قراءة في فهرست الشاعر فلاح الشابندر
الكتابة على وجه الماء – اضواء – ناظم ناصر القريشي
يقول الناقد محمد يونس في كتابه البنية الشعرية النهج والقيمة ص112 ” أن الشعر الجيد يتحرج اذا فقد احد ناصيتيه الرئيستين وهما الموهبة و التجربة زمن الطبيعي أن يتقدم الشعر نحو مرحلة جديدة اذا أضيف جانبا ثالثا وهو اللغة “وهذا ما نجده لدى الشاعر فلاح الشابندر حيث تنفتح القصيدة لديه كموجة تظهر فجاءه تحاكي العنفوان واندلاق الصباح بعد عتمة الليل وسكونه يفاجئك بالدهشة وحركة المعاني في الكلمات كالقفز الى الضفة الاخرى فيجعلك بالصورة التي رسمها خياله الإبداعي فتكون نسخة شبيهة من الشاعر في كلماته معولا على تفاعلك الشعوري كمتلقي وتقبلك للصور المركبة و ما تخلقه في اللاوعي من تكوين جديد للقصيدة و الأثر الذي تتركه في وعيك الحدسي والانفعالي كذلكونحن إذ نقرأ فهرس الشاعر للشاعر فلاح الشابندر نتسألما الذي يملكه الشاعر أكثر من الآخرين حتى يجعل من قصيدة النثر تقوم على التقاط اللحظات الإنسانية و يؤسس عليها مغامرته في اللغة فيجعلنا على قيد الشعر ويجعل الغياب حضورا والحلم كمرآة يدون عليها ما يشاء
ما الذي يريده الشاعر وهو يخط كلماته على وجه الماء مانحا إياه ذاكرة القصيدة و إيقاعاتها المشرقة ومؤسسا لذائقة مختلفة بقدر ما فتدهش المتلقي فيبدأ النص بمخاطبتها بيا أيتها ثم فضاء صامت ليجعلنا نتسأل من هي التي هي و المدينة لها النهارات كلها وللشاعر ما تبقى من ثمالتها و لان مسودته لا تشبه الحياة ندرك أن الشاعر كان يخاطب الحياة ذاتها والتي أصبحت تشبه المدينة بضجيجها وضوضائها و قسوتها التي جعلت الصرخة فيها ممزقة كالملابس البالية
يا أيتها.. أنتِ والمدينة
لك النهارات كلها
ولي الظال
مسودة شاعر لا تشبه حياة
راحل والندم سابق علينا
كأن الرحيل قضاء يمضي أمامه
بخطوات.. نحوي
الماء.. أعمى
قابض بحكمته على النار
نجد أن مسودة الشاعر ليست أرشيفا للأحلام ولا للموجات وليست زورق بلا مجاديف و إنما هي خطواته في الحياة وشراعا للريح التي تسافر في ذلك المدى البعيد لعل زهرة نرجس تزهر في تلك الأقاصي حاملة معنى الحرية دون أن تتعرى انصياعا لقوانين الرغبة , لذا نجد رغبة الشاعر الخروج من أولية الندم والرحيل الذي يتجه نحوه فيذهب الى حكمة الماء وبصيرته القابضة على النار العمياء
تبدأ غيمات التأويل تظهر في سماء التأمل من أول الحدس ابتدأ الى أخر العثور انتهاء وما بينهما البحث عن معجزة الوصول الى الأمل الحلم الخروج من الحزن من حدبة الملح من هذا الأمس والعودة للحياة ونلاحظ هذا التعبير الهائل :لي حدسٌ /أن اليابسة.. تعثر علينا / ثم السؤال المفاجئ /ماذا!.الذي يعبر فيه الشاعر عن الوهم الكبير الذي نعيشه في الحياة كأننا تحت سماء مخادعة و لا نستطيع أن نحتل البحر
لي حدسٌ
أن اليابسة.. تعثر علينا
ماذا!.
إلا إذا عصا موسى
أي ورع يرعى هذا الغياب..!؟
لا أنتظر شيئا ماضيا إليه
لكني جئتُ لأعود
البحث عن منفذ يخرجنا من هذا التيه نحن في لجة البحر نتأرجح والأمل كلوحة ثابتة على الجدار لكن نرها يتأرجح معنا كالأقدار المتقطعة في التيه الشاعر ينسج ملحمته القدرية يضع هذا المشهد الرهيب على اعتباره جزاء منه أنها الحياة
الشراع.. شرفة المركب، والريح لا عهد لها
دربي.. الثقب
وما الالتواء إلا حلزون
ورئتي.. يجرفها السعال
دربي.. الدغل
فالنص لديه متحرك وديناميكي، يجد للكلمات إمكانات جديدة يجعلها تشعر بأهميتها ككلمات تعبر عن فكرته خارج حدود الاعتياد الذي أدمنته حيث تفاجئك الصور و الأشكال في كل لحظة وكذلك تعدد الأصوات و الايقاعات في النص الواحد والتجانس بين الفكر والمعنى و الايحاء وهذا مانلمسه في هذا المقطع
الغمام.. يتدلى على هدب المساء
مثقل بالأرق
البرق.. يشج طيولاً خرساء
البحر.. مفتوح على سواه
الليل.. ينطوي على.. .
ألتقي عزلتي
متجهاً نحو الحلم..
انفرط الحلم
جلس القرفصاء.. فلملمه؛ بالتمني..
استوى خائرا
سقط انكسارا
على محجر المركب
يتدلى رأسه منغمساً بالماء.
