القنبلة الذرية ومدير مدرسة الزهاوي ألأبتدائية – ثامر مراد

thamer

القنبلة الذرية ومدير مدرسة الزهاوي ألأبتدائية – ثامر مراد

منذ اللحظة التي شاهدتُ فيها مدير مدرسة الزهاوي ألأبتدائية وهو يضرب التلاميذ الصغار – المساكين- وأنا أحترق وأتلوى من ألألم وأحاول قدر ألأمكان تجنب هذا الموضوع في كتاباتي اليومية لأنني كلما حاولت تسطير كلمة في هذا الصدد أشعر أن أناملي ترتجف وقلبي يكاد يتوقف عن النبض. لا أعرف ربما تعيد هذه الصورة البشعة لي تاريخاً قديماً حينما راح المعلم عبد الستار يصفع أحد زملائي في ألأول ألأبتدائي وتدفق الدم من أذن صديقي –الذي أصبح فيما بعد مهندساً شاطرا جدا في الهندسة الكهربائية- أو صورة معلم ألأحياء وهو يضرب يدي عدة ضربات في الثالث المتوسط في متوسطة المسيب- لازلت أمقته وأتمنى أن أعثر علية كي أمزقهُ باسناني في هذا الزمن- .الموضوع الذي نشره الكاتب أحمد حسن العطية يوم 1-4-2015 في موقع كتابات تحت عنوان ” بين هيروشيما والعمارة هنيئاً لأهل العمارة العز الذي هم فيه” . هيج في روحي غضباً ليس له مثيل وحزن لايمكن أن يجاريه أسى في هذا الكون. شعرت مدى ألأنحدار ألأنساني الذي يعيش فيه ألأنسان العراقي بصورة عامة والطفل البريء بصورة خاصة. لاأعرف ماذا أفعل ؟ هل أحرق جسدي في باب مدرسة الزهاوي دلالة لحزني ويأسي الشديد واسفي على تلك البراعم الصغيرة التي راحت تتلقى صفعات مرعبة من شخص – المفروض ان يكون قمة في التعامل ألأنساني تجاة تلك البراعم . ماذا سيتذكر أؤلئك الصغار من بناية تلك المدرسة حينما يصبحون رجالاً؟ أنا لا أعرف مبادئ الجريمة التي إرتكبها أولئك الصغار في ذلك الصباح؟ هل سرقوا أموال العراق؟ هل نحروا ألأجساد على الطرق السريعة بحجة ألأنتماء الى طائفة أخرى؟ هل أوقفوا رواتب عمال الصناعة بحجة عدم وجود سيولة نقدية؟ هل مزقوا صور القادة العظام أمثال – هتلر أم المارشال رومل – حينما كان يجتاح صحراء ليبيا؟ هل تكاتفوا مع القوات المتقدمة من خلف البحار لتدمير الهيئات العلمية في عموم البلاد؟ أم أن هناك أسبابا أخرى لم تُفصح عنها تقارير المخابرات لسريتها المطلقة المتعلقة بأمن البلاد؟ يوماً ما كنتُ في البستان قرب أحد ألأقرباء- كنتُ في ألأول ألأبتدائي- وكان ذلك الرجل النبيل يعتني ببراعم البرتقال ويربطها الى عيدان مستقيمة . سألته عن السبب في ممارسة ذلك العمل, أخبرني أن البرعم الصغير يتطلب عناية فائقة كي يكون ساقه مستقيما حينما يكبر ولاتكون الشجرة منحرفة أو مائلة الى الجهةِ ألأخرى. ظلت تلك الصورة عالقة في ذهني بعد أكثر من خمسين عاما. حقاً أن البراعم الصغيرة تحتاج الى عيدان مستقيمة كي تأخذ قالب منتظم غير منحرف. الكاتب أحمد حسن العطية – مشكوراً- قدم مقارنة جميلة جدا بين صغار اليابانيين وهم يجلسون على مقاعد مهشمة بعد الضربة النووية على مدينتهم وبين أطفالنا الصغار وهم يتلقون صفعات مرعبة من مدير كان من المفروض أن يكون ملاكاً رحيماً وليس جلادا في الصباح الباكر. ذكر الكاتب بأن هناك متحف – السلام- شُيِّدَ في مكان القنبلة النووية التي دمرت المنطقة بالكامل. وهناك صورة فوتوغرافية لتلاميذ في صف بائس بلا سقف وباب وشباك وهم يجلسون على ألأحجار. وجوههم مرهقة من التعب وفي يد كل تلميذ دفتر وقلم والمعلم يشرح لهم الدرس. يوجد في الصورة تلميذ رث الملابس كان قد فقد جميع أفراد عائلتة ولكنه نجا لأنه كان في مكان بعيد عن مكان وقوع القنبلة الذرية. أصبح هذا الطفل مدير عام شركة العهد الجديد وتحت إدارتة 30 ألف موظف في عموم اليابان ولشركتة فروع عديدة في كل العالم. إستشهد الكاتب بمقولة للدكتور جيمس دوبسون ” …إن مايسيطر على تعليم أطفالنا وشبابنا وعلى طريقة تفكيرهم وعيشتهم – هو مايرونهُ ويسمعونهُ ويؤمنون به يحدد مستقبل ألأمة” . الغريب في قضيتنا أن نقابة المعلمين تدعو الى إطلاق سراح مدير مدرسة الزهاوي وتدعي أنه لم يسبب