المساواة بين الرجل والمرأة تؤرق بلدية باريس خطوط جوية تتخلى في رحلاتها عن عبارة سيداتي سادتي

برلين‭ – ‬باريس‭ -(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬قرّرت‭ “‬لوفتهانزا‭”‬،‭ ‬وهي‭ ‬أكبر‭ ‬مجموعة‭ ‬للملاحة‭ ‬الجوية‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬عبارة‭ “‬سيداتي،‭ ‬سادتي‭” ‬أثناء‭ ‬التوجّه‭ ‬بالحديث‭ ‬إلى‭ ‬الركّاب،‭ ‬حفاظا‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬حياد‭ ‬الهوية‭ ‬الجندرية‭.‬

وقال‭ ‬ناطق‭ ‬باسم‭ ‬الشركة‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ “‬الطواقم‭ ‬ملزمة‭ ‬باعتماد‭ ‬خطاب‭ ‬يتوجّه‭ ‬إلى‭ ‬الركاب‭ ‬على‭ ‬اختلافهم‭”‬،‭ ‬مؤكدا‭ ‬معلومات‭ ‬نشرتها‭ ‬صحيفة‭ “‬بيلد‭”. ‬وأفاد‭ ‬المصدر‭ ‬عينه‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬تشجّع‭ ‬على‭ ‬الاستعاضة‭ ‬عن‭ ‬العبارة‭ ‬بتعابير‭ ‬مثل‭ “‬أيها‭ ‬الركاب‭ ‬الأعزاء‭” ‬أو‭ “‬صباح‭ ‬الخير‭”‬،‭ ‬مبررا‭ ‬القرار‭ ‬بضرورة‭ ‬مجاراة‭ “‬النقاش‭ ‬الجاري‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالجميع‭ ‬على‭ ‬اختلافهم‭”.‬

وأوضح‭ ‬الناطق‭ ‬باسم‭ ‬الخطوط‭ ‬الجوية‭ ‬التي‭ ‬تضمّ‭ ‬تحت‭ ‬رايتها‭ ‬شركات‭ ‬عدّة‭ ‬مثل‭ “‬أوستريين‭ ‬إيرلاينز‭” ‬و‭”‬سويس‭” ‬و‭”‬يورووينغز‭” ‬و‭”‬براسل‭ ‬إيرلاينز‭” ‬أنه‭ “‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬سيستغرق‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭”. ‬ولا‭ ‬ينطبق‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬الركاب‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬المجموعة‭. ‬فيما‭  ‬ترغب‭ ‬بلدية‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬تصحيح‭ ‬الاختلال‭ ‬في‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة،‭ ‬شأنها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬مدن‭ ‬فرنسية‭ ‬أخرى،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬تثير‭ ‬استياء‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭.‬

‭ ‬في‭ ‬متنزّه‭ ‬فيليت،‭ ‬يقوم‭ ‬عدّة‭ ‬رجال‭ ‬عراة‭ ‬الصدور‭ ‬بتمارين‭ ‬لياقة‭ ‬بدنية،‭ ‬مستخدمين‭ ‬المعدّات‭ ‬المتوفّرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحديقة‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬العاصمة‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬التي‭ ‬تضمّ‭ ‬نحو‭ ‬10‭ ‬أشخاص،‭ “‬امرأتان‭ ‬لا‭ ‬غير‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تلفت‭ ‬كورين‭ ‬لوكسمبورغ‭ ‬الأستاذة‭ ‬الباحثة‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬الوطنية‭ ‬العليا‭ ‬للهندسة‭ ‬باريس‭-‬لا‭ ‬فيليت‭. ‬وهي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المنشأة‭ ‬تقدّم‭ “‬خير‭ ‬مثال‭” ‬على‭ ‬التفاوت‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة‭.‬

وتقول‭ “‬ما‭ ‬كنّا‭ ‬لنظنّ‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬سيُنبذن‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭”.‬وترى‭ ‬هذه‭ ‬الباحثة‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬جهاز‭ ‬رياضي‭ ‬يستخدم‭ ‬من‭ “‬الرجال‭ ‬بنسبة‭ ‬90‭ %‬،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يُصمّم‭ ‬وفق‭ ‬الأصول‭”.‬

ويثير‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬في‭ ‬الحيّز‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬تمّ‭ ‬تشخيصه‭ ‬في‭ ‬فيينا‭ ‬وبرلين‭ ‬وبرشلونة‭ ‬مثلا‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬اهتمام‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬الفرنسية‭ ‬منذ‭ ‬بضع‭ ‬سنوات،‭ ‬حرصا‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬مقاربة‭ ‬أكثر‭ ‬إنصافا‭ ‬لمفهوم‭ ‬تصميم‭ ‬الحواضر‭.‬

وفي‭ ‬مسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الاختلاط‭ ‬الجندري،‭ ‬أعربت‭ ‬باريس‭ ‬وبوردو‭ ‬ومونتروي‭ ‬ومؤخّرا‭ ‬رين‭ ‬وليون‭ ‬عن‭ ‬نيّتها‭ ‬اعتماد‭ ‬ميزانيات‭ “‬تراعي‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭”.‬

