
كلام أبيض
الكاميرات زووم – جليل وادي
يندر أن تمشي فتاة في أسواقنا بمفردها او مع عائلتها من دون أن تتعرض للمضايقات بالنظر او بطرق أخرى قبيحة، حتى يُحار أصحاب العوائل في كيفية التعامل مع هذه المضايقات. وكثيرا ما تتعرض الفتيات اللواتي يقُدن المركبات الى مضايقات من نوع آخر، ومن تلك المضايقات ما يؤدي الى وقوع حوادث يسقط فيها ضحايا.
وتحاشيا لهذه المضايقات تلجأ غالبية الفتيات الى اغلاق صفحاتهن في مواقع التواصل الاجتماعي بإحكام شديد تسد فيه جميع الطرق التي يمكن أن يتسلل منها الى صفحاتهن أي متطفل او سيء أخلاق، وربما تستغرب الأمر أشد الغرابة ان رأيت فتاة وقد نشرت صورها الحقيقية على حسابها تحسبا من أولئك الذين تعرفون، ويأتي بعضا منه خضوعا للعادات والتقاليد التي ترى في ذلك عيبا، او احتمال استخدامها بما يشكل مساسا بشرف العائلة، هذا التحسب هو الغالب، طبعا استخدامات الفتيات لمواقع التواصل الاجتماعي يطول الحديث عنه، وما يهمني هنا هو حجم المضايقات التي يتعرضن لها.
تأملوا، كل هذا يحدث مع ان بيوت الله تحيط بمنازلنا من الجهات الأربع، وتكثُر في مراكز المدن، وما أن يُرفع الآذان حتى ترى الجموع الغفيرة متجهة صوبها، وفي أيام الجمع تكاد تفرغ الشوارع، وهو مشهد تحمد الله تعالى فيه على نعمة الايمان التي يفترض أن تكون الأخلاق فيها شاهقة العلو، لماذا يحدث هذا في بلد يعد من بين أكثر البلدان بدور العبادة، فماذا كان يفعل رجال الدين فيها، وما هي تأثيراتهم، وأين تذهب خطبهم الرنانة بأصواتهم الصادحة وهمساتهم الايمانية ؟. الجواب لديكم.
وقياسا بعدد الشهادات الجامعية، الأولية منها والعليا والتي بلغت أعدادها من الكثرة بحيث تعجز الحكومة عن ايجاد فرص عمل للكثير منها، فان مجتمعنا وفقا لذلك يحسب على المجتمعات المتنورة التي يفترض أن تخلو من الظواهر السلبية التي ذكرتها، أليس الثقافة تطّهر النفوس من السلوك البذيء، وان الحصيلة العلمية ترتقي بالإنسان لما هو أفضل، فلماذا تحدث هذه الظواهر، فهل ما حصلنا عليه من شهادات كانت شكلية وتفتقر الى المحتوى التربوي الحقيقي؟، وهنا نعيد ذات السؤال ماذا كان يفعل المعلمون، وماهي التأثيرات التي حققوها في نفوس الطلبة وعقولهم ؟، والجواب لديكم أيضا
لقد أتيحت لي أكثر من فرصة لزيارة بلدان اسلامية، عربية وأجنبية، وبعض هذه البلدان مختلفة في جوانب عديدة وأولها مستوى الحرية الاجتماعية، فالحرية الاجتماعية المتاحة في بعضها واسعة جدا بحيث تجعلك تتساءل كيف استوعبتها هذه المجتمعات، وبصرف النظر عن وجهات نظرنا بها، المتفقة منها والمتعارضة، لكني أقول ان مجتمعنا بحاجة الى عقود عديدة من الزمن للوصول الى هذا المستوى من الحرية التي تنتمي في جوهرها للغرب أكثر من انتمائها للشرق، وأشك في وصولنا اليها، ومع ذلك لم تصادفني مضايقات بالنظر او بغيره من الشباب ازاء الفتيات، وحال الفتيات في الشوارع والكازينوهات والمركبات بمستوى من الاسترخاء لافت، ويقترب حضورهن الاجتماعي من الحضور الذكوري، ان لم يتفوق عليه أحيانا.
كما لم تصادفني مثل هذه المضايقات في بلدان اسلامية متحفظة، أي أن مستوى الحرية الاجتماعية فيها لا يخرج عن اطار الطابع الاسلامي المتعارف عليه، ولا يمكن مقارنتها بحال مع النموذج السابق المنفتح، بالتأكيد ليس هناك مجتمعا مثاليا بالمطلق، ولكن تبقى المضايقات فيها حالات محدودة ولا ترقى أن تكون ظاهرة، وهنا أتساءل: كيف انخفض السلوك غير المرغوب به في تلك البلدان، بينما هو في ازدياد متواصل لدينا، وكأن شبابنا لم يروا في حياتهم نساء، وان عيونهم لم تشبع، وبعضها كنظرات وحش الى فريسة، وجميعها بلا حياء حتى وان تلاقت نظراتهم مع نظرات الآباء الحائرين.
بصراحة هناك خلل واضح في منظومتنا الأخلاقية، ومشكلة واضحة في عملنا التربوي، أي اهتزاز مخيف في القيم، وانهيار مريع في التنشئة، ولا أظن الشباب مسؤولين عن سلوكهم، بقدر مسؤولية وكالات التنشئة الاجتماعية المتمثلة في المدرسة والمؤسسة الدينية ووسائل الاعلام، ويبدو ان هذه الوكالات ما عادت تنظر لأدوارها على انها عمل رسالي، بل مهمة روتينية ليس فيها مهما سوى ما يتحقق للعاملين فيها من فوائد خاصة، راقبوا أسواقنا وسترون ان الكاميرات زووم.
jwhj1963@yahoo.com


















