القوى المهيمنة على القرار ؟ – منقذ داغر

مصادر القوة والسلطة في العراق  -2-

القوى المهيمنة على القرار ؟ – منقذ داغر

في نهاية المقال السابق،طرحت سؤالاً جوهرياً لفهم تفاعل وصراع القوى الأجتماعية في العراق وهو: في ضوء الحلقات التسع عشرة السابقة التي حللنا فيها كل القوى الأجتماعية في العراق،فهل هناك قوة اجتماعية (أو أكثر) مهيمنة على المشهد العراقي حالياً، أم أن هناك توازن في قواه الأجتماعية الأربع؟ وماهي تداعيات ذلك؟ أن الأجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد أين يتجه العراق في الحقبة القادمة؟ وهي التي تحدد أيضاً طبيعة التفاعل أو الصراع الأجتماعي في العراق ولمن ستكون الغلبة. وكما ذُكر سابقاً،فأن أهمية دراسة مصادر القوة في أي مجتمع أنها تحدد مدى صحة أو تدهور المجتمع من حيث التفاعل و\أو الصراع بين مكوناته المختلفة. كما أنها تحدد موقع الدولة على الصعيد الخارجي مقارنةً ببقية الدول. وبأختصار فكلما كان هناك توازن أكبر بين مصادر القوة الأربعة كلما مال المجتمع الى الأستقرار والتفاعل الكفوء بين مكوناته وكلما طغت أحدى القوى عل الأخريات في هيمنتها وتأثيرها كلما أختل توازن المجتمع داخلياً وخارجياً.

كان هناك تنافس في السيطرة بين القوة العسكرية والقوة السياسية في مرحلة تأسيس الدولة العراقية بعد 1921. فالجيش كما أوضحت ذلك تفصيلاً عند مناقشة القوة العسكرية في العراق،كان المؤسسة الأقوى والأكثر تنظيماً.مقابل ذلك بدأت الدولة الجديدة بأتخاذ كثير من الخطوات المؤسسية لتعزيز قوتها في المجتمع. لكن ظهور النفط وتطور المُلكيات الزراعية ودخول الآلة والتصنيع للعراق،خلق منافساً جديداً للقوتين السياسية والعسكرية،وهو القوة الأقتصادية. لذلك برزت في أربعينات وخمسينات القرن العشرين نخبتَي الشيوخ والضباط، فضلاً عن نشوء أحزاب جديدة ونخبها السياسية أيضاً. كما بدأت القوة الآيدلوجية (الدينية والسياسية) بالبروز خلال نفس الفترة. لقد خلق ذلك نوع من التوازن بين مصادر القوة المختلفة في العراق. لكن ما حصل بعد 1958 أدى لتعزيز قوة وسيطرة المؤسسة العسكرية على بقية القوى وبخاصة القوة الأقتصادية من خلال قوانين تحديد المُلكية الزراعية وقانون تأميم المؤسسات الأقتصادية الخاصة. ثم جاء البعث ليعطي للآيدلوجيا تفوقاً على مصادر القوة الأخرى في بدايات حكمه،قبل أن يتم أحتكار كل مصادر القوة من قبل الدولة حيث باتت القوة الآيدلوجية،والأقتصادية والعسكرية فضلاً عن السياسية في خدمة النظام. وتمت تعبئة الحياة الأجتماعية والأقتصادية والسياسية والعسكرية لخدمة ما تراه المؤسسة السياسية ورئيسها.