ويقضي‭ ‬الهدف‭ ‬بتقييم‭ ‬توزيع‭ ‬النفقات‭ ‬العامة‭ ‬لتفادي‭ ‬أن‭ ‬تصبّ‭ ‬الميزانية‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭.‬

وتؤكّد‭ ‬إيلين‭ ‬بيدار‭ ‬مساعدة‭ ‬رئيسة‭ ‬بلدية‭ ‬باريس‭ ‬المكلّفة‭ ‬بقسم‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬الذي‭ ‬بلغت‭ ‬ميزانيته‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬يورو‭ ‬لعام‭ ‬2020‭ “‬نعمل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭”‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬حرص‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ “‬عدم‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬هي‭ ‬حكر‭ ‬على‭ ‬الرجال‭”.‬

وفي‭ ‬باريس،‭ ‬حيث‭ ‬أثارت‭ ‬البلدية‭ ‬المؤلّفة‭ ‬من‭ ‬اشتراكيين‭ ‬وشيوعيين‭ ‬وأعضاء‭ ‬في‭ ‬أحزاب‭ ‬بيئية‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬سنة‭ ‬2016،‭ ‬تجلّى‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬باعتماد‭ ‬‭”‬ورقة‭ ‬مناقشة‭ ‬حول‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭” ‬منذ‭ ‬استدراج‭ ‬العروض‭ ‬الذي‭ ‬أطلق‭ ‬لترميم‭ ‬سبع‭ ‬ساحات‭ ‬كبيرة‭.‬

وفي‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬العاصمة،‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ “‬بلاس‭ ‬دي‭ ‬فيت‭” ‬المحاطة‭ ‬بأبراج،‭ ‬عُزّزت‭ ‬الإضاءة‭ ‬وغُيّرت‭ ‬الألوان‭ ‬والتصاميم‭ ‬الحضرية‭. 

‭- ‬الشعور‭ ‬بالأمان‭ -‬

وفي‭ ‬قلب‭ ‬الساحة،‭ ‬مركز‭ ‬اجتماعي‭ ‬بات‭ ‬يستقطب‭ ‬النساء‭ ‬وأطفالهن‭.‬

وتحفّز‭ ‬المقاعد‭ ‬الخشبية‭ ‬الجديدة‭ ‬المقوّسة‭ ‬الشكل‭ “‬التخالط‭ ‬الاجتماعي‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تقول‭ ‬لورا‭ ‬كاييه‭ ‬من‭ ‬جمعية‭ “‬ويمنابيليتي‭” ‬المكلّفة‭ ‬إعداد‭ ‬تقييم‭ ‬بعد‭ ‬ترميم‭ ‬الموقع‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬استخدامات‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬له‭.‬

وفي‭ ‬الضفّة‭ ‬المقابلة‭ ‬من‭ ‬نهر‭ ‬السين‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬بانتيون،‭ ‬أرسيت‭ ‬بعد‭ ‬أعمال‭ ‬الترميم‭ ‬منصات‭ ‬خشبية‭ ‬كبيرة‭ ‬حفرت‭ ‬عليها‭ ‬أسماء‭ ‬حوالى‭ ‬200‭ ‬امرأة‭.‬

وتقول‭ ‬كريس‭ ‬بلاش‭ ‬مؤسسة‭ ‬مركز‭ ‬الأبحاث‭ “‬جانر‭ ‬إي‭ ‬فيل‭” ‬الموكّل‭ ‬من‭ ‬بلدية‭ ‬باريس‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الترميم‭ “‬رأينا‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬نساء‭ ‬مستلقيات‭ ‬تحت‭ ‬أشعّة‭ ‬الشمس‭ ‬وحدهن‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬باريس‭”‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬المسألة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الأثاث‭” ‬بل‭ ‬هي‭ ‬بالأحرى‭ ‬مسألة‭ “‬تنظيم‭ ‬حضري‭” ‬مع‭ ‬مراحيض‭ ‬وإضاءة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬تُشعر‭ ‬النساء‭ “‬بالأمان‭”.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬لا‭ ‬تثير‭ ‬إجماعا‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬السياسيين‭ ‬الفرنسيين‭. ‬وقد‭ ‬انتقد‭ ‬السياسي‭ ‬المؤيد‭ ‬لخروج‭ ‬فرنسا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬فرنسوا‭ ‬أسيلينو‭ ‬على‭ “‬تويتر‭” ‬أولويات‭ ‬رئيسة‭ ‬بلدية‭ ‬باريس‭ ‬آن‭ ‬إيدالغو‭.‬

كما‭ ‬تثير‭ ‬الورش‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬البلدية‭ ‬انتقادات‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الجمالية‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مع‭ ‬اتهامات‭ ‬للسلطات‭ ‬بتشويه‭ ‬صورة‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬العريقة‭ ‬التي‭ ‬يعود‭ ‬تصميمها‭ ‬الحضري‭ ‬للقرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭.‬