إِلى عملك كمستشارة أولى وأمرنا لله.
أطلقتْ ضحكةً ناعمةً وهي تغادر المكتب، حالما اختفتْ عن أنظارهِ هتفَ غاضباً:
– اللعنة عليك، ألم تجدْ غير هذه الفاجرة؟
اتصل بالرائي فوجد هاتفه الجوَّال مغلقاً، أرسل بقوةٍ عسكريةٍ تجيء بهِ من منزله، عادوا خائبين، لقد اختفى عن الأنظار، ولا أحد يعرف بأي مكان يهجع الآنْ، كرَّر الاتصال بهاتفه النقَّال لكنَّهُ لم يتلق أيّ ردَّ. ذهبوا إِلى شارع المكتبات ونادي الأدباء لعلَّهم يجدونه هناك، أخبرهم النادل أنَّ الرائي لم يزر المكان منذُ وقتٍ طويلٍ، فتَّشوا عنهُ في الملاهي والحانات والحدائق العامة دون جدوى، لقد اختفى الرائي من العاصمة.
صوتٌ أنثويٌّ ملأَ مسامع والي العاصمة حينَ رفع سمَّاعة الهاتف:
– مساء الاشتياق؛ لقد تأخَّرتَ يا مولانا.
– ما هي إِلاّ سويعةً وأكون بين أحضانكِ.
أغلق الهاتف، نهضَ ليعدِّلَ من هندامهِ وصفَّفَ شَعره ثمَّ همسَ بشبقٍ جارفٍ:
– ما أروع زواج المتعة.
قبل دخول الوالي إِلى منزل خليلتهِ، اخترقتْ رأسهُ طلقة قنَّاص؛ فهوى جُثَّةً هامدةً. مذيع نشرة الأخبار من شاشة التلفاز أعلنَ بأسفٍ بالغٍ: جُثَّة والي العاصمة لم تدفن بعدْ، والقاتل مازالَ طليقاً؛ في حين قالتْ ميَّاسة الغبش مستشارة رئيس الوزراء وخليلة الوالي القتيل إنَّ القاتل لنْ يفلت من القصاص. اشتعلتْ نار جهنَّم في صدر الرائي؛ إذْ علمَ أنَّ خليلة الوالي لم تكنْ إِلاّ ميَّاسة الغبش! هاتفها على عجلٍ وسمع صوتها المعسول وقد شابهُ الحزن:
– من المتكلِّم رجاءً؟
– أنا الرائي
هتفتْ بحرقةٍ:
– أتوسلَّ إليكَ أنْ تقف إِلى جانبي.
– بماذا؟
أجهشتْ بالبكاء ثمَّ قالت مختنقةً بدمعها:
– اغتيلَ زوجي الوالي، وليس سواكَ من يُشفي غليلي ويأخذ بثأرهِ.
تجاهل مطلبها وأخبرها بحدَّةٍ:
– لم أكنْ أعرف؛ أنكِ تعشقينَ هذا الجاهل.
– لا أسمح لكَ بالتجاوز.
– كم أنتِ وقحة؟
– هل نسيت أنّي مستشارة رئيس الوزراء؟
أجابها بتوترٍ:
– أنتِ جارية ليس إِلاّ.
تساءلتْ حانقةً:
– ماذا تعني؟
ختمَ مكالمته بنبرةٍ حاسمةٍ:
– رئيس الوزراء أصدرَ أمراً بعزلك.
حسن النوَّاب















