المثالية شيء والواقعية آخر

المثالية شيء والواقعية آخر

أعتذر مقدماً .. سأكتب بالقلم العريض!!

تقول إحدى النساء اللاتي رمى بهنَّ مجتمعنا الشرقي في أحضان السوء والرذيلة :

(يُخيلُ إليَ أنني لوكنتُ رجلاً لما إتهمني أحدٌ بالضلال أو الشذوذ !!! فكلُ ما فعلته وإستنكره الناس لايزيد عما يُبيحه الرجال لأنفسهم دون أن يتهمهم أحد بما إتهموني أنا به ؟)

هذه السطور إستوحيتها من قصص الكبير يوسف السباعي .. ويُخيل إليّ أنها سطور تحمل من الواقعية قدراً لا يُستهان به ، وربما لايختلف إثنان في أن عذرية المرأة هي رمز عفافها ، ولكن ليس هو العفاف المطلق ؟؟

فعفاف الجسد يمكن أن يخضع للإصلاح تحت أنامل الطب المأجور بقدر ما يتعرض للإفساد خلف ستائر الرذيلة في ظل الإنحلال الخلقي المتستر بالدين أو المتظاهر بإنفتاح السلوك الاجـــــــتماعي تزامناً مع ليونة التواصل التنكنلوجي المبهر الذي يجتاز ذروته.

هنا يجد العفاف الروحي موطئ قدم له ليكون ذلك الدرع الحصين ضد تلك الآفات والمغريات البشرية التي تدنو من عذرية الاجساد للمساس بها وسط لذة كـلمحٍ بالبصر لا تتعدى ان تكون وليدة لحظتها .

وكي لا ننأى كثيراً عن الرجل ومايترسخ في مفهومه فإنّ أولى ثوابتهِ ترى ان قمة الانوثة تكمن في العذرية المغلقة وقمة الرجولة تكمن في فتح ابوابها ، مع التهميش المتعمّد لعذرية الرجل وإبعادها دائماً خارج نطاق المساءلة والعدالة !!

هكذا تتساوى كفة الميزان وتنتهي الاولويات عند هذا الحد فحسب بالنسبة لسوادهم الاعظم .

غير ان ديننا القويم لم يفرق بين الرجل والمرأة ، فقد كان بمنتهى الوضوح والصراحة حين عاقب كل من (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ )) وحين كرّم كل من ((وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)).

إذاً المســـــألة تبدو كأنها شيئ من تقاليد المجتمع التي قفزت على القرآن الكريم رغم أن امة القرآن التي صنعها الرسول محمد صلى الله عليه واله لم تكن امة ذكورية مطلقة كما في الجاهلية التي سبقته وإنما سعى لصناعة أمة مهذبة بجنسيها محورها الإنسان .

إلا أنّ مايؤسف له كثيراً هو ثمة أعرافٍ مسرطنة تعبث بجسد مجتمعنا الشرقي الذي يقتربُ من صلب الاسلام نظرياً بالقدر الذي يبتعدُ عنه تطبيقياً.

يقول جبران خليل جبران :

(من لم يغفر للمرأة هفواتها الصغيرة لن يتمتع بفضائلها الكبيرة).

ومما لاشك فيه أن الهفوات هنا لا ترتقي لمعنى فقدان العذرية والعثور عليها في كل مرة ..

ان هذه الفلسفة الإجتماعية في صياغتها الأدبية والتي يضعها جبران على طاولة العلاقات العاطفية الصادقة ، تعطينا دستوراً أخلاقيا في التعامل الاجتماعي وفطرة الانسان على ارتكاب الاخطاء وضرورة إصلاحها والصفح عنها .. والزلات ليست حكراً على المرأة دون الرجل ، ولكنَّ سمعة المرأة في مجتمعنا كمنديل الكلينكس يتفتت بلمسة إصبعين ، وهي لا تستطيع ان تبرر ابسط زلاتها ليس لانتفاء الاعذار ؟ وإنما لعدم قناعة المجتمع أو ان المجتمع لا يريد ان يقتنع بتبريراتها أصلاً ولذلك يقول المفكر الاسلامي الكبير الشهيد علي شريعتي :

(اشفق على الفتاة حين تسوء سمعتها…، فهي لاتستطيع تربية لحيتها لتمحو تلك الصورة !! ) .

وهنا اود ان ابين للرجال ان من يريد إمرأة بدون زلات فليتحلى بالصبر حتى تُبعث العفيفة مريم بنت عمران عليها السلام عسى ان يعقد قرانه عليها تحت أجنحة جبرائيل عليه السلام

وإن كانت هناك إمراة تحلم برجلٍ يحفه النقاء المطلق من حوله ومن تحت قدميه فلتنتظر أن يبعث الله لها بــِ علي بن ابي طالب عليه السلام عسى ان تحظى بزواج مقدسٍ عند اركان الكعبة المكرمة .

فالمثالية شيء والواقعية شيء آخر في حياتنا المعاصرة.

 أحمد شاكر حسن الخطاط – النجف