قوة سياسية

وحينما أحتُلّ العراق في 2003 تم أسقاط الدولة العراقية وبذلك فقدت القوة السياسية مرتكزها الأساس. فحصل أختلال شديد في القوى الأجتماعية لأن القوة السياسية كانت من الناحية الفعلية هي اللاعب الأساس أو شبه الوحيد خلال النظام السابق. لقد أدى أسقاط الدولة العراقية ليس الى تدمير المصدر الأساس للقوة السياسية بل لتدمير القوى:1) الأقتصادية والتي كانت الدولة تحتكرها،و2)القوى العسكرية(بعد أن تم حلّ الجيش العراقي السابق) و3) القوى الآيدلوجية السياسية،وليس الدينية،بعد أن تم أجتثاث البعث. أذكّر هنا بتعريفي لمصدر القوة بأنه يجب أن يمتلك مؤسسة ويمتلك هدفاً  ليصبح مصدراً فاعلاً للقوة. وبما أن مؤسسات الدولة،والجيش، والبعث،والأقتصاد(الصناعة والزراعة…الخ) قد تم هدمها كلياً أو شل فاعليتها بأعتبارها كانت جزءً من نظام سياسي تم أسقاطه، فقد حصل فراغ هائل للقوة في المجتمع العراقي كان من الطبيعي أن تملؤه القوى التي تمتلك تنظيماً على الأرض ولها هدفاً تسعى لتحقيقه. وبما أن القوة الآيدلوجية الدينية كانت الأقوى تنظيمياً والأكثر مرغوبيةً من حيث هدفها فقد لعبت دوراً محورياً في ملء فراغ القوة حتى باتت الحوزة العلمية في النجف (وربما بعض المؤسسات الدينية الصغيرة في الجانب السني ) أهم لاعب في القوى الأجتماعية والسياسية وحتى الأقتصادية. وبما أن الأحتلال أصطحب بعض التنظيمات السياسية التي رافقته أو تعاونت معه، فقد حلّت تلك التنظيمات( الأحزاب العلمانية والدينية والقومية) محل الدولة كلاعب سياسي أساس. وبما أن اللاعب الأساس في القوة العسكرية العراقية(الجيش) قد تم حلّه،فقد سارعت الميليشيات الطائفية والحزبية الى ملء فراغ القوة العسكرية لتصبح اللاعب الأساس في العراق. وبما أن المؤسسات الأقتصادية للنظام السابق(كالصناعة والتصنيع العسكري وبعض المؤسسات التجارية والزراعية) قد تم بيعها أو أضعافها لأسباب مختلفة فقد ظهرت طبقة جديدة من الأوليغارك وأصحاب رؤوس الأموال والمضاربين وغيرهم من طفـــــيليات الأقتصاد المنهار، ليلعبوا دور القوة الأقتصادية البديلة في العراق.

في ظل هذه الأزاحة القوية لمصادر القوى الأجتماعية في العراق بعد الأحتلال جرى أبتلاع الدولة العراقية كمصدر أساس للقوة السياسية،من قبل قوى الآيدلوجيا والسلاح والمال. وفقدت في ظل هذه الظروف هويتها المؤسسية فلم تعد هي المسيطر على مصادر القوى الأخرى كما هو الحال سابقاً وكما هو الحال في النظم الشمولية عموماً،ولم تتمكن بسبب إضعافَها من قبل القوى الأخرى على أن تلعب دور المنظِّم للحياة الأجتماعية وتحولت من دور فاعل أجتماعي رئيس الى مفعول به رئيس!!والواقع فأن القوى الأجتماعية المنافسة للدولة (الآيدلوجيا الدينية ،والسلاح،والأحزاب المتحاصصة وحتى القوى الأقتصادية الطفيلية الناشئة حديثاً) تدرك تماماً أن وجود دولة عراقية قوية ووازنة مقارنةً بتلك القوى،سيقلل كثيراً من نفوذها على العراق. لذا بدأ في السنوات العشرة الماضية نوع جديد من علاقات القوة الأجتماعية يقوم على التحالفات المصلحية. فقد تحالفت قوى السلاح مع قوى السياسة والمال وحتى الآيدلوجيا لبناء منظومة قوة لا يمكن تحديها من قبل القوى الناشئة الحديثة( كالأحزاب الجديدة) أو من قبل القوى التقليدية القديمة(كالدولة). وبدأت مصطلحات دولة الفساد تحل محل فساد الدولة،ودولة السلاح تحل محل سلاح الدولة،ودولة الدين بدل دين الدولة.

هنا يبرز سؤال أخير: ما الحل أذاً في ظل هذا التحالف القوي بين مصادر القوة المهيمنة على المشهد في العراق حالياً. للأجابة على هذا السؤال،لا بد من العودة الى بضعة أسطر أعلاه والتي وصفت كيفية حصول الإزاحة في مصادر القوة بعد أحتلال العراق في 2003. فللتخلص من شمولية وأحتكار مصادر القوة من قبل الدولة،عمد نظام بعد 2003 الى حلّ الدولة كلياً وأتى عليها من القواعد.وهذا ما جعل القوى الأخرى تتعملق الى الحد الذي بات يصعب معه تحديها أو التوازن معها. أن تعزيز مؤسسات الدولة هيكلياً ووظيفياً وقانونياً هو الخطوة الأساس على أن يجري كل ذلك وفق خطة مدروسة لا تؤدي لأحتكار الدولة للقوة مرة أخرى لكنها في نفس الوقت تتيح لها لعب دور المنظِّم والموازن لكل القوى. أن هناك الكثيرين ممن يعتقدون أن العراق بحاجة لأصلاح وظيفي يكفل وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. أما أنا،فرغم أعترافي بأهمية ذلك الا أني أرى أن أي أصلاح وظيفي سيفشل مالم يسبقه أصلاح للقوى المؤسسية للدولة أولاً،والأقتصاد ثانياً والجيش ثالثاً. أما الآيدلوجيا(الدين) فأن من الأفضل عدم التدخل به وترك أموره للمختصين به.

علماً أن أي تعزيز مؤسسي ووظيفي لأي من مصادر القوى الأربعة سينعكس بالتأكيد على أصلاح باقي منظومة القوة.