ضررا ملحوظا للأطفال الصغار وإن ذوي – المتضررين- لم يقدموا شكوى ضد مسبب الضرر. وتقف النقابة ضد هيئة النزاهة لأنها تمارس حقاً ليس من واجباتها. وصرح نقيب المعلمين للزمان مدعياً أن ألأمر لا يدعو الى ألأعتقال لعدم وجود مصابين أو تقرير طبي أو حتى دعوة قضائية ضد المعتدي. نتوقف هنا قليلاً ونحلل نوعية الضرر الذي لحق بالصغار. لم تكن هناك كسور جسدية في ألأعضاء وألأطراف ولم تكن هناك دماء متدفقة من أجساد الصغار. حسناً . أتمنى أن يكون العقاب لذلك المعلم – العين بالعين والسن بالسن- حسب الشريعة ألأسلامية. نحسب عدد الضربات التي وجهها لكل طفل مضروباً في عدد الصغار ونضربه بذات العصا التي عاقب بها الصغار لجريمة لم يرتكبوها أبداً. عندها نكون منصفين لكل ألأطراف على شرط أن لانحدث أي ضرر جسدي للمعلم ونصورهُ بذات الكاميرا التي صورت التلاميذ وننشرها في نفس الموقع الذي نُشر فيها الموضوع وبذلك نكون قد وصلنا الى تطبيق العدالة الأجتماعية وألأنسانية والتربوية. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى يدعي نقيب المعلمين عدم حدوث أضرار للجهة المتلقية للضربات.لا..وألف لا..نقول هنا وبكل ثقة أن هناك أضرارا نفسية حدثت تعادل اضرار الدم المتدفق وعدد الكسور في ألأطراف. سيبقى كل طفل يئن في صمت الليل وهو يرقد على وسادتهِ الخالية من أي رحمة ..من أي شعور بألأحترام ..شعور بالمذلة والخوف يرافقه مادام على قيد الحياة. سيكره التعليم وأي شيء ينتمي الى ميادين المعرفة . سيربط ذلك بلحظات الذل والألم. المدير سبب ضررا بليغا لمستقبل العراق بطريقة غير مباشرة. من يدري ربما يخرخ أحد هؤلاء الصغار- حينما يصبح رجلاً- بمفهوم خطير – وهو أن القوة وألأعتداء على ألاخرين أحد مبادئ الرجولة وتحقق له الكرامة والعز وتجعل ألاخرين يخافون من سطوته. ربما يشكل فريق عمل من أشد الرجال فتوة ويبدأ بتحطيم كل شيء ينتمي الى المدارس ومراكز التعليم لأن عقله  اللاواعي يقدم له صورة ذهنية مفادها أن القوي من سيطر على كل شيء بالعضلات وتدمير الفئات ألأخرى. ربما ينبري شخص ما يريد الدفاع عن القضية بطريقة أخرى ويدعي أننا نهول أو نضخم الموضوع . نعم …ينبغي أن نضع في حساباتنا كل ألأسباب التي قد تسبب لمجتمعنا ضرر جسيم لأننا تركنا- براعمنا من أشجار البرتقال سائبة بلا عود مستقيم وبالتالي فانها ستخرج حسب الجو المحيط بها عند الغرس- . الضرر النفسي ليس واقعاً على أولئك الصغار فقط. سيتعدى الى أمهات ألأطفال وهن يشاهدن فلذات أكبادهن يجلدون في الصباح أمام العالم كله. لنفترض جدلاً ان ألأطفال نسوا جميعاً وسامحوا معلمهم وكذلك ألأمهات. أنا كأنسان عراقي أنتمي الى هذا البلد وخدمتُ فيه وأديتُ كل الواجبات التي فرضها علي الدستور العراقي – من حق المواطنة وحرية التعبير والتقدم بشكوى للمحاكم العراقية في حالة الشعور بالضرر من قبل أي جهةٍ أو مؤسسة أشعر أنها سببت لي ضررا نفسياً أو جسدياً- يحق لي التقدم بشكوى قانوية للنظر في الحالة التي أمر بها وأطلب التعويض من الجهة التي سببت ذلك الضرر. سأستفسر لدى رجال القانون في أحقية التقدم بشكوى ضد ذلك المعلم المتحجر القلب لأنه سبب لي ضرراً نفسياً. الضرر النفسي هو الدموع التي تفجرت من عيناي وأنا أشاهد الطفل الصغير يضع يدهُ قرب وجهه يحتمي من تلك الضربات بخوف ورعب.الضرر الذي جعلني أستعيد ذكريات الطفولة وضربات ألمعلم على وجهه صديقي عام 1965 . أعاد لي صورا مرعبة من الحياة جعلتني أفكر ساعات طويلة وأنا في خريف العمر. جعلني الضرر أتشائم من الحياة وأعاد لي كل الصور المأساوية التي يمر بها العلم والتعليم. سلاماً أطفال العراق في كل مكان. أعتذر منكم جميعاً لأنني لااستطيع أن أكون حاضراً زمن الصفعات على وجوهكم. لو كان طفلي معكم لكنتُ قد لاحقت المعلم قانونياً وعشائرياً ولجعلته عبرة لمن أعتبر. أعتذر من أطفال العراق في العراق وفي جميع بلدان العالم.