إشتقتُ وجهي
أريد وجهي
ومن هنا نكتشف شاعرية الشاعر فنجده يسكنه هاجس التجريب و روح المغامرة في اللغة في بحث واضح عن اللحظة وتكوينها من جديد في آفاق الخيال الشعري وجعلها صالحة للقراءة و التقبل فنجد أن أفق الشعر يتساوى عند الشاعر مع أفق اللغة بحيث تستطيع أن ترى الفكرة كأنك تنظر إلى الحصى في مجرى النهر وفي بعض الأحيان يتجاوزه إلى ابعد من ذلك الى الايحاء حيث يسكن الخيال فيتساوى مع أفق التأويل
وفي فهرست الشاعر هذا يدعونا الشاعر فلاح الشابندر أن نعيد النظر في مسلماتنا اتجاه الشعر و لغة القصيدة ونكتشف الأسرار الكامنة فيها من جديد وفق رؤيا فنية مختلفة ممزوجة بطاقات تخيلية تعبر عن قلق الشاعر حيال رتابة هذا الواقع نحياه وتجعله يتكلم لغة أخرى يشكل تفاصيلها كما يشاء بأبدعه يكون فيها القابض بحكمته على النار العمياء
القصيدة تعتمد أساسا على اللغة على اعتبارها لغة خلق واكتشاف عابره قنطرة التعبير لإعادة تشكيل الأشياء , فإلى أي مدى تستجيب تقنية قصيدة النثر رؤيا الشاعر
و إلى أي مدى يعيش الشاعر قصيدته وكلماته وكيف يعبر عن ذاته وينطق بحكمة الماء الذي أتم مواعيده و أنجز كل شعائره سافر في غيمات ترفرف كالأماني وهطل مطرا كما يشاء واستقر في الأنهار وجعل من البحر متاهته ولغزه الكبير إلى أي مدى يعيش الشاعر حلمه ؟ وهل يعي أن تحقيقه المستحيل وان حكمة الماء لا تكفي لتحتوي أفكاره فيرتدي حلمه ويتبع تلك الموجات ويتحول الى كلمات وقصيده
و أخيرا نلاحظ أكثر الشعراء أن لم نقل اغلبهم يتماهون مع الماء سواء كان باسمه المطلق أو كموجات في نهر أو غيمة تنث قطرات مطر أو قطرات ندى على ورق الورد وذلك لان الماء له طقوسه يحمل قاموس الحياة والشاعر يحمل ذات القاموس على شكل مشعل من كلمات فالشاعر والماء قصيدة واحدة
الرقص.. مران الحرية
رقصة راهبة
رقصة رافضة
الأمل في اليابسة ذاك الكتاب المفتوح
هو أكثر إثارة في وسط البحر
ويخيل لي
أنه عبارة عن لوحة معلقة
وإذا ما صعد دخان.. هناك خبز
وإذا ما صعدت منارة.. هناك نداء
ولكن.. لا أدري إن كانت مسوَّرَة
وأخاف أن تكون أقداراً.. متقطعة
تلتقي التيه.. مثلنا
***
الشراع.. شرفة المركب، والريح لا عهد لها
دربي.. الثقب
وما الالتواء إلا حلزون
ورئتي.. يجرفها السعال
دربي.. الدغل
وعباءتي.. .
ياليتني أقيم تحت أظافري
دار ببصره واستقر في الفراغ
تشابه بكم اليأس والنوم
والحيتان تشم عفننا
هذه الليلة
ليلة حيتان
وغيض الموج يضرب حواف المركب
والزبد دوائر قلق
يتمايل الشراع
ويئزّ المركب
يئز أَرَقَاً
***
الغمام.. يتدلى على هدب المساء
مثقل بالأرق
البرق.. يشج طيولاً خرساء
البحر.. مفتوح على سواه
الليل.. ينطوي على.. .
ألتقي عزلتي
متجهاً نحو الحلم..
انفرط الحلم
جلس القرفصاء.. فلملمه؛ بالتمني..
استوى خائرا
سقط انكسارا
على محجر المركب
يتدلى رأسه منغمساً بالماء.
إشتقتُ وجهي
أريد وجهي
آه.. ألا تسمعون
تشابه بكم اليأس والنوم
كم تصافحتْ المرايا ووجهي
ونام متصالحاً مع الليل
يا ليل.. يا ليل..
ضاع بفنائك وجهي.. يسأل عني
مَنْ أرخى جفنه، لتنام فيه
أنت عني فيه
وأنا عنك فيه
نديمك الشوق، وأنا جامع فيك
هل شرَّدتك المرايا، كي تبحث عني؟.
مزدحم فيك..
مزدحم حولي..
تتلفت بي
أراك قريباً، وتراني بعيدا
من يحفر فيك ويزرعك دغلا
وتنبذك حتى الخفافيش
***
المركب مقعد فارغ
ومن بعيد
موجة أسميها الرغبة
شهابية وردية
عاجز عن لمسها
عاجز عن حدسها
وعاجز أن أقترح
تتجمع.. إمرأة من ماء
والترقب يكبل وجهي خرافة
ورأسي محتل بالهاوية
وقلبي يرتجف
أصابني الدوار
وأطرافي موغلة بالنمل
تقترب.. تدنو..
تصعد المركب
فلت جدائلها تغطيني
وحملتني إلى البحر
وأقمنا العرس
بين أحراش كريستال
قالت.. رجوت نبيل الليل.. أن نستأجر حوتا
ولم الحوت.. يا جن البحر؟
قالت.. إن قومك في حرج وقد اخترتك القوي الأمين
تجرجر المركب إلى اليابسة
وتعود إلي أميرا على قومي
فما رغبتك؟.
غرق الشاعر..
وظفر باليقين.

















